تجاوز إلى المحتوى

من «العصا» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

فصل جامع

قال عمرو بن بحر الجاحظ: الدليل على أن [أخذ] العصا مأخوذ من أصل كريم، ومعدن شريف، اتخاذ سليمان بن داود ﵉ العصا لخطبته وموعظته، ومقاماته، وطول صلواته وتلاوته وانتصابه، فجعلها لتلك الخصال [جامعة].

وقول الله ﷿: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ). والمنسأة هي العصا. وقال أبو طالب حين قام بذم الرجل الذي ضرب أبا نبقة (وفي نسخة أبا نيقة) واسمه علقمة، حين تخاصما:

أمن أجل حبلٍ ذي زمامٍ ضربتهبمنسأةٍ قد جاء حبل وأحبلُ

و (المحجنة): العصا المعوجة. وفي الحديث المرفوع أنه ﷺ طاف بالبيت يستلم الأركان بمحجنه. وفي الحديث أن أبا بكر ﵁ أفاض من جمع وهو يخرش بعيره بمحجنه.

والعرب تقول: «لو كان في العصا سير» للمقل والضعيف. قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:

يا لك من همَّةٍ ورأىلو أنه في عصاك سيرُ
ربَّ قليل أجدى كثيراًكم مطرٍ بدؤه مطيرُ
صبراً على الحادثات صبراًما فعل الله فهو خيرُ

وتقول العرب: قد أقبل فلان و [لانت] عصاه، إذا أصابه السواف - وهو ذهاب المال وموته - فرجع وليس معه إلا العصا، فإنه لا يفارقها إن كان معه إبل أولا. قال حميد بن ثور:

واليوم ينتزعُ العصا من ربِّهاويلوك ثنيَ لسانهِ المنطيقُ

قيل: كانت العرب تقاتل بالعصي، فلهذا قال الأعشى ميمون بن قيس ابن جندل:

لسنا نضارب بالعصي ولا نقاذف بالحجاره
إلا بكلِّ مهندٍعضب من البيض الذِّكاره
قضم المضاربِ باترٍيشفي النفوسَ من الحراره
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

وقال جندلٌ الطهوي:

حتَّى إذا دارت عصانا تجرىصاحت عصيُّ من قناً وسدرِ

تقول العرب: «العصا من العصية والأفعى من الحية». تريد أن الأمر الكبير يحدث من الصغير.

والعرب تسمي الصغير الرأس: رأس العصا. وكان عمر بن هبيرة صغير الرأس، فقال فيه سويد بن الحارث:

[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بينناضغائن لا تنسى وإن قدم الدهرُ

وقال آخر]:

[من مبلغٌ رأسَ العصا أن بينناضغائن لا تنسى وإن هي سلَّتِ
رضيتَ لقيسٍ بالقليل ولم تكنأخاً راضياً إنْ صدر نعلك زلَّت

أي لم تكن قيس ترضى لك بالقليل.

وقال أبو العتاهية في والبة بن الحباب وقومه وكانت رؤوسهم صغارا:

رؤوس عصيٍّ كن في عود أثلةٍلها قادحٌ يفري وآخر مخربُ

وفي حديث زواجِ رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂ وقد تكلم أبو طالب وذكر رغبته فيها فقال قائل منهم: «ابن أخيك الفحل لا يقرع بالعصا أنفه». وذلك أن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب في الإبل ضربوا أنفه بالعصا.

وفي خطبة الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل». وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها لتجتمع، ثم تخبط بالعصا ليسقط ورقها وهشيم العيدان لتأكله الماشية.

قال المؤلف أطال الله بقاءه: زرت قبر يحيى بن زكريا ﵉ بقرية يقال لها سبسطية من أعمال نابلس، فلما صليت خرجت إلى ساحة بين يدي الموضع الذي فيه القبر محوط عليها، وإذا باب مردود ففتحته ودخلت، وإذا كنيسة فيها نحو من عشرة شيوخ رؤوسهم مكشوفة كأنها القطن المندوف، وقد استقبلوا الشرق وفي صدورهم عصي في رءوسها عوارض معوجة على قدر صدر رجل، وهم معتمدون عليها، وشيخ بين يديهم يقرأ، فرأيت منظراً يرق له القلب، وساءني وآسفني إذ لم أر في المسلمين من هو على مثل اجتهادهم. فمضت على ذلك مدة فقال لي يوماً معين الدين أنر ﵀ وأنا وهو نسير عند دار الطواويس: اشتهى أنزل أزور المشايخ. قلت: الأمر كذلك. فنزلنا ومشينا إلى منزل عرضي طويل، فدخلناه وأنا أظن أن ما فيه أحد، وإذا فيه نحو من مائة سجادة وعلى كل سجادة رجل من الصوفية عليهم السكينة، والخشوع عليهم ظاهر. فسرني ما رأيت منهم، وحمدت الله ﷿، إذ رأيت في المسلمين من هو أكثر اجتهاداً من أولئك القسوس، ولم أكن قبل ذلك رأيت الصوفية في دارهم، ولا عرفت طريقهم.

ويقال «يوم أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلات» قال عبد اللّه ابن الدمينة:

ويوم كظلِّ الرمح قصَّر طولهدمُ الزّقّ عنا واصطفاق المزاهر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»

ويقال رجل كالقناة، وفرس كالقناة. قال عروة بن الورد:

متى ما يجيءْ يوماً إلى المال وارثييجدُ جمعً كفٍّ غيرِ ملأى ولا صفرِ
يجد فرساً مثل القناةِ وصارماًحساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر

ويقال للرجل إذا لم يكن معه عصا: باهل؛ وناقة باهل إذا كانت بغير صرار.

النص من طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٩٣هـ)، ضمن «نوادر المخطوطات» بتحقيق عبد السلام هارون، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العصا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.