من «العصا» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
فصل في تسمية العصا
قال أبو بكر محمد بن دريد ﵀: إنما سميت العصا عصا لصلابتها، مأخوذ من قولهم عصَّ الشئ وعصا وعسا، إذا صلب. واعتصت النواة، إذا اشتدت. فإنما العصا مثل يضرب للجماعة. يقال شق فلان عصا المسلمين والجماعة.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إياك وقتيل العصا» يريد المفارق للجماعة فيقتل. وألقى الرجل عصاه، إذا اطمأن مكانه. ويقال عصا وعصوان، والجمع العصي، وأعصى الكرم، إذا خرج عيدانه. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «لا ترفع عصاك عن أهلك» يراد به الأدب. ويقال لعظام الجناح عصي. وعصوت الجرح، إذا داويته. والعصيان: خلاف الطاعة. قال دريد بن الصمة:
فلما عصوني كنتُ منهمْ وقد أرىغوايتهم وأنني غير مهتدِ
وقد سميت الهراوة، وجمعها هراوى. قال ابن فارس في كتاب مجمل اللغة:
هروته بالهراوة، إذا ضربته بها.
قال العباس بن مرداس السّلمى أبياتا ذكر فيها الهراوة أنا ذاكرها وموردها لحسنها وجزالتها، وهي من مختار الشعر. وقد اختارها أبو تمام حبيب ابن أوس الطائي في حماسته في باب الأدب، وهي:
ترى الرجل النحيف فتزدريهوفي أثوابه أسد مزيرُ
ويعجبك الطَّرير فتبتليهفيخلف ظنَّك الرجلُ الطريرُ
فما عظمُ الرِّجالِ لهم بفخرٍولكن فخرهم كرم وخيرُ
ضعافُ الطير أطولها جسوماولم تطل البزاة ولا الصُّقورُ
بغاث الطَّير أكثرها فراخاًوأمُّ الصقر مقلاتٌ نزورُ
- بغاث الطير: صغارها، وفيها ثلاث لغات: ضم الباء وفتحها وكسرها.
والمقلات: التي لا يعيش لها ولد -
لقد عظم البعيرُ بغير لبٍّفلم يستغنِ بالعظم البعيرُ
يصرّفه الصبيّ بكلِّ وجهٍويحبسه على الخسف الجرير
- الجرير: حبل يكون في رأس البعير -
وتضربه الوليدةَ بالهراوىفلا غيرٌ لديه ولا نكيرُ
فإن أك في شراركم قليلاًفإنِّي في خياركم كثير
ذكر أبو هلال العسكري اللغوي ﵀ في كتاب الأوائل قال: أول من خطب على العصا وعلى الراحلة قس بن ساعدة الإيادي، فمما ورد عنه من خطبه قوله:
أيها الناس: اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال
مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة. ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا. يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه: إن لله ديناً هو أرضى وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه. إنكم لتأتون من الأمر منكرا.
ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداًللقوم ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوهايمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليَّ ولا من الباقين غابر
أيقنت أنِّي لا محالة حيث صار القوم صائر
قال المؤلف - أطال الله بقاءه - العرب تقول: فلان ممن قرعت له العصا، إذا كان يرجع إلى الصواب، وينقاد إلى الحق، ويستقيم عند زيغه إذا نبه.
وتقول: فلان صلب العصا، إذا كان ذا نجدة وحزامة. وتقول إذا تفرقت الخلطاء واختلفت آراء العشيرة ومرج الأمر: انشقت العصا. وتقول للمسافر إذا آب واستقرت به داره. ألقي عصا التسيار، «فألقت عصاها».
النص من طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٩٣هـ)، ضمن «نوادر المخطوطات» بتحقيق عبد السلام هارون، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع