من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
كان أول المحرم يوم الاثنين قعد فيه كازاذ كاتب أبى جعفر، وظهر ابو الحسن بن شيرزاد. وخرج أبو بكر محمد بن جعفر النقيب وصيغون المرداويجى فى جماعة من أصحابهما إلى ناصر الدولة إلى الموصل، وانحدر صافى مع جماعة من الأتراك والديلم إلى واسط.
وورد الخلنجى السابق بسلامة الحاج قدام الحج لسبع خلون من المحرم وفى يوم أخذ سبعة من أصحاب ابن جمدى فضربوا وطيف بهم وقتلوا وصلبوا فى الجسر، وقتل أيضا رجل يعرف ببرغوث كان يقطع بناحية المزرفة.
ووجه الترجمان وهو محمد بن ينال، وكان يلى الشرطة ببغداد والأمر كله له إلى الحسين العلوى الديلمى، فقبض عليه لأنه بلغه أنه يريد الفرار إلى ناصر الدولة
ووافى اسكورج الديلمى بغداد يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم وهو أكبر قوادهم، وقلده الأمير عمل سرمن رأى وعكبرى وأمره أن يكون بسرمن رأى، فان جاء أحد من ناحية ابن حمدان حاربه، والأمير توزون مقيم على أرز بالجامدة ليستنطقه ووافى من عسكر البريديين إلى الأمير توزون فى الامان أبو المهدى البربرى فأنفذه إلى بغداد، وأغارت خيل الروم على نواحى نصيبين، واستغاثوا بناصر الدولة فلم يغثهم، لأنه كان قد جرب خيانته مع ابن عمه أبى عبد الله ليصيروا إلى بغداد ليخرج الخليفة معهم ووافى أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شيرزاد بغداد لأربع بقين من المحرم فجلس فى داره وجاءه الناس، وهو كاتب الأمير توزون فاستأمن بعض أصحاب اسكورج وصافى إلى واسط وأبو المهدى، وأبو طالب أخو المظفر بن حمدان الميدمان، وإبراهيم أخو الأمير توزون واستتر أصحاب أبى جعفر بن شيرزاد، ووافى الحسين بن أبى العلاء بن حمدان فى صفر، فنزل حيال الشماسية ومع أبى العلاء هذا عيسى جال الديلمى وأبو وائل ويروخ الناصرى، فوجه إليه المتقى لله أن يدخل بغداد ليخرج معه فقال لم أومر بهذا، واستوحش وقال إن خرج إلىّ أمير المؤمنين اليوم وإلا رجعت. وأشير على المتقى ألا يخرج عن بغداد فما تركه الترجمان، وكان قد استوحش من الأمير توزون لأشياء اختانها وتعدى فيها
ولقد حدثنى بعض الخدم أن بعض الرؤساء قال المتقى لله يا سيدى خروجك إلى ابن حمدان أشد على توزون من ضرب عنقه، وفى خروجك انحلال أمره وأعظم المكيدة له ولا والله ما نصحوه وإنما خافوا على أنفسهم من توزون، فخوفوا الخليفة منه ولو كان معه من ذوى نصحه من كان يعرف حقيقة الرأى ما تركه يخرج. وذلك أن توزون ما خالفه فى شئ أراده، وما زال ساعيا فى مراده ومحبوبه، كان أمره جاريا مع البريدى ببغداد على أفضل إرادته فلأجل الخليفة ما احتال فى أخذ البريدى، فلم يمكنه ذلك لخذلان قوم كانوا وعدوه أن يكونوا معه، فحارب ليله ونهاره ثم صار إلى سرمن رأى وكتب إلى الموصل يشير بالانحدار إليه وأنه يتضمن حرب القوم فما فعلوا، حتى خرج إليهم فحشرهم وأنهضهم، وقد كان أشار بمصالحة البريدى، وأخذ أموال منه، ثم يكون بعد ذلك على رأس أمره، فأبى الخليفة عليه، فاتبع أمره وانحدر وكان كاتبه فى الحيلة على بنى حمدان، فأخرج سيف الدولة عن واسط فما الذى أوجب أن يستوحش منه؟
ولقد صرت إلى القاضى أبى الحسين، فقلت له إن هذا الخليفة ما يجالسنا، وزعم أنه لا يريد جليسا، يخالف الناس جميعا فى هذا إلى عصره، وليس له رزق على، ولكن نصحه واجب، وهو يقبل رأيك فاتق الله ولا تدعه يخرج، فانه إن خرج لم يعد وخربت بغداد، وأضر بالعامة، فتضمن لى ذلك. وما ظننت أن أحدا فعل هذا معه غيرى.
