من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو عيسى بن الرّشيد
«واسمه أحمد وقيل محمد وأمه بربرية» حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا ابراهيم بن محمد قال انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، وكان فيهم الامين وأبو عيسى، لم ير الناس أجمل منهما قط. قال وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جليس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنا أبو غالب محمد بن سعيد الصغدى قال جلس أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغذيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى خلا بأصبعه فأرسله إلى عين طاهر، فغضب طاهر وقال: ليس لى إلا عين واحدة يتولع بى فيها! فسكن المأمون منه، وقال إنه يمزح معك مزح الاخوة قال وهو القائل فى الامين لما قتل، وكان الامين يكنى بأبى موسى وبأبى عبد الله جميعا:
يا أبا موسى وعبدالله قد غالتك غول
لست أذرى كيف أرثيك ولا كيف أقول
لم تطب نفسى أسمّيك قتيلا يا قتيل
وهو القائل وأنشده الناس له:
أسهرنى ثمّ رقدومارثى لى من كمد
ظبى إذا زدت هوىوذلّة تاه وصدّ
وا عطشى إلى فميمجّ خمرا من برد
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن المهدى قال سمعت هبة بن إبراهيم ابن المهدى يقول سمعت أبى يقول للمأمون: أحب المحاسن كلها لك، حتى لو أمكننى أن أجعل وجه أبى عيسى لك لفعلت.
حدّثنا الغلابى قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال كان طاهر يعادى أبا عيسى بن الرشيد، ولم يكن له حيلة فيه، لمكانته من المأمون، وكان أبو عيسى يهجوه ويفخر عليه، فمن شعر أبى عيسى فيه:
إنّى امرؤ من بنى العبّاس قد علمواعمّ النّبىّ الّذى يسقى به المطر
منّا نبىّ الهدى والله فضّلهما فى الأنام له عدل ولا خطر
منّا الشّهيد ببطن الجسر قد علمواوجعفر وعلىّ الخير إن ذكروا
وما نسيت أبا العبّاس خيرهمخير البريّة قد خطّت به الزّبر
واذكر عليّا ولا تنس الشّبيه لهمحمّدا فيه قد شدّت له المرر
ودبّر الأمر ابراهيم متّسعاومدّ فيه يدا ما شانها قصر
وسبعة خلفاء الله بعدهمأئمّة لم تشب صفوا لهم كدر
فكيف أجعل كلبا نابحا أثرىقد شانه عور الأفعال والعور
من طاهر وحسين جذّ أصلهمالولا الامام وأمر جرّه القدر
حدّثنا ابو أيوب سليمان بن داود المهلبى قال حدثنى القاسم بن محمد ابن عباد عن ابيه قال كان المأمون أشد الناس حبا لأخيه أبى عيسى وكان يعده للأمر بعده، ويذاكرنى ذلك كثيرا، وسمعته يوما يقول إنه ليسهّل على أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شىء منهما على أحد، أن يلى الأمر بعدى ابو عيسى لشدة محبتى لذلك.
حدّثنا ابو العيناء محمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عباد المهلبى قال لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت الى المأمون وعلى عمامتى فخلعت عمامتى، ونبذتها ورائى، والخلفاء لا تعزى فى العمائم، ودنوت فقال لى «يا محمد حال القدر، دون الوطر» فقلت يا أمير المؤمنين كل مصيبة اخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال كان ابو عيسى بن الرشيد أدبيا ظريفا، وكان إذا عمل بيتين وثلاثة جودها وملحها، فمن شعره:
لسانى كتوم لأسرارهمودمعى نموم بسرّى مذيع
فلولا دموعى كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لى دموع
حدّثنا ابن فهم قال حدثنا جعفر بن على بن الرشيد ان المأمون أفطر فى يوم شك، وأمر القواد بالافطار، فكتب ابراهيم بن المهدى إلى أبى عيسى وقد حصل له عنده خمسا من حذاق المغنيات:
قد تغدّى الملك المأمون من قبل الزّوال
ودعا بالرّاح إذصحّ له فقد الهلال
وعلىّ لك خمسمن مصابيح الضلال فاسع بالله إلى
عمّك من غير مطال
فكتب اليه أبو عيسى:
لست ممّن يمزج الوعد بتكدير المقال
واحتباسى بعد ماعرّفتنى عين الضّلال
وخلافى لك يا عمّ من الشّىء المحال
ولقد أقبلت وأغربت فنون الاعتلال
وعلىّ الله أنأتبع قولا بفعال
أنت يا عمّ هلاللى إلى وقت الهلال
حدّثنا يعقوب بن بيان قال حدثنا على بن الحسين الاسكافى، قال كنت عند ابى الصقر وعنده عريب، وكانت تجلس على كرسى كالسرير وما كانت تقوم لصلاة، فسألتها عن نفسها، فقالت أنا ابنت جعفر بن يحيى اشترى أمى فى آخر أيامه، فعتبت عليه أمه فى ذلك، فنقلها الى دار امرأة كالظئر للبرامكة، فولدتنى عندها، وماتت أمى وحدث بالبرامكة ما حدث، فباعتنى المرأة التى كنت عندها وأنا صغيرة، وسمعتها تقول «انتهى جمال أولاد الخلفاء من بنى العباس إلى ولد الرشيد: محمد الامين وأبى عيسى، ما رأى الناس مثلهما قط، وكان
المعتز فى طرزهما».
حدّثنا يعقوب بن بيان الكاتب قال سمعت على بن الحسين يقول سمعت عريب تقول: وقد غنى أبو العبيس «فى غنائك شبابة من غناء أبى عيسى بن الرشيد، وما سمعت قط أحسن غناء منه، ولا رأيت أحسن وجها».
حدّثنى احمد بن يزيد بن محمد قال حدثنى أبو عبد الله الهاشمى قال من غناء أبى عيسى بن الرشيد فى شعره:
رقدت عنك سلوتىوالهوى ليس يرقد
وأطال السّهاد نومى فنومى مشرّد
أنت بالحسن مفرداحسر الوجه نسعد
وفؤادى بحسن وجهك يشقى ويكمد
قال ومن غنائه فى شعر غيره فى طريقة الثقيل:
إذا سلكت عير ذى كندةمع الصّبح قصدا لها الفرقد
هنالك إمّا تسلّى الهوىوإمّا على إثرهم تكمد
ومن غنائه فى شعر جرير فى طريقة الرمل الثانى:
حىّ الهدملة من ذات المواعيسفالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
وغنى فى شعر الاخطل فى طريقة الثقيل الأول:
إذا ما نديمى علّنى ثمّ علّنىثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذّيل منّى كأنّنىعليك أمير المؤمنين أمير
حدّثنا الغلابى قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال قال الرشيد لأبى عيسى ابنه وهو صبى «ليت جمالك لعبد الله» يغنى المأمون، فقال له وهو صغير «على أن حظه منك لى» فعجب من جوابه على صباه وضمه اليه وقبله.
حدّثنا الحسين بن فهم، قال لما قال أبو عيسى بن الرشيد:
دهانى شهر الصّوم لا كان من شهرولا صمت شهرا بعده آخر الدّهر
ولو كان يعدينى الامام بقدرهعلى الشّهر لاستعديت جهدى على الشّهر
فناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع فى اليوم مرات إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كان سبب موت أبى عيسى بن الرشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع من دابته، فلم يسلم دماغه، فكان يختبط فى اليوم مرات إلى أن مات.
حدّثنا عون بن محمد قال سمعت هبة الله يقول مات أبو عيسى ابن الرشيد سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون، ونزل فى قبره وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضر ذلك به.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع