من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله
شاعر مفلق محسن حسن الطبع، واسع الفكر كثيرا الحفظ والعلم يحسن فى النظم والنثر، من شعراء بنى هاشم المتقدمين وعلمائهم، ومن نشأ فى الرواية والسماعة، يكثر فى مجلسه من حدثنا وأخبرنا سمع من صعود صاحب الفراء، وأخذ عنه اللغة والغريب، وعن أعراب فصحاء كانوا يقدمون سر من رأى، وسمع عن أحمد بن أبى فنن، وعن الحسن بن عليل العنزى. وما رأيت عباسيا قط أجمع منه ولا أقرب لسانا كان من قلب، وكان يقدم أهل العلم ويؤثرهم وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يجيئه كثيرا ويقيم عنده، وكان ذلك سائغا لمحمد بن يزيد لكثرة مجيئه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضى، وقرب القاضى من منزل ابن المعتز.
وكان قد لقى أبا العباس أحمد بن يحيى مرات، وكان يبعث اليه فيسأله عن الشىء بعد الشىء.
وكان أحمد بن سعيد الدمشقى مؤدبه لا يفارقه، وكانت داره مغاثا لاهل الادب، وكان يجالسه منهم جماعة وكان رأيه مخالفا لرأى العامة إلا أنه كان يسلم عليه أصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر له أحد منهم إلا عدد فضائله وناضل عنه ونصره، إلا أنه كان
يقدم بنى هاشم ويفضلهم، وما سمعته فى حال من الاحوال ينقص أحدا ولا عرض بذلك ولا أومأ إليه. ثم حدث له فى آخر أيامه شعر فيه مفاخرة لأهله وبنى عمه الطالبيين، وكان يرى أنهم يناقضونه الشعر فكان قوله يمضى على ذلك، وتمر له أبيات يتأول فيها شيئا فيتأول أعداؤه غير ذلك، ويحتمل الشعر المعنيين. حتى اجتمع اليه جماعة من الطالبيين منهم أبو الحسين محمد بن الحسن المعروف بابن البصرى وكان يجالسه على قديم الايام. ومنهم القاسم بن إسماعيل فحلفوا له أنه ما يقول هذه الاشعار أحد منهم، فتندم على ما كان من قوله على أنى وجدت عنه أشعارا يتكذب فيها على العباس رضى الله عنه وعلى أفاضل ولده وعلى الخلفاء رحمة الله عليهم أكثرها لم يظهر.
وكان يقول من عذيرى من الناس تأتينى مثل هذه الاشعار فأجيب بتعريض عن مائة كلمة قد صرح بها كلمة، فأنسب إلى ما أنسب اليه. ثم عمل أشعارا يعتذر فيها ويمدح أمير المؤمنين عليا وولده ﵈، وأعطى الله عهدا ليقولن باقى عمره فى هذا الفن.
ولو كان عندى ما يظنه قوم من أعدائه وينسبونه إلى أنه كان يعتقده ولم يظهر منه ندم منه وتوبة على ما كان يتأول عليه فيه، لما استجزت أن تجرى له ذكر فضيلة على لسانى أبدا وليس بمسلم عندى ولا عاقل ولا ذى مروءة من علم أن
رجلا فارق الدنيا وفيه ميل على أمير المؤمنين على بن ابى طالب ﵇ أو أحد من ولده ثم أعتقد ودا له أو ميلا اليه أو ثناء عليه وليس بمسلم ولا عاقل عندى من علم هذا من أب فانتسب اليه أو من ابن فأقر به. وأنا مبتدىء بما هو أجدى على ابن المعتز من فضيلة الشعر بالشواهد على بطلان ما اعتقده قوم فيه أو أنه فارق الدنيا وهو عليه ان شاء الله.
حدّثنى أبو القاسم الحسن بن محمد بن على بن محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن بنت على بن محمد الحمانى قال حدثنى ابو الحسين محمد بن الحسن العلوى المعروف بابن البصرى قال كنت أجالس عبد الله ابن المعتز وكان يحلف لى بالله لئن ملك من هذا الامر شيئا ليجعلن البطنين بطنا واحدا، وليزوجن هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء، وقال لا أدع طالبيا يتزوج بغير عباسية، ولا عباسى بغير طالبية، حتى يصيروا شيئا واحدا، وأجرى على كل رجل منهم عشرة دنانير فى الشهر، وعلى كل امرأة خمسة دنانير، واجعل لهم من الدنيا ناحية تفى بذلك ومن أشعاره التى كانت من آخر قوله فى آخر أيامه ما أنشدنيه لنفسه:
رثيت الحجيج فقال العداة سبّ عليّا وبنت النّبى
أآكل لحمى وأحسو دمىفيا قوم للعجب الأعجب
علىّ يظنّون بى بغضهفهلّا سوى الكفر ظنّوه بى
إذا لا سقتنى غدا كفّهمن الحوض والمشرب الأعذب
بلى قرمطيّين متّوا إليهـ بالّنسب الأفجر الأكذب
سببت فمن لامنى فيهمفلست بموصى ولا معتب
مجلّى الكروب وليث الحروب فى الرّهج السّاطع الأصهب
وبحر العلوم وغيظ الخصوممتى يصطرع وهم يغلب
يقلّب فى فمه مقولاكشقشقة الجمل المصعب
وأوّل من ظلّ فى موقفيصلّى مع الطّاهر الأطيب
وكان أخا لنبىّ الهدىوخصّ بذاك فلا يكذب
وكفء لخير نساء العباد ما بين شرق إلى مغرب
وأقضى القضاة بفصل الخطاب والمنطق الأعدل الأصوب
وفى ليلة الغار وقّى النّبىّعشاء الى الفلق الأشهب
وبات دريّته فى الفراش موطّن نفس على الأصعب
وعمرو بن عبد وأصحابهسقاهم حسا الموت فى يثرب
فسل عنه خيبر ذات الحصون تخبّرك عنه وعن مرحب
وسبطاه جدّهما أحمدفبخ بخ لجدّهما والأب
فيا أسدا ظلّ بين الكلاب ينهشنه دامى المخلب
ولا عجب غير قتل الحسين ظمآن يقصى عن المشرب
لئن كان روّعنا فقدهوفاجاه من حيث لم يحسب
فكم قد بكينا عليه دمابسمر مثقّفة الأكعب
وبيض صوارم مصقولةمتى يمتحن وقعها يرسب
وكم من شعار لنا باسمهيجدّد غيظا على المذنب
وكم من سواد حددنا بهوتطويل شعر على المنكب
ونوح عليه لنا بالصّهيلوصلصلة اللّجم فى مقنب
وذاك قليل له من بنىأبيه ومنصبه الأقرب
وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه:
قيل إنّى لعلىّ مبغضمصّ من يزعم هذا ودخل
لعنة الله على مبغضهكلّما صلّى مصلّ وابتهل
والّذى زوّر قولا كاذباأثبت الله له قرن وعل
وهو عندى فرخ سوء حملتأمّه لا شكّ من ذاك العمل
وله بعد هذا اعتذار كثير فى قصائد الا أنه خلط الاعتذار ببعض الاحتجاج فلم أذكره، والذى ذكرته عنه هو آخر ما قاله وعليه فارق الدنيا.
وقال من أبيات:
زعمت بأنّى يا مبغّض مبغضعليّا فما فخرى إذا فى المحافل
أآكل من لحمى وأشرب من دمىكذبت لحاك الله يا شرّ واغل
علىّ وعبّاس يدان كلاهمايمين سواء فى العلى والفضائل
فهذا أبو هذا وهذا كم ابن ذافهل بين هذين اتّساع لداخل
ستسمع ما يخزيك فى كلّ محفلوتمسح رأس العارف المتغافل
وقال فى قصيدة أولها:
أبعد البين صبر أم هجودأبى ذاك التّذكّر والسّهود
وفيها:
أليس محمّد منّا فحسبىبه فخرا وما فيه مزيد
به طلعت نجوم الحقّ سعداوبيّنت الشّرائع والحدود
وفارسنا علىّ ذو المعالىهناك الفضل والأمر الرّشيد
وأوّل مؤمن وأخو نبىّوميمون نقيبته سعيد
وقال
قل لقريش دعى الاسراف واقتصدىإنّ عليّا وعبّاسا يدى ويدى
إن تسخطوهم تروا أسيافنا معهمإنّا وإيّاهم روحان فى جسد
وقال
بنى عمّنا عودوا نعد لمودّةفانّا إلى الحسنى سراع التّعطف
وإلّا فانّى لا أزال عليكممحالف أحزان كثير التلهّف
لقد بلغ الشّيطان من آل هاشممبالغه من قبل فى آل يوسف
ومنزلة عبد الله فى الشعر منزلة شريفة، وقد وقع من قوم إفراط فى أمره وتقديمه وكان أبو العباس أحمد بن يحيى يقدمه، ويقول «هو أشعر أهل زمانه» وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول «هو أشعر قريش، لأنه ليس فيهم من له مثل فنونه «لأنه قال فى الخمر، والطرد، والغزل، والمديح، والهجاء، والمذكر، والمؤنث، والمعاتبات والزهد، والاوصاف، والمراثى.... فأحسن فى جميعها، وهو حسن التشبيه، مليح الألفاظ، واسع الفكر.
وكان أحمد بن اسماعيل الكاتب نطاحة يقول «هو أشعر بنى هاشم» وآل وهب كلهم يقدمونه، ويقولون فيه مثل هذا القول وهو يأخذ كثيرا من الناس، ويستعين فيحسن، وكثيرا ما يتكىء
على نفسه، وهو يفضل أشباهه بألفاظ له ملوكية.
وسمعت بعض العلماء بالشعر يقول «أول الشعراء المنقدمين فى صفة الخمر الأعشى ثم الأخطل ثم أبو نواس ثم الحسين بن الضحاك ثم عبد الله بن المعتز، فقلت أنا هو أيضا عندى متقدم فى الغزل لأن الشعراء الذين أحسنوا فى الغزل حتى تفردوا به وكان الغزل قطعة من شعرهم معروفة قليلون، وخاصة من عمل فى المذكر والمؤنث وهو أول من حصل هذا، وجعله فنين وأضاف اليه فنا ثالثا سماه مجونا وكثره حتى تقدم فيه من سبقه وتبعه الناس.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع