من «العصا» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
قرع العصا
قال النبي ﷺ: «[ما] قرعت عصاً على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون».
قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، وألحونكم لحو العصا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق،
يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق. إني والله سمعت لكم تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب.
يا عبيد العصا وأشباه الإماء، إنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن برّاقة الهمداني:
وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهمفهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
متى تجمع القلبَ الذكيَّ وصارماًوأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم
والله لا تقرع عصاً على عصا إلا جعلتها كأمس الدابر.
وقال وعلة بن الحارث بن ربيعة:
وزعمتَ أنَّا لا حلومَ لناإن العصا قرعت لذي الحلم
أقتلتَ سادتنا بغير دمٍإلا لتوهنَ آمن العصم
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
وقد قرع الواشون فيها لك العصاوإن العصا كانت لذي الحلم تقرعُ
ذو الحلم: عامر بن الظرب العدواني، وكان حكماً للعرب يرجع إلى حكمه ورأيه، فكبر وأفناه الكبر والدهر وتغيرت أحواله، فأنكر عليه الثاني من ولده أمراً من حكمه فقال له: إنك ربما أخطأت في الحكم ويحمل عنك.
فقال: اجعلوا لي أمارة أعرفها، فإذا أخطأت وقرعت لي العصا رجعت إلى الحكم.
فكان يجلس أمام بيته يحكم ويجلس ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زلّ وهفا
قرع له الجفنة بالعصا. وإياه عني المتلمس بقوله:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علِّم الإنسانُ إلا ليعلما
(صلب العصا) يقال فلان صلب العصا، إذا كان جلداً قويا على السفر والسير. قال الراعي يصف راعياً:
صلب العصا بضربهِ دمّاهاإذا أراد رشداً أغواها
قوله بضربه أي بسيره. قال الله ﵎: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ»:
سافرتم. وقوله «دمّاها» أي تركها كالدمى، واحدتها دمية، وهي الصور [في] المحاريب. وقوله «أغواها» أي رعاها الغواء، وهو نبت تسمن عليه ا [لإبل].
وقال [أبو] المجشر الضبي:
فإن تكُ مدلولاً علي فإننيكريمك لا غمرٌ ولا أنا فانِ
وقد عجمتني العاجماتُ فأسارتصليب العصا جلدا على الحدثان
صبورا على عضِّ الخطوب وضرسهاإذا قلَّصتْ عن الفم الشفتان
(انشقت العصا) العرب تقول: فلان يشق العصا، إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة مخالفاً لأمر الآمرين. ويستعمل شق العصا فيمن يتفرق عنه أحبابه، ويظعن عنه أصحابه فيظهر مكنون سره، ويبوح مخفي أمره، لضرورة البين الداعية إلى ذلك.
قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في كتابه المسمى بالقائف:
«مر ركب بشجرة مورية، فاقتضب إنسان منهم عصا ثم شقها، ثم جعل يقتدح قريباً من الشجرة فأورى الزند فقالت الشجرة: يا هذا ما أسرع ما ظهر سرك، وسوف ترغب الركب في اتخاذ زناد مني، فأحور عيداناً في أيدي القوم. فقال: لا تلمني، المغرورة، أظهرت سري ضرورة».
وقال قيس بن ذريح:
إلى الله أشكو نيةً شقّت العصاهي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميعُ
مضى زمنٌ والناس يستشفعون بيفهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وأول هذه القصيدة:
سقى طللَ الدارِ الذي أنتم بهاحناتم وبل صيّف وربيع
قال المؤلف أطال الله علاه: وقد صرعت هذه الأبيات جميعاً وأثبتها في ديوان شعري، وأنا ذاكر تصريع هذين البيتين لما فيهما من ذكر العصا.
قال غفر الله له:
أيرجو لي اللاحي من الحبِّ مخلصاوقلبي إذا ما رضته بالأسى عصا
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصىإلى الله أشكو نيةً شقّت العصا
هي اليوم شتَّى وهي أمسِ جميع
أطاعت بنا لبنى افتراءَ التكذّبوصدّ التجنّى غير صدّ التجنّب
فيا لك من دهرٍ كثيرِ التقلبمضى زمنٌ والناس يستشفعون بي
فهل لي إلى لبني الغداة شفيع
وقال المؤلف أطال الله بقاءه أيضاً أبياتاً في ذكر العصا، وهي:
رمتنا الليالي بافتراقٍ مشتِّتٍأشتَّ وأنأى من فراق المحصَّبِ
تخالفت الأهواءُ وانشقَّت العصاوشعَّبنا وشكُ النوى كلَّ مشعب
وقد نثر التوديعُ من كلِّ مقلةٍعلى كل خدٍّ لؤلؤاً لم يثقّبِ
المصراع الثاني من البيت الأول من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي واسمه حندج، والحندجة: الرملة الصغيرة. وأول القصيدة:
خليلي مرَّا بي على أمّ جندبِنقضِّ لباناتِ الفؤادِ المعذَّب
ومنها البيت:
فلله عينا من رأى من تفرقٍأشتَّ وأنأى من فراق المحصَّب
وقال أبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي، من جملة قصيدة له:
ما قصرت يدُ الزَّمان شدَّ ماتطول في نقصي وفي نقضِ مرر
عصاً شظايا ومشيب رائعٌومنزل ناءٍ وأحباب غدر
وصاحبٌ كالداء إن أخفيتهغوّر وهو قاتل إذا استتر
وقال المؤلف أطال الله بقاءه:
زدني جوىً يا حبَّهم وأضلَّنييا مرشدي عن منهج السُّلوانِ
لا تنهني عنهم فإنَّ صبابتيلا تستطيع تطيع من ينهاني
أحببتهم أزمانَ غصني ناضرٌحتَّى عسا وعصى بنانَ الحاني
فارجع بيأسك لستَ أول آمرٍشقَّ الغرامُ عصاه بالعصيان
وقال أيضاً:
كم ذا التجني وكثرةُ العلللا تأمنوا من حوادث المللِ
ولا تقولوا صبٌّ بنا كلفٌفأوّلُ اليأس آخر الأملِ
ولستُ ممن يريد شقَّ عصاًالذَّنبِ ذنبي والحب شفِّع لي
هبوني أخطأت عامداً فهبواخجلةَ عذري ما كان من زللي
وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
إذا ما لم تكنْ إبلٌ فمعزيكأنَّ قرون جلتها العصيُّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمناًوحسبك من غنًى شبعٌ وريُّ
أي كفاك. وكذلك حسبك الله، أي كفاك.
العرب تقول: «طارت عصا بني فلان شفقا». وقال الأسدي:
عصيُّ الشملِ من أسدٍ أراهاقد انصدعت كما انصدع الزُّجاجُ
ويقال: «فلان شقَّ عصا المسلمين»، ولا يقال شق ثوباً ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق.
(ألقى العصا) يقال ألقى عصا التسيار، إذا أقام وترك السفر. وكأن العرب عنت بقولها «ألقى عصاه» أي وصل إلى بغيته ومراده، أو وطنه ومراده، وراحته، ومظنة استراحته. قال الأصمعي - واسمه عبد الملك بن قريب - قصيدة مدح بها جعفر بن يحيى البرمكي ورحل إليه فمات قبل أن يصل إليه، وذكر فيها العصا، وهي قصيدة طولى أنا مورد منها نبذة لأجل العصا، وهي:
فخطَّت إليها مناقيلهاوألقت عصا السّفر السّفر
وقال راشد بن عبد الله:
وخبَّرها الرُّوَّادُ أن ليس بينهاوبين قرى نجران والدرب كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوىكما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ
وقال آخر:
فألقت عصا التَّسيار عنها وخيَّمتْبأجباءِ عذبِ الماء بيضٍ محافره
الجبا: ما حول البئر، مفتوح الجيم مقصور، وجمعه أجباء ممدود. وقوله «بيض محافره» يريد أنه [لم] يحفر في أرض سوداء، ولا من دمن، بل هي أرض صلبة.
وقوله: «خيمت»، أي اتخذت [خيمة] فأقامت.
روي أن قتيبة بن مسلم لما تسنم منبر خراسان سقط القضيب من يده فتطير له صديقه، وتشاءم عدوه، فعرف ذلك قتيبة، فحمد الله تعالى عليه ثم قال:
ليس كما سر العدو وساء الصديق، بل كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوىكما قر عيناً بالإياب المسافرُ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: قال جدى الأمير سديد الملك والمناقب أبو الحسن
علي بن مقلد ﵀، يخاطب بعض ولاة حلب:
خيّمت في حلب العواصم بعد ماقلّدتَ خوفك نازحَ الأقطارِ
لا ترضها دار الثَّواء ولا تقلْفي مثلها تلقى عصا التَّسيارِ
استحي من أجداث قومك أن ترىعرض البسيطة وهي دارُ قرارِ
قال المؤلف أطال الله بقاءه: حدثني من أثق به في شوال سنة سبع وستين وخمسمائة بحصن كيفا قال: كان في خدمة الأمير نجم الدولة مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر رجل عواد يقال له أبو الفرج حدثني قال: كنت يوماً في مجلس الأمير نجم الدولة وهو يشرب إلى [أن] سكر، وانصرفت إلى منزلي، فما كان أكثر من مضي ساعتين من الليل إذ وافاني رسوله فقال: الأمير يستدعيك.
فقلت: ما نزلت حتى سكر! قال: هو أمرني بإحضارك. فمضيت معه فرأيت الأمير جالسا، فقال: يا أبا الفرج، بعد انصرافكم نمت فرأيت إنساناً يغنيني صوتاً حفظته ثم أنسيته، وأريد أن تذكره لي. فقلت: يا مولاي، اذكر لي منه كلمة. فقال: ما أذكر منه شيئاً ولكن اعرض علي ما يحضرك. فعرضت عليه أصواتاً كثيرة وهو يقول: ما هذا الصوت الذي أربته! ثم قال: انصرف وأفكر لعلك تذكره. فانصرفت وأصبحت من بكرة طلعت إلى خدمته فقال:
يا أبا الفرج، أي شيء كان من الصوت؟ قلت: يا مولاي، لا يعلم الغيب إلا الله ﷾. قال: والله لئن لم تذكره لأخرجنك من القلعة. فقلت:
والله يا مولاي ما أدري، ما أذكر من صوت ما سمعته ولا ذكرت لي منه كلمة واحدة؟! فقال خذوه وأخرجوه. فأخرجوني إلى «البليل» فأقمت فيه يوما
ثمّ ردّنى وعدت في الخدمة كما كنت. فأنا يوماً في المجلس أغني إذ قال لي بعض الفراشين: على الباب رجل يطلبك. فخرجت إليه فرأيت رجلاً عليه عمامة مطلسة كعمائم المغاربة، فسلم علي وقال: قد قصدتك لتتوصل لي في الحضور بمجلس الأمير فأنا رجل مغن. فدخلت وأعلمته به فقلت: يا مولاي، إن كان مجيداً سمعته واستخدمته، وإلا وهبته شيئاً وانصرف. فأذن له فدخل فسلم وجلس فشد عوده وغنى:
وخبرها الرواد أن ليس بينهاوبين قرى نجران والدرب كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوىكما قرَّ عيناَ بالإياب المسافر
فقال الأمير: لا إله إلا الله، هذا والله الصوت الذي رأيته في منامي وطلبته منك. فعجبت أنا ومن حضر لهذا الاتفاق
(عصا الأعرج). وقال المؤلف أطال الله بقاءه في أعرج بيتين على سبيل الرياضة ذكرهما وإن لم يكن فيها ذكر العصا:
عابوا هوى شادنٍ في رجله قصرٌمن سكر ألحاظه في مشيه ثملُ
وما هوى خوط بانٍ ماسَ من هيفٍعيبٌ، وإنْ كان عيباً فهو محتمل
النص من طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٩٣هـ)، ضمن «نوادر المخطوطات» بتحقيق عبد السلام هارون، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع