من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو عيسى محمّد بن المتوكّل
كان أبو عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفسا وعلما وعقلا وديانة، وكان له درس معروف من القرآن فى كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعنى بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدّثنا ابراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدى وجعل فى دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل، قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فانه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثا كثيرا، وعرف شيئا من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره فى الزهد.
أنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى:
فارقت ألّا فى وخلّانىأبكاهم الدّهر وأبكانى
لم يضع الدّهر لهم واحداإلّا ولى من ذاكم اثنان
حدّثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحنا فيه:
أقول له عند توداعهوكلّ لعبرته مبلس
لئن قعدت عنك أجسادنالقد رحلت معك الأنفس
ومن شعره:
إلى الله أشكو ما أرى من زمانناوكثرة ما فيه من الجور والظّلم
وأنّ الموالى قد علاهم عبيدهمكما قد تعالى الجهل فيهم على العلم
حدّثنى محمد بن يحيى بن أبى عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرنى ويقدمنى، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتابا يقول فيه- وقد اتهم بعض جلساء المعتضد بالسعاية به، ممن كانت لأبى عيسى عنده أياد واصطناع- وأنا
وهو كما قال أبو قال أبو الذوائب مولى بنى قيس.
إذا ما وضعت العرف فى غير أهلهرزئت ولم تحمد ولم تتّخذ يدا
وأنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى بن المتوكل:
أنظر إلى الدّهر فى تصريف حالتهفانّه ما وفى غدرا لانسان
فلا تمايله مغترّا بطاعتهفسوف يعقبها منه بعصيان
ولا يغرّنك سلطان ظفرت بهنسبت فيه إلى ظلم وعدوان
وجاز إحسان من أولاك عارفةبالشّكر عمّا أتى منه وإحسان
قال لى محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق فى هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه- ومن شعره
أذكر الله باللّسان وبالقلب على شدّة وعند الرّخاء
واعتمد شكره على كلّ حاللا تكوننّ كافر النّعماء
حدّثنى أبو الحسن أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سيكون الّذى قضىسخط العبد أم رضى
ليس هذا بدائمكلّ هذا سينقضى
وهذان البيتان لابى العتاهية من أبيات
﷽
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع