تجاوز إلى المحتوى

من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة

ألزم محمد بن القاسم الكرخى بيته، واستكتب ابن رايق أحمد بن على الكوفى ووافى من البصرة سفن كثيرة من سفن التمر، فرخص حتى بلغ الألف سبعة دنانير وظهر عند إبراهيم بن أحمد بن اسماعيل صاحب خراسان ديلم فأخذوا وأفلت منهم قوم فقتلهم العامة، وظهر على كورتكين لثمان ليال خلون من المحرم فى دور سليمان، فأوصل إلى ابن رايق فوبخه وسلمه إلى دار السلطان، وكاتبت أخته ابن رايق وسألته أن يؤمنها فآمنها، فصارت إلى أخيها كورتكين وطولبا بأموال، وضرب كورتكين، وأخذ منه مال قليل وقال كل شىء كنت أفيده كنت أعطيه الديالم. وقد صدق فى هذا ما كان يدخر شيئا. وانحدر ابن رايق إلى واسط لاحدى عشرة ليلة

خلت من المحرم بعد أن فرق على جلسائه جملة دنانير فكان ممن نادمه فى ذلك الوقت على بن هارون المنجم فأمر له بألف دينار، وصرت أنا إليه لأودعه وهو فى الزبيدية فقال لى ألست معى فى هذا السفر؟ قلت إن أمر الامير، فجذب الدواة ووقع لى بخمسائة دينار بخطه فقلت لأبى عبد الله الكوفى إلى من هذه؟ فقال إلى أبى بكر بن مقاتل. وانحدر من ليلته وبكرت بالرقعة إلى ابن مقاتل فقال هذه مبهمة يعطى خمسمائة دينار مبهمة، ولو كانت إلى لخاطبنى. فأخذتها وانحدرت من وقتى إلى المداين فعرضتها عليه فوقع: يا أبا بكر أطال الله بقاءك ادفع اليه خمسمائة دينار، فدفع إلى مائة وخمسين دينارا، وقال أنا أدفع اليك الباقى بواسط فأضفت إلى ما أعطانى مثله، وتحملت وخرجت إلى واسط فما دفع إلى ابن مقاتل شيئا، وكلما وقع إليه بتوقيع قال أفعل ونحن فى إضاقة إلى أن صالح البريديين وشخص عن واسط، ولزمتنى مؤن أحوجتنى إلى أن بعت شيئا كان لى بالبصرة وأنفقته انتظارا لوعده، فما وفى بشىء، ولا أطلق لى درهما واحدا، فجئت اليه فى اليوم الذى صاعد فيه وقد تقدمه ابن مقاتل إلى بغداد، فقلت أنهضنى أعز الله الأمير إلى بغداد كما أخرجنى أمرك عنها. قال الحقنى بنهر سابس، فعلمت أنه لا يفعل شيئا فجلست مضطرا. ووافى أبو الحسين فصرت إليه فأكرمنى وقربنى، وكذلك ابو يوسف وتكفل بأمرى كله.

ووصلنى سرا وعلانية أبو القاسم عبد الله بن أبى عبد الله الوزير، وأما الوزير أبو عبد الله فانى لم أجده كما عهدت، على أنى نكبت بعده، إلا أنى

أرجع منه إلى عشرة ثم إن أبا الحسين لم يدعه حتى وصلنى وأضاف إلى ذلك صلة منه، ووصلنى أبو يوسف وأمرنى بملازمته ووصفنى وقال قد سألنى أهل البصرة أن أقدمك عليهم، وزعموا أن علومهم مجتمعة عندك، فتضمنت له ذلك وتغير الوزير لى وجعل يثلبنى قوم عنده يختصون به، لست منهم فى شىء، وخاصة لما شخص أبو الحسين يريد بغداد فانه كان يكلمه فى أمرى ويقوم بنصرتى إلى أن حجبنى أياما، ثم أذن لى وأراد أن يمنعنى من الجلوس فى الجامع للناس، وتقدم بذلك إلى المعتمدى فقيل له إن الخلق كثير، وليس المنع من حديث رسول الله صلى الله عليه يحسن عند الناس. فأضرب عن ذلك وكنت أتأخر فيعتب على وأحضر فيعنتنى فان سأل عن شىء فأصبت فيه خالفنى، وأعانته العصبة التى حوله فقال لى يوما- ولولا أن ما أحكيه داخل فى باب العلم والافادة ما حكيته-: كم بالبصرة من قبيلة ليست بالكوفة، وكم بالكوفة من قبيلة ليست بالبصرة؟

فقلت بالبصرة المهالبة، والمسامعة، والجاروديون، وباهلة وبالكوفة بنو أسد عدة مواضع وليس بالبصرة إلا مكان زعموا أنه سمى بغيرهم، وبها الاشاعثة. وبها المقيثون. فقال ذهب عليك الأعظم وبنو حمان بالكوفة وليس هم بالبصرة! فقلت بلى هم بالبصرة فقال كذبت، فقلت والله الذى لا إله إلا هو ما كذبت منذ عرفت قبيح الكذب، فقال يا يانس هات مائتى دينار فجاء بها فى صرة، فقال إن

كان بالبصرة بنو حمان فهى لك وإلا غرمتك نصفها ووهبته، فقلت الوزير أعزه الله يتفضل على ويهب لى أضعاف هذه وما كنت لآخذ على هذه الجهة شيئا ولو كانت ألفى دينار ولكنى أحدث الوزير أعزه الله بشىء يتفضل باستماعه ثم يأمر بما شاء، قال هات. قلت رميت وأنا صبى فى سنة خمس وسبعين بالبصرة مع إنسان يعرف بابن طاهر الهاشمى وهو يعيش، فكان رمينا: خرجه عندى فأجذبه إلى العتيك وخرجه عنده فيجذبنى إلى هدف بنى حمان، ويحضرنا ألوف من الناس ولقد أنشدنى ابن ذكرويه لنفسه

حزب العلاء نضلتهم فترحّلواطاب الرّحيل إلى بنى حمّان
هذا أبو ساسان قد أشجاكمماذا لقيتم من أبى ساسان

وهؤلاء بنو المثنى وبنو عبد السلام، فأن شاء الوزير أن يستعلم هذا منهم فليفعل فما رد جوابا وأمر بدفع الدنانير وقال لى يوما من الذى أكل تمرا وهو رمد من إحدى عينيه فنهاه النبى صلى الله عليه، فقال إنما آكل من شق عينى الصحيحة؟ فقلت هذا صهيب، فقال أخطأت والله هذا عامر بن فهيرة. فقال له بعض من كان عنده وهو اليوم ببغداد: هذا مشهور عن عامر، فقلت أعز الله الوزير لا تلتفت إلى قول من لا يدرى حدّثنى عون بن محمد الكندى قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن صفى عن أبيه عن جده عن

صهيب قال قدمت على النبى صلى الله عليه وبين يديه خبز وتمر وقد رمدت إحدى عينى، فقال ادن فكل فجعلت آكل التمر فقال يا صهيب أتأكل التمر وبك رمد؟ فقلت إنى أمضغ من الناحية الأخرى! فتبسم صلى الله عليه.

وحدّثنى عون قال حدثنا يعقوب بن محمد قال حدثنا عاصم بن سويد عن ابن اسماعيل بن مجمع عن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن صهيب قال جئت والنبى صلى الله عليه فى بيت كلثوم بن هرم بعد ما قدم من قباء بثلاث وبين أيديهم تمر أو رطب قد كاد يتمر وإحدى عينى شاكية فأكلت منه فقال لى رسول الله صلى الله عليه أتأكل التمر وبعينك ما بها؟ فقلت إنما آكل من شق عينى الصحيحة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه. فقال أرنى هذا فى كتاب، فقلت ما معى أصل ثم قلت لمن يجيئنى من أصحاب الحديث انظروا من عنده مسند فليجئنى بمسند صهيب، فجاءوا به فحملته اليه. فقال له صاحب الكلام فلعله قد قال هذا لعامر أيضا! فقلت هذا مسند عامر وهو كله ثلاثة أحاديث- وكنت قد استظهرت بأخذه- فنظر فلم يجد فيه شيئا فذهب المعترض يتكلم فقال له حسبك، الكلام فى هذا بعد ما وقفنا عليه قلة حياء وقحة، إلى غير هذا من أشباهه ولما أراد أبو يوسف الرجوع من واسط إلى البصرة جذبنى إليها ووعدنى وتضمن لى ما يرغب فى بعضه، فأعلمته أنه لا أصل معى من أصول الحديث ولا غيره وأنى ألم ببغداد وأحمل ذلك معى وأقصد البصرة. فقال لى فلا

تقيمن بعدى بواسط ساعة واحدة. فعرفت أن تحت هذا الكلام ما هو أعرف به وأعلم، وأنه قد نصح لى فشيعته ثم صاعدت من وقتى إلى بغداد فوجدت أبا الحسين بها والخليفة خارج عنها فاستأذنت عليه فلم يأذن لى، واذا كتاب الوزير قد ورد عليه: لا يدخلن الصولى اليك. فكنت مجفوا محجوبا، فلما شخص الى بغداد احتجب إذ أستتر يوما أو يومين لمعرفة الناس بكونى عندهم وثنائى عليهم، فكنت عند السيد الشريف أبى عبد الله الموسانى ثم خرجت لتلقى سيف الدولة لأنه كان فى حداثته يلزمنى وقد قرأ على علما كثيرا. فجمع بعض جيرانى بقصر عيسى جماعة من العيارين ووهب لهم دراهم وكان له سكان فى مثل حمام ودكان وبثهم فى نواحى بغداد يصيحون ألا إن الصولى قد خرج مع البريدى وكان هو مع ابن قرابة آفة الناس معه ووجه بهم إلى بستانى الذى بحضرة بستان حميد فكسروا دواليبه وجمروا نخله وهدموا أبنية أنفقت عليها ألفى دينار ولم يدعوا سقفا ولا خزانة الا نهبوه، وفعلوا مثل ذلك ببستان بدوران، وهو الذى كان لغج بن جاخ، وقد أنفق على أبنيته ألوف دنانير وما ترك فيه شىء، ورجعت من عكبرا فرأيت ذلك، وعلم به سيف الدولة، فقال ضع يدك على من شئت، فكرهت أن أصدقه عن الحال فى فعل جارى، وجاءنى أهل الناحية فعينوا لى جماعة فذكرتهم له، فأمر بقطع أيديهم فنظرت فإذا ما مضى لا يعود وما أفعله بهم يحقد على أمثالهم، فى زمان يتصنع كل قوم بألوان ويحدث فى الشهر منه دول، فأطلقت عنهم. فيا عجبا لقوم

حجبت عنهم وكان رئيسهم لى على هذه الحال، أتهم فيهم بهذه التهمة، ويفعل بى مثل هذا الفعل، ثم يضرنى ذلك عند بعضهم إلى الآن!.

قد قضيت وطرا من ذكرى حالى وإعلامى من يعلم حقيقتها، وما جرت عليه، تفرجا بذلك واستراحة إلى شكواه إلى الناس. وأنا أعود إلى شرح الحوادث وما جرى إن شاء الله ولما انقضى أمر الديالم وخلع على ابن رايق للامارة ظهر أحمد بن على الكوفى من استتاره فاستكتبه ابن رايق لنفسه والخليفة، وأراد أن يخلع عليه للوزارة فامتنع من قبول اسم الوزارة، وعمل ما كان يعمله الوزراء، ودبر أمر الناس كله أبو بكر محمد بن على بن مقاتل، وصرف أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخى إلى منزله فكانت وزارته للمتقى اثنين وثلاثين يوما وشخص ابن رايق الى واسط فدخلها، وانحدر البريديون إلى البصرة، وكانت لابن رايق بواسط أمور عظام من تشاغله بالنبيذ ليله ونهاره، حتى أن رؤساء أصحابه لا يرونه إلا لحظة فى كل مدة وحضرت له دعوة عظيمة فى يوم صادفه فيه بعض الأتراك الى غير هذا مما يترك ذكره، ثم راسل البريديين وواقفهم على حمل، ورحل عن واسط الى بغداد وتجدد لهم رأى فى رد الوزارة الى أبى عبد الله البريدى فعقد ذلك له فى يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الآخر، فى هذه السنة، وهى سنة ثلاثين وثلاثمائة. واستخلف له بالحضرة على خدمة السلطان وتدبير الطساسيج أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وحملت

الخلع الى واسط، فلبسها الوزير، وركب فيها بين يدى داره وكنت أنا بواسط فقال لى: أعملت شيئا فى أمرنا هذا؟ فأنشدته شعرا والله ما مدح أحد منهم قط بمثله فيه وهو

هنيئا للوزير قضاء دينبه أضحى الزّمان قرير عين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وعود وزارة سيقت اليهكعودة قرب حبّ بعد بين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
أبى عبد الاله أجلّ كافتسمّح بالنّضار وباللّجين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ويهنى ذاك يعقوبا أخاهوصنوهما الكريم أبا الحسين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
هما قمرا الزّمان وغرّتاهمريحا الملك من عار وشين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
أحلّا منه نصحا وافتقادامصالحه محلّ النّاظرين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وما كان الفساد وقد تعلّىليخفضه سوى إصلاح ذين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ويهنى ذاك عبد الله فيهفتاه فهو إحدى الحسنيين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
هلال لم تبدّده اللّيالىفينقصه مرور الفرقدين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ترادفه السّيادة غير وانويشبهه تشابه قرّتين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
كما أودعت سطرا من كتابولم تنقطه غينا بعد عين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وزير مقبل الأيّام عالعلى أعدائه طلق اليدين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
يهين المال بالافضال جوداومرقى الجود صعب غير هين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
سيقضيه الزّمان بطول عمروتمليك الرّياسة كلّ دين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
غدت خلع عليه تائهاتبعالى النّفس عالى الذّروتين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
جلت بسوادها ظلم اللّيالىكما تجلو سواد المقلتين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
بمنطقه يلوح الحلى فيهاكما لاحت نجوم الشّعريين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
تباط معالق منها رقاقبمصقول رقيق الشّفرتين
كرأى منه يفعل فى اللّيالىوفى الأيّام فعل النّيّرين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
فأعلى الله سادتنا جميعاوأبقاهم بقاء الفرقدين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وقلّم عنهم ظفر المنايابقرب مناهم وببعد حين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وملك للورى وصفاء دهريرين على عداهم أىّ رين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
فكم عذلوا على إفراط برّفما أصغوا لعذل العاذلين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
أقول بما علمت مقال صدقبعيد الشّأو من كذب وشين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
لقد صانوا الوزارة بعد هتكوزانوها وكانت غير زين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
برأى مستنير للموالىوصعب للمعادى غير لين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وأقلام تحكّم فى الأعادىكحكم السّيف والرّمح الرّدينى
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ويغنى الرّمح فيها عن ثقافويغنى السّيف عن إصلاح قين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وتخفق بالّذى نهواه كتبتكون بها صلاح الخافقين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ترى الأقدار مصعدة اليهتسحّب بين تسجية وطين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ثوابكم على إصلاح ملكثواب شهود أحد أو حنين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
فرعتم فى بنى الأحرار طورايطول الرّعن فيه ذا رعين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
وزادكم محمّدكم علوّاويعقوب شريف الجانبين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
ورثتم عنهما كرما وفضلاكذاك يجىء نجل الفاضلين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
لقد أصلحتم ما بين دهرىعلى رغم العدى كرما وبينى
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة
سأقضى فى مديحكم حقوقاكما يقضى حقوق الوالدين
للشاعر أبو بكر الصولي، اقرأ القصيدة

فوصلنى الجماعة على هذا وشكرونى سوى الوزير، فانه كان عنده بمنزلة أردإ الشعر وأوضع المدح ثم رأى السلطان وابن رايق أن يحلوا ما عقدوه من أمر البريدى وينقضوا ما أبرموه، فخلع على أبى إسحاق محمد بن أحمد الاسكافى للوزارة، يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وصرف به أبو جعفر بن شيرزاد إلى منزله وصح عند السلطان عزم البريدى على قصد الحضرة فى جميع رجاله، وذلك لمهانة ابن رايق ومطالبة ألف من الأتراك البجكمية له بأرزاقهم فلم يحسن أن يتلافاهم وترفق بهم، حتى شذوا عنه ومضوا إلى البريدى

إلى واسط، وكان الترجمان يزعم أنه هو الذى أصلحهم له وأفسدهم على السلطان، فقووا نفسه وزينوا له ورود الحضرة، فركب المتقى لله الظهر فى يوم الثلاثاء، ثانى اليوم الذى خلع على القراريطى فيه للوزارة وأمر بالنداء فى العامة بلعن البريديين، وتحريضهم على قتالهم. وبين يديه مصاحف منشورة فسار من داره إلى الجسر وركب الماء وعاد إلى قصره وأمر باصلاح العرادات والمنجنيقات حوالى داره، وحفر خندق والحاجب فى الوقت سلامة واستدعى ابن رايق العيارين، فكان ذلك خطأ من رأيه عظيما وخرج أبو الحسن على بن محمد البريدى من واسط يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة ولما قرب من بغداد بلغ الخبز فى عسكره رطلا بدرهم ثم لم يوجد وفتح العيارون السجون، وكان هذا من فعل ابن رايق توطئة لما يريد البريدى، لكثرة العيث من العامة وغلبتهم على التجار واهل البيوتات. وعبر أصحاب البريدى نهر ديالى، فحاربهم القرامطة وبدر الخرشنى ساعة ثم انهزموا وفى الوقت الذى ركب الخليفة الماء من الجسر ورجع إلى قصره انقطع الجسر وانخلع الكرسى وهو مملوء بالنظارة، فغرق خلق كثير من رجال ونساء وصبيان وفى يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة انهزم جيش ابن رايق والعامة، وغرق من العامة بين يدى النجمى خلق كثير لا يضبطهم

العدد، وخرج الخليفة وابن رايق إلى باب الشماسية وتبعهم الناس فباتوا بالبردان. وغرق أبو محمد بن سلامة الحاجب وكان فتى نفيسا قد تأدب وسمع حديثا كثيرا وملك البريدى الدار، ووجه بابن أبى داود الأوانى إلى الخليفة يحلف له أنه لا يريد إلا خدمته والانتهاء إلى ما يريده ويأمره به، فلم يلتفت إلى ذلك ورحل إلى سر من رأى، ولحقه الحسين بن سعيد بن حمدان فى عسكره.

ونزل أبو الحسين البريدى دار مؤنس الخادم، ووجه إلى خدم الدار فأحضرهم. وأمرهم بحفظ الحرم، ووعدهم أنه يجرى عليهم جراية واسعة، وضبط أبو عبد الله الأعمال كلها ولقى الناس من الديالم وتنزلهم عليهم بلاء عظيما، وقال بعض من عاين الأمر فى ذلك الوقت: أى شىء كان أحسن من أن يوجه بألف فارس، ويضمن لهم مال حتى يردوا الخليفة وابن رايق فيجلس الخليفة فى داره ويوسع عليه، وعلى حرمه وحشمه فى النفقات، ويخلع على ابن رايق ويخرج إلى الشام على أجمل الحال، فيكون الظفر القبيح أحسن ظفر، وتحسن الأحدوثة.

وركب السكرى حاجب أبى الحسين البريدى ونادى ألا ينزل أحد من الجند على الحد فكف البلاء قليلا.

وخطب الخاطب يوم الجمعة فدعا للمتقى لله، ونودى إن وجد مع عامى سلاح قتل

ووافت من ابن طغج هدية سرية للخليفة إلى الانبار فلما علم بما جرى ردها إلى هيت، ورخصت الأسعار بمدينة السلام وسر الناس بذلك، وحصل السلطان بالموصل فى رجب، وقد كان العباس بن شقيق صاحب أمير خراسان وافى فأقام بالنهروان حتى يؤذن له فى الدخول فأذن له ووصل وجاء معه برأس ما كان الديلمى، وشهر فى دجلة فى غرة شهر ربيع الأول، وكان ركوب الخليفة إلى بثق النهروان يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول فصلى عليه، فما انصرف جنده حتى تهور السكر وعاد البثق إلى حاله ولما ملك جيش البريدى الدار نهبوا جميع ما وجدوا فيها، وداروا فى صحونها، وفعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم، فقد كان الخلفاء يقتلون بسر من رأى ودورهم محفوظة مصونة، ولما دخل الحاج بغداد فى أول صفر سالمين دخل معهم أبو العباس احمد بن سعيد بن عقبة الكوفى وكان أحفظ الناس للحديث وأكثرهم كتابا له، فوعد الناس لجلوسه فجلس يوم السبت لست خلون، فى مسجد الشرقية فأملى وقرىء عليه وجلس بعد ذلك فى الجامعين الشرقى والغربى، وحدث وجلس فى براثا مجلسين، وأملى فضائل كثيرة وعز الدقيق بمدينة السلام فلم يوجد فبعث المتقى لله بأبى الفرج المالكى القاضى إلى الحسن بن عبد الله يأمره بإدرار حمل الدقيق، وقد كان الملوك بلغ ستة دراهم، فجاء الدقيق فى شهر ربيع الآخر فصلح

السعر. وأخذ رجل يعرف بالكرخى يقطع فى طريق واسط حتى انقطع الطريق من أجله فقتل. وصرف القضاء من الجانبين ببغداد وتقلد القضاء بهما أبو الحسن أحمد بن اسحاق الخرقى لأيام بقين من شهر ربيع الآخر. وخلع عليه فى يوم الخميس، فنزل فى جامع الرصافة وقرأ عهده وقيل للحسن بن عبد الله إن ابن رايق قد عزم على قتلك، فبادره ففتك به وقد عبر إليه. ووافى بغداد الخبر بقتله لأربع بقين من رجب وأن السلطان زاد الفارس عشرة دنانير، وزاد الراجل دينارا، وقبضوا أرزاقهم على ذلك وتسحب الديالم على أبى الحسين البريدى، فلما رأى ذلك أمرهم باللحاق بواسط، وأن الوزير يريدهم فخرج أكثر رؤسائهم. وأخبر أبو الحسين البريدى أن جماعة من الأتراك قد عزموا على الفتك به. وأن الأمير أبا الوفاء توزون التركى رأس ذلك وصاحب التدبير فيه، وعلم توزون بأن الخبر قد فشا فبادر فكبس دار مؤنس ليلا. ونقب فيها نقوبا كثيرة فلم يصل إلى ما أراد وحاربه الديلم وأصبح فكثر الجيش عليه، ولم يخرج إليه من كان وعده ان يكون معه فصار إلى البردان ثم صار إلى عكبرا وقبض على العمال وأخذهم بجباية المال، فقصده جماعة من القواد فناوشهم فلما رأى كثرتهم صار إلى سر من رأى، وتأخرت أرزاق الديلم أياما فصاروا إلى الشماسية وصاحوا: خليفة يا منصور، فوجه إليهم فأرضاهم وعادوا

وولى ناصر الديلمى شرطة الجانب الشرقى مكان توزون فالتزم وأنصف.

وتواترت الاخبار بأقبال السلطان إلى بغداد، وأن الأمير أبا الوفاء حركهم وقال كلوا الأمر إلى وكونوا من ورائى فأخرج البريدى المضارب إلى الشماسية ليقاتلهم، وعيد السلطان بحبة من طريق ووافى، الموصل تكريت وأخرج البريدى الأتراك والديلم إلى المضارب بباب الشماسية وأنفذ أبا طاهر القاضى، برسالة إلى السلطان، بأن يجىء إلى داره، وينصرف هو والجيش عنه فعاد بجواب لم يحبه البريدى وهرب قائدان من قواد الديالمة فى أربعمائة نفس إلى السلطان.

ووجه البريدى بالترجمان من واسط فى عدة ورجال، مددا لأخيه أبى الحسين، فدخل بغداد يوم الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال واتهم ابن شقيق صاحب أمير خراسان بأنه يضرب الجيش فأنفذه إلى واسط بعد أن أراد حبسه وتقييده، فمنعه الاتراك من ذلك عصبية له وخاف أبو الحسين البريدى أصحابه ولم يثق بهم فأرى الناس أنه مصاعد لقتال السلطان، ثم انحدر هو وأصحابه ليلا ورمى بعضهم العامة ووافى الحسن بن عبد الله بغداد ومعه مال أعده لعمارة بغداد وضياع السواد، وذهب لتوزون مال عظيم فعوضه الحسن من ذلك رزق عشرة آلاف دينار كل شهرين برسم المماليك، وضج الناس بالدعاء وضربت مائة قبة ودخل الخليفة بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، وكان خروجه عنها يوم السبت، لسبع ليال بقين من جمادى

الآخرة فكانت غيبته ثلاثة أشهر وعشرين يوما وحمل البريدى عماله. معه حين انحدر وصادر بعضهم وقلد الأمير توزون جانبى بغداد، وخلع على أبى إسحاق القراريطى للوزارة فى فى يوم الإثنين، لست بقين من شوال وقال الحسن بن عبد الله: مادة البريديين ضرائب التمر فتقدم بالنداء ألا يحمل أحد من التجار مالا إلى اسفل فغلا الثمن وبلغ ما لم يبلغ مثله قط ونزل الحسن وأخوه عند الشفيعى لينحدروا وغلت الأسعار فتشاءم الناس بتلك الأيام، وقالوا: كان الرخص مع البريدى وخلع على الحسن ابن عبد الله وطوق وسور بسوارين وسمى ناصر الدولة وخلع على أخيه أبي الحسن وعمل به مثل ذلك، ولقب سيف الدولة وقرئت الكتب وأنشئت بذلك وصرف الحسن بدرا الخرشنى وولى أبا بكر احمد بن خاقان الحجبة وقد ذكرنا ذلك، وخرج أبو الحسين البريدى يريد بغداد، وخرج توزون فى مقدمة السلطان ووقعت الحرب لليلة خلت من ذى الحجة بموضع يعرف بالجال أسفل المدائن، فانكشف جيش البريدى وكان سبب ذلك انهزام الترجمان وأسر جماعة أحدهم يانس وقد ذكرنا هذا وشهر ناصر الدولة أسر البريديين فى الجانب الغربى يوم

الجمعة، وصلى بجامع المدينة. وجرت بينه وبين الصيارف بمدينة السلام خطوب كثيرة فى عيار الدنانير، حتى عمل عيار كالسندى أو مقاربا له، وزاد فى سكة الدينار- عند ذكره محمد رسول الله- صلى الله عليه، كأنه زاد صلى الله عليه، والوفاء زيادة حسنة جميلة وفضيلة له فى الدنيا والآخرة وولى ناصر الدولة عيسى جال وكان فى المستأمنة ميفارقين.

ووافى سيف الدولة واسط، فأراد قوم من الديالمة أن يفتكوا به فظفر بهم فوجههم إلى بغداد فى زورقين، فقتل بعضهم ممن أقر وحبس من لم يقر وسقطت خضراء مدينة المنصور فى جمادى الآخرة فاغتم لذلك ولد العباس، وحدّثنى جماعة من التمارين أن ناصر الدولة خاطبهم فقال ما أعوض للضريبة على شىء سوى التمر، وبارك الله لكم فى كل شىء غيره يعنى ضريبة ما حصل ببغداد قالوا فقال له رجل إلى جانبه ونحن نسمع: والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر وقال الذى أو مأوا إليه أشرت بثلاثة ألوان فما قبلت منى: أشرت بأن يبادر الخليفة عند موت بجكم إلى واسط، وينفذ الجيوش إلى البصرة فلم يقبل، وأشرت بالقبض على تكنيك وأخذ ماله وهو جم تام فلم يفعل. وأشرت بأن لا يوجه بابن شيرزاد إلى البريديين فان ذهابه ينفعهم ويضرنا فلم يفعل، فجعلت على نفسى ألا أشير بشىء بعد هذا

ولما استوزر محمد بن أحمد الاسكافى فى المرة الأولى استخلف الحسن ابن أحمد الماوردى على النظر فى أمر العمال وعلى سائر الأعمال، وفلد أحمد ابن نصر البازيان أبا على الرقام إلى ما كان قلده إياه أحمد بن على الكوفى من ديوان المغرب، وأقر الباقين على حالهم، إلا أبا عبيد الله بن عبد الوهاب فإنه فلده الدواوين التى كانت إلى جماعة من خواصه لاستئثاره عنده، ثم قلدها الأوارجى كاتب محمد بن على بن مقاتل هذا جميع ما كان من الحوادث فى سنة ثلاثين وثلاثمائة ونذكر الآن من مات فيها. مات ابو عبد الله الحسين بن اسماعيل المحاملى القاضى يوم الخميس لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر ونودى على حضور جنازته فى جانبى بغداد، وما كان بقى على الأرض محدث أسند منه، مع صدقه وثقته وستره ﵀. ومات فى صفر جعفر الدقاق لسبع خلون منه وكان حافظا للحديث فسبحان من بعد فى الستر والصدق بين الاثنين. وتوفى العباس بن المقتدر بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة.

ومات أبو بكر الشافعى الفقيه صاحب على بن عيسى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ومات على بن محمد بن عبيد الله الحافظ لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وكان قد سمع حديثا كثيرا، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين وقد ذكرنا قتل ابن رايق، وورد الخبر بأن يانسا المؤنسى وعلى بن

خلف بن طياب قاتلا ابن مقاتل الصغير، المكنى ابا الحسن فقتلاه.

(انقضت سنة ثلاثين وثلاثمائة بأحداثها)

النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوراق: أخبار الشعراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.