حتى حدثنى القاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى أنه صار اليه فأشار عليه بمثل مشورتى فأبى الله ﷿ إلا ما أراد ولقد حدثنى بعض الخدم ممن أثق به أن المتقى لله اضطرب من الخروج، فقال له الترجمان ومساعدوه على هذا الرأى: إنا قد تحدثنا بالقبض عليك فامتنعنا من ذلك، وأشرنا بالخروج عليك، وقد كشفنا الأمر لك.
فلما سمع هذا خرج غداة يوم الخميس وركب على الظهر، ووافى الشماسية، وخرج معه وزيره على بن محمد بن مقلة والحاجب أحمد بن خاقان ولؤلؤ صاحب الشرطة وأبو جعفر الخياط، وتبعه حاشية الدار وجماعة من وجوه البلد وجلس المتقى لله فى الخراقة، وتلاحق به من بقى من حاشيته وخرج معه قاضيه وأسبابه، وجاء ابن أبى العلاء وجميع من معه فقبلوا يده وعرفوه سرور ناصر الدولة بمصيره اليه.
وركب الترجمان يوم الجمعة من الجانب الغربى بمطارد مذهبة ومعه أصحابه، وأودع جميع ما كان له قبل خروجه أياما متوالية، حتى أودع أصناف النبيذ فوجد بعد ذلك فما بقى الله منه شيئا.
وصلى صاحب الصلاة بالناس فى المعسكر يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر، ومدت خراقات الخليفة بعد الصلاة ودخل الناس معه، وخلت بغداد واستوحش أهلها وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد بن جعفر الزطى بكتاب
يأمره أن ينادى بما فيه فنادى «أمر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئا من الدواوين، أو نظر فى الأعمال أو طالب بخراج أو تصرف فى عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم داره وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترقية رعيته، والاحتياط لهم، وترك إعناتهم فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخروا عن معسكره، وليبلغ سامع هذا النداء الغائب عنه» فنودى من جانبى بغداد ولم يدع المتقى لله بعض خدمه حتى ضرب يوم الجمعة قبل الصلاة عنق ابن المطلب، المتهم بالرفض، وكان ناصر الدولة وأسبابه يعنون به ورمى بجسمه فى أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت، فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلى عليه بمسجد براثا ودفن هناك.
وضبط صاحب الشرقية عمله ضبطا حسنا، وكذلك العروضى وهو إبراهيم بن شيخون وكان إليه الجانب الشرقى ووافى من عسكر توزون بغداد جماعة فلحقوا بالخليفة، ووافى بغداد يوم الثلاثاء بشرى حاجب توزون واسكورج، وصاروا إلى دار أبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وظهر فى داره فأمر ونهى وولى، وما التفت الناس إلى شىء مما أمر الخليفة بالنداء به.
