من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ثم دخلت سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة
اشتد فيها ناصر الدولة على الذعار لعيثهم وإفسادهم فكحل وقتل وعاقب فاستوى البلد قليلا وأنفذ أحمد بن على الكوفى للعمارة والنظر فى مصالحها وليوافيه على المال المفرق على الجند وقدم المرسوم بأنه سابق الحاج لثمان ليال خلون من المحرم وأخبر بأن بنى هلال بن عامر بن صعصعة وقفوا بالحاج، فقتلوهم ونهبوهم.
ودخل الحسن بن بويه الرى، وهزم ابن محتاج صاحب ابن اسماعيل بن احمد.
وفى المحرم من هذه السنة ضرب ناصر الدولة دنانير بعيار اختاره لم يضرب قط مثله إلا السندى بن على وكان الناس يكتبون على الدينار لا إله إلا الله من جانب محمد رسول الله من الجانب الآخر، ويذكرون بعده نعت الخليفة فزاد ناصر الدولة فى السكة- بعد محمد رسول الله- صلى الله عليه، فكانت هذه عندى أجل منقبة لآل حمدان ما كان لهم مثلها تفرد بها ناصر الدولة وبلغه مع ذلك أن الصيارف يربون رباء ظاهرا، فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم، فتحسن قبيح أمرهم قليلا
وخلع على أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وولى أرمينية وآذربيجان وعقد له لواء وصاح المسجنون بناصر الدولة واستغاثوا إليه من الضر والجوع والسجن، إلى جانب داره. فتأذى بهم وجلس لهم جاوس غضبان فأطلق وقتل وقطع وكحل؛ وكل هذا من الاجراء عليهم، فأخلى السجون فلم يترك فيها أحدا وخلع فى أول صفر على العباس بن شقيق رسول نصر بن احمد أخى اسماعيل وعقد لصاحبه لواء، فحمله غير منشور، ودفع إليه سيف وخلع سرية لصاحبه، وقد كانت لابن شقيق هذا خطوب من اتهام أبى عبد الله البريدى له وكتابه من واسط إلى أخيه ببغداد، أن يحذره فزعم العباس لما أفلت ورجع أنه أراد قتله، فمنعه وجود الأتراك من ذلك وأنه أخذ أكثر ما كان اشتراه لصاحبه من فاخر الثياب والفرش وغير ذلك، واحتج عليه بالاضاقة والحاجة الى مثل هذا. ثم إن ابن شقيق جد فى الخروج الى صاحبه، وقد كان ورد عليه الخبر بموته فاحتال أن كتب كتبا ونصب نبوخا ببطلان موت صاحبه، خوفا أن يعطف السلطان على ما بقى معه وما استفده بعد فيأخذه، فخرج عن بغداد وتبعه ناس كثيرون، فاله ثلج فى الطريق بقرب همذان، فمات أكثر الناس وذهبت أمتعتهم؛ وكان ابن شقيق أسوأهم حالا.
وورد الخبر بغلبة الروم على أرزن وميافارقين، ومجيئهم إلى دارا
وسبيهم الرجال والنساء، فعظم ذلك على الناس وقصد ناصر الدولة المولدين من المرتزقة فأسقط أرزاقهم، ووفر المال على المقيمين بواسط لحرب البريديين، وأخرج كاتبه النصرانى المعروف بسهلون إلى ابن طغج فى صفر بهدايا كثيرة، وطلب مال للسلطان فخرج إلى هيت وركب البرية إلى دمشق، ومعه خلق عظيم فهلك أكثرهم ونهب ما كان معهم.
وغلب البريديون على نواحى الجامدة، لخلاف وقع بين سيف الدولة، وبين توزون التركى وصار أحمد بن بويه ابو الحسن الديلمى إلى دجلة البصرة، فأقام حيال نهر معقل يحارب البريديين، فوردت كتبهم على ناصر الدولة يسألون الصلح وأن يولوا ويقاطعوا على مال يحملونه، فلم يجابوا.
وورد كتاب الديلمى يسأل مثل ذلك فأجيب اليه وأنفذت الكتب جوابات كتبه، وخلع طمعا فى أن يزيل أمر البريديين، واتصلت الحرب بينهم إلى أن استأمن إلى البريديين قائد للديلمى فحمل البريديون بين يديه مالا عظيما واعطوه من الثياب والطيب وسائر ما يعطاه مثله. ما عظم وشاع ذلك واستعظم إلى أن خاف ابن بويه ان يستأمن رؤساء عسكره، لما اتصل بهم من الخبر بما عمل بالمستأمن، فرحل راجعا إلى الأهواز وتحدث الناس بأن القرمطى الهجرى ولد له مولود فأهدى اليه ابو عبد الله البريدى هدايا عظيمة فاخرة فيها مهد ذهب مرصع بالجواهر
وزوج الخليفة المتقى ابنه ابا منصور بابنة ناصر الدولة فى شهر ربيع الأول. ووقع الإملاك فى يوم سبت، ووكل ناصر الدولة، ابا عبد الله بن أبى موسى العباسى فى قبول ذلك عليه والقيام به عنه وجعل الصداق خمسمائة ألف درهم، وجعل النحلة مائة ألف دينار وصاعد ابن الخليفة بعد الاملاك إلى ناصر الدولة إلى داره بباب خراسان فنثرت عليه بدرتا دنانير التقطها من كان معه وأصحاب ناصر الدولة، وتغدى عنده فى اليوم الثالث جماعة من قواده وتجاره فرأيت الناس كالمجتمعين على أنه كان طعاما ناقصا عن المقدار، مقصر الشرط والكمال والآلة وكثرت المتلصصة ببغداد وكبست دور المياسير، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه، على انسداد طرقهم، ولو أمنوا لخرج أضعاف من خرج وراسل أبو الحسين على بن محمد بن مقلة ناصر الدولة، فى أن يستوزره وضمن مالا عظيما، على أن يطلق يده على الناس، وأسمى قوما منهم سلامة أخو نجاح وعبد الله بن على النفرى الكاتب، والقاضى ابن الأشنانى، وأبو العباس الأصبهانى، وابن بلال الدقاق حتى أتت التسمية على سبعين نفسا فيما يقال، فأجيب إلى ذلك مع ما ضمنه من مال أبى إسحاق محمد بن أحمد الاسكافى وأصحابه ثم أخر ناصر الدولة أمر ابن مقلة واستوزر أبا العباس احمد بن عبد الله الأصبهانى، وهذا برأى أحمد بن على الكوفى، فلم يكن له فى
الوزارة إلا التسمية والكوفى ينظر فى الأعمال والأموال، فكان على ذلك إلى أن هرب ناصر الدولة فصرفه المتقى لله صرفا جميلا، وأقره على ما كان فى يده من تدبير أمر ضياع والدته وضياعه، واستوزر أبا الحسين بن مقلة، وخلع عليه فى شهر رمضان بعد خروج ناصر الدولة لولا أن ناصر الدولة لم يخرج، حتى نكب سلامة الحاجب وابن الأشنانى القاضى وابن بلوا المعطى، وعذبه عذابا شديدا ما سمع بمثله وذكر جماعة وسن من الضرائب على الناس ما لم يسمع بمثله وأتى قبل ذلك على التمارين بأخذ أموالهم، فحدثنى جماعة منهم قالوا دخلنا عليه وهو بالقرب من مضربه، فقال لنا ما آخذ ضريبة إلا من التمر وأنتم أعلم وما لكم بعده، فسررنا بذلك قليلا، فالتفت إليه بعض من يدبر أمره، فقال والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر، فأتى بقوله هذا علينا وضيق ناصر الدولة على المتقى لله فى نفقاته، وعلى أهل داره وانتزع ضياعه وضياع والدته فجعلها فى جملته، واقتصر به على أجزاء يسيرة وخاطب أبا الحسن بن أبى عمرو الشرابى فى أمر السكنجبين بخطاب شهره الناس وتحاكوه، وقال إنما يكفى دار الخليفة خماسية سكنجبين فى كل يوم، ولأطالبنك بمال ما كنت تأخذه وتحدث الناس من فعله هذا وصنعه بالخليفة، ما كثر به الشاكى له والداعى عليه، وتمنى الناس بنى البريدى وغيرهم، مع ما نالهم من
الضر والضرائب والغلاء ونكبات الناس، وأخذ أموالهم. وشكى مع ذلك أن أمر الرفض قد علن ببغداد، فنادى مناد فى جانبى بغداد عن السلطان ببراءة الذمة ممن سمع بذكر أحد من الصحابة بسوء وأراد غلام من غلمان ناصر الدولة أن يسمه ففطن له، وزعموا أن سبب ذلك فاتك حاجب ابن رائق كان محبوسا فى دار ناصر الدولة، وكان يعرف هذا الغلام فواطأه على ذلك وضمن له مالا وغلت الأسعار فى جمادى الآخرة غلاء عظيما، ومات الناس جوعا ووقع فيهم الوباء، فكانوا يبقون على الطريق أياما لا يدفنون حتى أكلت الكلاب بعضهم وأنفذ ناصر الدولة حاجبه يرفع مددا لأخيه على سيف الدولة ليمضى إلى الجامدة، وحدر معه أحمد بن على الكوفى واتهم ابن جعفر الخياط بأنه كاتب البريديين فقبض عليه ناصر الدولة وأقطع الخليفة ضياعه فاستبشع أن يكون هو المقطع للخليفة، وأن يدون الكتب بذلك وخرج الناس إلى المصلى يوم الاثنين مع الامام ابن عبد العزيز الهاشمى. فدعوا الله وسألوه أن يكشف البلاء والضر عنهم وفى جمادى هرب جماعة من رؤساء الديلم والبربر من بغداد إلى البريدى، فلم يتبعهم ناصر الدولة بطلب، وقال من اختار المقام معنا وإلا فليمض مضيا ظاهرا فما أحد يتبعه وورد الخبر بقبول على بن بويه خلع السلطان بفارس، ولبسه لها
واحضاره القضاة والعدول ليشهدوا ذلك ويكتبوا به.
وصحت الأخبار بموت نصر بن أحمد أمير خراسان وأن ابنه نوح ابن نصر قام مقامه بعد أن تنازع هو وأخوه اسماعيل عند الاياس من أبيهما أمر الامرة فأفاق أبوهما، فأمر بقتل ابنه اسماعيل وأن يجدد البيعة لنوح، وأوصى أن يجلس فى الثغور لقتال الأتراك ألف دابة من دوابه، وأعتق ألف غلام وأرجف الناس بأن ابن طغج وافى دمشق لينفذ جيشا لأخذ الموصل فكتب اليه السلطان فى الرجوع إلى مصر فرجع ووقعت منازعة بين الطالبيين والعباسيين فى رجل طالبى زعموا أن أصحاب ابن عبد العزيز قتلوه، فجرت فيه خطوب ثم سكن الأمر وذلك فى رجب وكثر الجراد فى هذا الوقت فصاده الناس، وانتفع الضعفاء بأكله وصيده، وكان نعمة من نعم الله جل وعلا ووافى رسل صاحب خراسان إلى ناصر الدولة فحجبهم أياما، ثم أدخلهم وقال لهم صاحبكم فى يده نصف الدنيا، ينال السلطان ما ناله فلا يسعفه بمال ولا ينجده بجيش، ولم يروا عنده ما يحبون، ثم أجابهم بجواب جميل وصرفهم، وغلت الأسعار وعن كل شىء من سائر الأطمعة والملبوس وقبض على أبى إسحاق القراريطى فى رجب وعلى كاتبه ابن جبرويه وعلى خليفته أبى محمد الحسين بن أحمد المادرانى وتولى مناظرتهم أحمد
ابن على الكوفى وابن مقاتل بميل وحقد، وكان الكوفى عقد على المادرانى كلاما كلمه به قبل هذا بمديدة بحضرة أبى اسحاق قال فيه ما شهره الناس من وضع منه وإزراء عليه، فصح عند ناصر الدولة ان المادرانى ما ظلم أحدا قط فى معاملة، ولا ارتفق من عمل ولا عامل فانصرف إلى بيته موقورا بعد توكيل ومناظرة ومطالبة. وقد ذكرنا أنه خلع على أحمد بن عبد الله الاصبهانى للوزارة برأى الكوفى، لأنه كان مستترا عنده، وأرزق مائتى دينار فى الشهر، وكانت الخلع عليه يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب. وأغرى ابن مقاتل العمال بالناس، فأجروا معهم كل ظلم، وأراد فتح الخراج قبل وقته فضج الناس. فنودى بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى ورفع الجور وإزالة الظلم فتنفس الناس قليلا وما وقع وفاء بذلك وكان ناصر الدولة يحمل فى كل شهرين خمسمائة ألف دينار لاستحقاق من بواسط، وكان يضجره ذلك فيتكلم ويضج، وعقد عليه بما يتكلم به، إلى أن تحدث الناس أن يرصد بحيلة توقع عليه، فياليت ما كان يضر من تبرم رجل يحمل فى كل شهرين هذا المال الجليل، ما الذى أريد منه حتى أوحشوه فخرج؟
وكان من أول ذلك أن المتقى لله ما أحب القبض على وزيره أبى إسحاق ولا أراده، فأرضوه بأن أقاموا مكانه كاتبه على ضياعه أبا العباس الاصبهانى. وأنفذ سيف الدولة من واسط فى هذا الوقت جماعة من الديلم إلى بغداد، كان اتهمهم وخافهم.
وتواترت الأخبار باضطراب الأتراك على سيف الدولة وتزك بعضهم الركوب إليه على فرط إحسانه إليهم، وإعطائه إياهم جميع ما يملكه من مال ودواب وثياب. ولم يناصح الأتراك فى حرب البريديين، ولا أعانوا الديلمى عليهم حين جاء إلى فرات البصرة فأقام حيال نهر معقل وضج الحشم إلى ناصر الدولة بعد القبض على أبى إسحاق القراريطى، وأعلموه أنه لم يطلق لهم شيئا، فقال قد أطلقت لكم ثلث رزق، وأحضر أبا اسحاق واشتد عليه فى القول، فأحضره أبو اسحاق رقاعا بخط المتقى لله بأنه قبض المال منه وأعطى من أراد اليسير منه واستبد بالباقى. فقال ناصر الدولة كيف اصنع انا، أطلق مثل هذه الأموال الجليلة تحمل على نفسى، ومالى وظلم الناس، وهذا يهجنه ويقبح فعلى، ويغرى بى حشمه وجنده ووافق هذا ورود كتاب أخيه عليه بأن البريديين دخلوا الجامدة وأن الأتراك نهبوا جميع ما كان له من ذخيرة وسلاح ودواب، وما كان ذخره منذ أيام أبيه، وأنهم طلبوه فهرب فى نحو مائتين من أصحابه إلى أن تلاحقوا به وأفلت. فغضب من ذلك وأمر من وقته فصوعد بالسفن التى فيها خزائنه. وقال لا أقمت ببغداد، فضج الناس من ذلك واجتمعوا إليه وسألوه ألا يباعد إلى الموصل فيضيع البلد فضمن لهم ألا يصاعد، وقال لحقتنى ضجرة وكان وجه فى شعبان فطلب من الخليفة مالا، وقال إنه يأخذ
مما أطلقه لحشمه وغلمانه، فيجمعه إلى ما يستفضله من نفقاته وغلاته، فما وجه إليه بشىء، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه، وطولب الناس بأداء الخراج فى شعبان، ولم ينتظر بهم النوروز المعتضدى.
وورد على ناصر الدولة دخول عدل حاجب بجكم نصيبين واستيلاؤه على الرحبة وأعمالها، فشغل ذلك قلبه وورد كتاب ياروخ بهزيمته البريديين وإخراجهم عن الجامدة وضج الأشراف العلوية من عاملهم أبى على الحسن بن هارون الهمدانى على الكوفة وخاصة عمر بن يحيى وهو الرجل الفاضل المنتفع به الناس بماله وجاهه والناصب نفسه لهم حتى يحج بهم، ولو لاه ماتم حج فعزل الحسن بن هارون، وولى المعروف بأبى بكر عبد الله بن عبيد الله البرجمالى.
وكتب ناصر الدولة إلى ابن عمه أبى عبد الله الحسين بن سعيد يأمره بالاحتيال على عدل وقصده، فكبسه وأسره وابناله وأنفذه الى بغداد، فكحل وشهر على جمل فى يوم الخميس لأربع بقين من شعبان، وألبس برنسا وابنه على جمل بين يديه على برنس، وكان فى الموكب خلفه الوزير أبو العباس الأصبهانى والقاضى ابن الخرقى يتسايران وكان يانس غلام البريدى فى يد ناصر الدولة فتكاتبوا فى أن يوجه به إليه، ويوجه البريدى بعيال توزون وابنه، وأن يقوم بذلك أبو على عمر بن يحيى
ووجه ناصر الدولة بأحمد بن على الكوفى إلى واسط. ومعه من الاستحقاق أربعمائة ألف دينار فوجد الأتراك قد شغبوا، فرجع والمال معه، حتى عاد إلى ناصر الدولة، فدخل به بغداد أول يوم من شهر رمضان وصرف أبو اسحاق القراريطى إلى منزله فى آخر شعبان بعد أدائه أكثر ما فورق عليه وضرب لناصر الدولة مضرب بباب الشماسية، واصطنع عيسى جال الديلمى فزاد فى رزقه ألف دينار ووصله بألفى دينار. وزاد الفارس من أصحابه عشرة دنانير فى رزقه، وزاد الراجل دينارا وعزم ناصر الدولة على الرحيل إلى الموصل فوجه إليه الخليفة أن يتوقف عليه ليصاعد معه، فكره ذلك وركب إليه الخليفة فى يوم الخميس، فنزل إليه ناصر الدولة إلى دجلة حتى تلقاه وصعد معه إلى داره وقال له تتوقف يوما على أو يومين فكأنه علق القول وانصرف وأصبح الناس فى يوم الجمعة لأيام خلت من شهر رمضان، وقد صاعد ناصر الدولة وقطع الجسر، وسار من الجانب الغربى، وتبعه جميع من كان فى الجانب الغربى من اصحابه، ونفر ممن كان من اصحابه فى الجانب الشرقى، فمضى بعضهم إلى سرمن رأى، ورجع الترجمان وجماعة من الأتراك مع أخى ابن اسماعيل بن احمد إلى الدار، وأرجف الناس ان الخليفة راسل الترجمان فى القبض على ناصر الدولة والمجىء به الدار، فأمكنه غير مرة فلم يمكنه لأنه جاهل جبان
وصعب على التجار خروج ناصر الدولة عن بغداد، ووافى سيف الدولة إلى المداين، ثم صار إلى بغداد فنزل فى الجانب عند باب قطربل ووجه إليه المتقى لله بثياب وطيب ودراهم لنفقته وطالب الوزير ابن مقلة بأن يحمل إليه مالا فكان يجمع ما قدر عليه فلما اجتمع حمله إليه ليعطى أصحابه واستوحش السلطان منه ثم رحل إلى القفس ولحق به إبراهيم بن أحمد الخراسانى فى نفر من أصحاب أخيه ببغداد وورد الخبر عليه بأن أخاه ناصر الدولة وصل إلى الموصل سالما فلحق به لا يلوى على شىء، فقيل إن جملة ما صار إليه من المال أربعمائة ألف درهم ودخل الأمير يومئذ توزون بغداد فى يوم الخميس لست بقين من شهر رمضان، وتلقاه أهل الدولة فدخل إلى الخليفة فسلم عليه ونزل الدار المعروفة بمؤنس وتأذى الناس بنزول الأتراك عليهم ثم كان شوال يوم الأربعاء فقبض توزون على كاتبه سعيد بن داود المسيحى وعلى أخيه فهد وابن خالته، فطالبهم بالأموال بضرب مبرح، وكان الترجمان حمله على ذلك واستكتب محمد بن القاسم وخلع السلطان فى يوم الاثنين لست خلون من شوال على الأمير توزون وصيره أمير الأمراء وأمر بتكنبته وحرص توزون بالمتقى لله أن يتركه يصالح البريديين على مال يحملونه ويفرغه لابن حمدان فأبى عليه، وكان البريديون قد صاروا
إلى واسط فوجه بخمسمائة غلام فى الظهر والماء إلى واسط وقبض على ابن عبد العزيز الهاشمى وجماعة من التجار والعدول وطولبوا بمال وحدر الامير توزون تكين الشيرزاذى إلى واسط، ووافى أبو دلف سيما الساجى إلى بغداد، وهو صاحب القرمطى الهجرى ليأخذ مال المواقفة التى فورق القرامط عليها وكبس أهل القطيعة فى أول ذى القعدة فأخذ منهم عشرون كرا دقيقا وأحيلوا بثمنه على الترجمان فى أول ذى القعدة، ثم مضى جماعة من أصحاب توزون إلى القطيعة ليأخذوا دقيقا كما كانوا أخذوا، فوثب بهم العامة وقتلوا نفسين وغلا السعر بهذا السبب، ودخل الحاج من خراسان وخرجوا مع ابن حاتم وانحدر الأمير توزون إلى واسط وهرب البريديون، ونودى ببغداد من أراد الخروج إلى واسط فليخرج وقبض المتقى على رجل يعرف بابن المطلب من أهل باب الطاق وحمله إلى داره وقيده وحبسه وقال له أنت رئيس الرافضة، ثم لم يتركه بعض خدمه حتى قتله من غير حجة تقوم عليه، ونفذ ابن أبى موسى الهاشمى فى يوم الاثنين لست بقين من ذى القعدة برسالة السلطان إلى ناصر الدولة، ومعه تكين الماكانى وخادم من خدم الخليفة واتصل قطع رجل يعرف بابن جمدى على السميريات النافذة إلى واسط والمصاعدة منها، وصار اليه من ذلك مال عظيم وأمتعة لها مقدار
وفى ذى القعدة أقبل يوسف بن وجيه صاحب عمان من عمان، ومعه مراكب كثيرة فيها عدة وعديد، لتغليظ البريديين الضرائب على ما يحمل من البحر، فلقى البريدى فى دجلة البصرة بقرب الأبلة، فهزمهم أول يوم ثم احتالوا بنار حملت فى زبازب وجعلت فى زجاج ورموا مراكبهم بها فانهزم وقتل خلق من أصحابه، وأسر بعض وأحرقت له ستة مراكب، وكانت هزيمتهم له فى أول يوم من ذى الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وصرف الكرخى عن كتبة الأمير توزون واستكتب أبو اسحاق القراريطى ابن أبى الترجمان، وظفر بجماعة من أصحاب ابن جمدى فقتلوا وصلبوا. ودخل أخو الأمير توزون إلى تكريت ومعه جيشه فدخلها لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فنهبها ونهب زواريق كانت بها، فيها أمتعة التجار، وذبحوا بها من البقر والغنم نحو ألفين، ونهب الناس فى سائر طرقهم إلى تكريت. وعزت الفاكهة ببغداد لأنهم أخذوا ظاهرا وباطنا وأجلوا اهل القرى. وركب الخليفة فى يوم السبت، لتسع بقين من ذى الحجة الظهر إلى باب الشماسية ورجع فى الماء فدعا الناس له. ووافى صافى غلام الأمير توزون يوم السبت لليلتين بقيتا من ذى الحجة بغداد من واسط فقبض على أبى إسحق القراريطى، وأخبر أن أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وافى واسط فى زبازب كثيرة، كالهارب من يد البريديين لما اشتغلوا بمحاربة ابن وجيه، وأسرع السير فوجهوا فى طلبه، فلحق واستكتب للامير توزون، فاشتد ذلك على السلطان فأغروه بالقول فيه، فكاتبه
فى صرفه فلم يقبل. ومن عجيب الأخبار، وما يستدل به على علو همة الأمير توزون أن أبا جعفر اختار له كاتبا، وأبو جعفر إذ ذاك يكتب لبجكم، فكأنه لم يرضه فقال له أبو جعفر أنا كاتبك فقال له وأنت تكتب لى ولكن ليس على هذه الجهة، ولا الآن! وتوفى فى هذه السنة فى غرة ذى القعدة منها سنان بن ثابت المتطبب وكان متقدما في الطب وفى علوم أخر كثيرة
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع