تجاوز إلى المحتوى

من «الأمثال» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ)

باب الشماتة بالجاني على نفسه الحين

قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: احسن فذق.

يقول: قد كنت تنهي عن هذا فأنت جنيته على نفسك، فأحسنه وذقه. قال: ومنه قولهم: أشئت عقيل إلى عقلك.

أي لمّا ألجئت إلى رأيك جلب عليك ما تكره. وأنشد الزبير:

وإني قد يشاء إليَّ يوماًفلا أنسى البلاء ولا أضيعُ

يشاء: يضطر ويلجأ إلى، قال أبو عبيد: ويقال في مثله:

يداك أوكتا وفوك نفخ.

وكان المفضل يخبر عن أصل هذا أنَّ رجلاً كان في بعض جزائر البحر، فأراد أن يعبر على زق وقد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث رجلاً فقال له الرجل " يداك أوكتا وفوك نفخ " يقول: أنت فعلت هذا بنفسك. ومنه قولهم: لا يحزنك دمٌ أراقه أهله.

وكان المفضل أيضاً يخبر بقصة هذا المثل قال: هو لجذيمة الأبرش حين تزوج الزباء وصار إليها، فقطعت رواشيه، فعندها قال: " لا يحزنك دم أراقه أهله " أي أنا جنيت هذا على نفسي. ومنه قولهم في: يسار الكواعب وكان من حديثه أنّه كان عبداً لبعض العرب، ولمولاه بنات، فيجعل يتعرض لهن ويريدهن عن أنفسهن، فقلن له: يا يسار، اشرب من ألبان هذه اللقاح، ونم في ظلال هذه الخيام، ولا تتعرض لبنات الأجواد، فأبى فلما أكثر عليهن واعدنه ليلاً، فأتاهن وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهن قبضن عليه فجببن مذاكيره، فصار مثلاً لكل من جنى على نفسه، وتعدى طوره، وفيه يقول الفرزدق لجرير:

فهل أنت أن ماتت أتانك راكبإلى آل بسطام بن قيس بخاطبِ
وإني لأخشى إن خطبت إليهمعليك الذي لاقى يسار الكواعبِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشماتة بمن لا يقبل النصيحة قول دريد بن الصمة:

أمرتهم أمري بمنقطع اللوىوهل يستبان الرشد إلاّ ضحى الغدِ

النص من طبعة دار المأمون للتراث بدمشق (١٤٠٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الأمثال في مرازي الدهر وحدثانه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.