وكان الأمير وجه من واسط بالميدمان بن حمدان البريدى فى جيش كثيف إلى ناحية المذار، فهزمه أصحاب البريدى، فوافى نحو
واسط منهزما، وصلى الناس بسر من رأى يوم الجمعة فى معسكره ووافى بغداد ينال البكرانى وتكيز الشيرزادى وأخو الأمير توزون، وجماعة من القواد فنزلوا باب الشماسية ومعهم طياراتهم وزبازبهم ونزل السلطان تكريت ونفذ الترجمان ولؤلؤ وابن الخياط إلى الموصل على طريق البرية، لأخذ أرزاقهم وحدره إلى تكريت لمحاربة توزون، وكثرت الكبسات ببغداد فى الليل دور المياسر ووافى عكبرى ابن بلال من قواد ابن حمدان فكبس عكبرى وبها أصحاب اسكورج فقتل جماعة منهم وانهزموا وأقاموا بنواحى عكبرى فوجه اسكورج بخيل فهزمت ابن بلال وملكوا عكبرى وظهر ابن جمدى العيار، وكان حمالا بنواحى سوق الحديد باب درب الشوك بحضرة المزملة ثم صار لصا ببغداد، فولاه أبو جعفر بن شيرزاد طريق واسط، وخلع عليه، وطالب أبو جعفر بن شيرزاد التجار بأموال فاستتر أكثرهم وورد الحاج فى النصف من صفر شاكرين لأبى على محمد بن يحيى العلوى لحفظه لهم ورفقه بهم، وكانوا حجوا والوقت ضيق عليهم فمات أكثرهم فى الطريق، ولولا أن الله أغاثهم فى مصعدهم بسحابة أرسلها، فمطرت حتى عاشوا بها وعاشت جمالهم ما بقى منهم أحد وكان رسول ابن طغج قد وافى بهدايا إلى ناحية الانبار، فلما علم بأمر السلطان صار إلى تكريت، فأوصل الهدايا إلى المتقى لله
وكبس الروم رأس عين، فأخذوا جميع ما كان فيها ونهبوها ووجدوا فيها قوافل مصعدة ومنحدرة، فيها أمتعة لا يدرى قيمتها فأخذت كلها، ونال المسلمين ما لم ينلهم مثله قط، فلما أراد العدو الرحيل أحرق البلد، وفتحت الحوالى لسنة اثنتين فى شهر ربيع الاول، فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح ووافى توزون بغداد فقدم جماعة من أصحابه إلى سرمن رأى ووافى ملهم بن دينار الأسود المستأمن، وكان حاجب رافع القرمطى وانضم إلى ابن حمدان إلى حيال باب الشماسية فجعل يشتم توزون هو وأصحابه، فأمر توزون حينئذ بأن يصير اليه عسكر بخيمهم ومضاربهم إلى الجانب الغربى، ورجع ملهم إلى تكريت، ووافى الخبر لخمس بقين من شهر ربيع الأول بدخول البريدى واسط ووقع على التجار ببغداد ظلم عظيم وخبط شديد، وتهارب الناس وخرج عن بغداد جماعة من مياسير اليهود والمجوس إلى الشام وكاتب توزون البريدى ووافقه على مال بعينه فوجه اليه البريدى بمال، ووافى جميع من كان من جيش توزون فى طريق واسط إلى معسكره بباب الشماسية، وفر بعض غلمان توزون إلى تكريت فركب فلحق بعضهم فقتل من كان قبض رزقه وفر، ومنّ على من لم يقبض رزقه وانحدرت من عسكره زبازب إلى البريدى فى الأمان من الديلم، وغلت الأسعار ببغداد وإمارة بغداد، من قبل أن يقدم توزون إلى هذا الوقت
وأمر صافى غلامه وحاجبه، فوظف على أصحاب الشرطة أموالا وأخذها ووجه ابن فتان بمائة جمل إلى تكريت عليها هدايا أكثرها فاكهة للسلطان ورحل توزون من معسكره إلى عكبرى يوم الثلاثاء لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وخلف بباب الشماسية أخاه وكيغلغ وارتمش فى ثلاثمائة من الأتراك، ونودى ببغداد براءة الذمة ممن تخلف من الجند عن الأمير توزون، وأطلق دعلج العدل وهو من أجل الشهود لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، بعد أن أدى مائة ألف درهم، وولى اسكورج إمارة بغداد ووافع القرامطة أصحاب ناصر الدولة بجماعة من الأتراك، كانوا طلائع لتوزون بنواحى سرمن رأى، وقتلوا قائدا لهم فحمل فى تابوت إلى بغداد ودفن فيها وعبر الأمير توزون من سرمن رأى إلى جانب الغربى، ليكون مع ناصر الدولة على أرض واحدة، وكان ناصر الدولة لما وافى تكريت أعطى الناس أرزاقهم فى شهر ربيع الآخر، وكان بتكريت نحو مائة وخمسين زورقا فيها دقيق وحنطة وشعير وسقط وشحم وعسل وثياب وغير ذلك فأمنوا بناصر الدولة ولما قبض الناس أرزاقهم تقدم سيف الدولة فعسكر أسفل تكريت على الاسحاق وأنفذ ناصر الدولة أبا منصور عبد الواحد بن المتقى لله
وحرمه إلى للوصل قبل الوقعة، وأراد إنفاذ المتقى معهم فكره ذلك واختار المقام مع ناصر الدولة، فأشفق عليه فقدمه إلى موضع يعرف بالأعمى فوق تكريت بستة فراسخ، وأقام ناصر الدولة فوق تكريت قليلا بازاء الدير ووجه بقواده كلهم مع أخيه سيف الدولة منهم يروخ وعيسى جال والترجمان ولؤلؤ وأرسلان وابراهيم بن أحمد بن أمير خراسان فواقع سيف الدولة توزون، يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر، ثم تحاجزوا، وقد وقعت بأسكورج ضربات. ولم يشك سيف الدولة أنه ظافر لأنه قاتل فى يومه ذلك أشد قتال، فبكر على القتال يوم الخميس لأربع بقين من الشهر. وكان سيف الدولة كمن بين قشير ونمير، ليخرجوا إذا احتدت الحرب على أصحاب توزون، فلما علق بعض القوم ببعض عطفت قشير ونمير على سواد سيف الدولة فنهبوه، تعصبا زعموا للمضرية على الربعية، فظن سيف الدولة أن توزون كاده بذلك، وكمن كمينا خلفه ليتبعه إلى تكريت، فرجع إليهم فوجد أعرابه وكمينه قد نهبوا سواده، فأوقع بهم فطاروا بين يديه وكان غلام سيف الدولة يمك التركى مما يلى دجلة فى عدة، فمال عليهم توزون فهزمهم واقتطع نحو خمسائة ديلمى، كانوا فى الميسرة فاستأمنوا وأمرهم بطرح السلاح وكان شغل سيف الدولة بالأعراب سبب الهزيمة، وتقطر بيمك التركى غلام سيف الدولة فرسه فأسر
ووجه توزون بالديالم إلى بغداد فى زواريق، بعد أن قيد جماعة منهم وصار سيف الدولة إلى أعالى تكريت فوجد أخاه ناصر الدولة قد رحل وتلاحق به العسكر، فملك توزون تكريت ونزل بالدير الأعلى فى المكان الذى كان فيه ناصر الدولة، ونهب أصحاب توزون تكريت حتى منعهم بنفسه ونهبوا زواريق شعير كانت لسيف الدولة وزواريق للتجار وحاز توزون أكثرها، وزواريق دقيق ففرقها على أصحابه وجمعهم، فقال لهم: أنا واحد منكم، وهذا الأمر أريده لكم وامتنع أبو جعفر ابن شيرزاد من الجلوس للناس قبل الوقعة بيومين. فلما جاءه الخبر جلس، وأمر بالنداء بما فتح الله على الأمير، وأنه ورد كتابه يجتهد فى أن يرخص الأسعار بمدينة السلام ولما رحل ناصر الدولة إلى المنزل المعروف بالأعمى وجد الخليفة المتقى لله به، فرحله معه وأقام بالسن يوما حتى تلاحق به أصحابه، ورحل إلى الجونية وقدم الخليفة قبله إلى الموصل، ثم لحق به وترك بالجونية بعض غلمانه وبالسن طلائع له من القرامطة ولحق سيف الدولة بنمير وقشير فقتل منهم مقتلة عظيمة واسترجع بعض ما كان أخذوه، ولما اجتمع الناس بالموصل أعطاهم ناصر الدولة رزقة كاملة وأمر المعطين، ألا يحتسبوا بها عليهم. وصار إليه جماعة من عسكر توزون فقبلهم، وخلع عليهم ونزلهم بما أرادوا ولما عاث أصحاب توزون بتكريت ركب بنفسه فأخرجهم منها،
فكثر شكرهم له ثم رجع عليهم الأموال. فكثر دعاؤهم عليه، فكان كما قال مسلم بن الوليد
ولا غرو لم تدركك منّى ملامةأسأت بنا عودا وأحسنت باديا
وكما قال رجل فى صديق له كان أحسن الناس فعلا مبتدءا، وأقبحهم آخرا، فقال فيه
أوّله يرضى ولكنّهلا يتبع الأوّل بالآخر
سبحان الله ما أعجب أمر البركة والحظوظ؟ هذا أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ما كتب لأحد قط إلا بلغ أعلى المراتب وأجل المنازل ما زال جد ابن الخال يعلو ما دام يكتب له، فلما تركه أدبر وانحل أمره، وكتب لبجكم فبلغه ما لم يبلغ أمير من المال والهيبة، وأصلح له قلوب أصحابه. وكتب لتوزون فبلغ به ما لم يظن الناس أن توزون يبلغه أبدا.
ووافى اسكورج بغداد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الأولى وهو أمير الشرطة.
ووافى قبله خمسمائة من الديالم الأسرى فى زواريق، فكان توزون قد رد أمرهم إليه. فحبس بعضا وبقى بعضا وأطلق بعضا ووافى إقبال الشيرزاذى مع زواريق دقيق إلى بغداد، وبزواريق سقط فقيل هذا لابن حمدان وأخذ مستهلكا وغمز بخزانة لأبى الحسين على بن محمد بن مقلة بناحية سوق العطش فوجه أبو جعفر بن شيرزاد بابن جمدى، فأخذ جميع ما فيها ونزل ابن
جمدى داره بمربعة أبى عبد الله، وأخذ جميع ما كان فيها، وسفر فى الصلح بين توزون وناصر الدولة على أن يرجع الخليفة إلى داره ويحمل ابن حمدان إليه فضلا مما كان يحمله على أن الامارة تكون لعبد الواحد ابن المتقى لله، فكان ناصر الدولة أسرع الناس إجابة وأشباهم لتمامه.
فكره أخوه وأصحابه ذلك، وكرهه الخليفة. فقال لهم ناصر الدولة أنتم تهربون ولا تقفون، وما لكم عندى رزق إن عزمتم على القتال إلا بعد أن أعرف أمركم، وإلا فانصرفوا الى حيث شئتم، فحلفوا له أنهم يجتهدون ولا يقصرون.
وورد الخبر على توزون أن ناصر الدولة، على أن يواقعه وقعة ثانية وكان توزون فى وقت هرب الترجمان قد قبض على ختنه المعروف بحبة التركى وحبسه وكان شجاعا، فتكلموا فيه وضمنه أبو عمران موسى بن سليمان اصبهسلان؛ فأخرجه وخلع عليه ووصله وحمله على دواب كثيرة ووهب له بغالا، وسفر أبو عبد الله محمد بن أبى موسى فى الصلح وأحبه واجتهد فيه، وهو من رجال الزمان ومن أهل الخير مع ذلك وكثرة الصدقة واصطناع المعروف، فتردد فى الصلح وقرب الأمر على يده، ثم عارضه قوم فأفسدوا الأمر وصح عزم الخليفة وناصر الدولة على محاربة توزون ثانية فصار سيف الدولة فى الجيش كله إلى تكريت، لأيام خلت من رجب وبلغ توزون خبرهم، فشخص إليهم فى عدته، فلما صافتهم الحرب استأمن ارتمش التركى، وهو من أجل قواده، وكان غلاما لسيف الدولة
إلى سيف الدولة فى جماعة من الاتراك فاضطرب عسكر توزون لذلك فخاف أن يهزم، فحمل عليهم فى نحو ثلاثمائة غلام وحقق وحققوا معه، فما هابوا سيفا ولا رمحا حتى أزالوهم وهزموهم، فولوا هاربين وتبعهم ولم يوغل ولا أبعد، خوفا على اضطراب باقى عسكره وسواده وقد كان ناصر الدولة قال لأصحابه: إن انهزمتم فلا يرينى أحد منكم وجهه فما قبلوا ذلك، وصاروا إلى الموصل وأصحابهم معهم وظهر أبو جعفر، بعد أن كان استتر يوما، وهنأه الناس بالفتح.
ورأى توزون أن يمضى إلى الموصل، وكاتب الخليفة بأنه عبده ولا خلاف عليه منه، فما قبل ذلك فرحل الأمير توزون إلى الموصل لا يلوى على شىء، وبلغ الخليفة وابن حمدان ذلك، فرحل إلى نصيبين، وحوى توزون الموصل وما فيها من الأطعمة وعسكر خارجها على أن يقصد نصيبين ويوقع بمن فيها، وكتب إلى ابن حمدان فى إنفاذ الخليفة اليه فكره الخليفة أن يصير إليه بعد ما فعله فأسرع من نصيبين إلى الرقة فى أصحابه الذين خرجوا من بغداد معه، ومعه من الكتاب وزيره على بن محمد بن مقلة وأبو إسحاق القراريطى وأحمد بن عبد الله الأصبهانى والحسن بن هارون وأبو محمد الحسن بن احمد المادرانى وعبد الجبار بن الحسن النفرى كاتب دار السلطان مستنجدا بابن طغج وكتب بذلك اليه وكتب الأمير توزون إلى أبى جعفر بن شيرزاد فى اللحاق به فلحق به إلى الموصل واعتمد فى خلافته ببغداد على أبى عبيد الله أحمد بن محمد
ابن عبد الوهاب، وعلى طازاذ بن عيسى النصرانى، وكان رأى ناصر الدولة أن يرجع الخليفة إلى بغداد، ويفارق هو الأمير توزون على مال يحمله ويصرفه إلى بغداد، فخالفه المتقى لله، وخرج من أعماله معتمدا على ابن طغج أبى بكر الاخشيد وكاتب ناصر الدولة الأمير توزون فى الصلح، وعلم توزون أنه أشار على المتقى لله بما أراده توزون فلم يقبل المتقى منه ولا تركه بعض من كان معه يقبل ذلك وسفر بين ناصر الدولة وبين توزون أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمى وأبو زكريا يحيى بن سعيد السوسى، ولما صار أبو جعفر إلى الموصل رأى أن الأموال الذى يحملها ابن حمدان أوفى مما يؤخذ من الموصل مع التغرب وانتشار الأعراب وكان خروج أبى جعفر من بغداد فى شعبان، فتم أمر الصلح بين توزون وبين ناصر الدولة برأى أبى جعفر، وما زالت السفارة بينهما طول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وتم الصلح فى أول شوال ورجع توزون إلى بغداد وأبو جعفر معه، فكان دخوله إليها لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وكان حرص أبى جعفر على الصلح لما بلغه من موافاة ابن بويه الديلمى إلى واسط، وأخذ الضرائب والخراج، وأن ابن بويه دخلها فى شهر رمضان واتهم المتقى لله بمكاتبة ابن بويه بأن يصير إلى الحضرة، وصلحت سيرة ابن بويه بواسط، وخفف عنهم كاتبه محمد بن احمد الصيمرى
المكنى أبا جعفر من الضرائب، وعدل عليهم فى الخراج وكان أمير بغداد أبو العباس اسكورج قد اصطنع ابن جمدى وأمل أن يرتدع ويقصر ويعرف به جميع المتلصصة، فكان يرسل أصحابه على الناس، فلهم فى كل يوم حادثة عظيمة، وكبس وإغارة على الأموال.
ووقف اسكورج على أنه أصل ذلك كله، وقيل للامير توزون فيه غير مرة، وعرف أبو جعفر الأمير حقيقة خبره، فأمر به فضرب وسطه فى دار الأمير توزون، وحمل إلى الجسر على جمل، ونودى عليه هذا ابن جمدى اللص فاعرفوه وظفر بجماعة من أصحابه فقتلوا وصلبوا، فسر الناس بذلك وقالوا ما أمنا على أنفسنا وأموالنا إلا الآن، بقتل ابن جمدى وأصحابه، وكثر الدعاء للامير توزون، وكان قتله برأى أبى جعفر بن يحيى بن شيرزاد الكاتب
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع