تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ليلى العامرية ومجنونها

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيُّوَيْهِ الخزاز قراءة عليه، قال: حدَّثنا محمد بن خلف بن المَرْزُبان، قال: حدَّثني قاسم بن الحسن، عن العمري، قال: قال الهيثم بن عدي: حدَّثنا عثمان بن عمارة عن أشياخهم من بني مرة، قال: رحَلَ رجلٌ مِنَّا إلى ناحية الشام مما يلي تيماء والشراة في طلب بُغية له، فإذا هو بخيمة قد رُفِعت له، وقد أصابه مطر، فعدَل إليها، فتنحنح، فإذا امرأة قد كلمته، فقالت له: انزل، فنزل، وراحَت إبلهم وغنمهم، فإذا أمرٌ عظيمٌ وإذا رُعاءٌ كثيرٌ، فقالت لبعض العبيد: سلُوا هذا الرجل من أين أقبل؟ فقلتُ: من ناحية اليمامة ونجد. فقالت: أي بلاد نجد وَطِئتَ؟ قلت: كلها. قالت: بمن نزلتَ هناك؟ قلت: ببني عامر. فتنفَّسَت الصُّعداء وقالت: بأيِّ بني عامر؟ فقلت: بني الحُريش. فاستعبَرَت، ثمَّ قالت: هل سمعتَ بذكر فتًى يُقال له قيس ويُلقَّب بالمجنون؟ فقلتُ: إي والله، ونزلت بأبيه، وأتيتُه حتى نظرت إليه يهيم في تلك الفيافي، ويكون مع الوحش، لا يَعقِل ولا يَفهم، إلا أن تُذكَر له ليلى فيبكي، ويُنشد أشعارًا يقولها فيها.

قال: فرفعَتِ السِّترَ بيني وبينها، فإذا شِقة قمرٍ لم ترَ عيني مثلَها، فبكَت وانتحبَت حتى ظننتُ والله أن قلبها قد انصدع، فقلت لها: أيتها المرأة! اتقي الله، فوالله ما قلتُ بأسًا. فمكثَت طويلًا على تلك الحال من البُكا والنحيب، ثمَّ قالت:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌمتى رحلُ قيسٍ مُستقِلٌّ فراجعُ
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا ليت شعري والخطوب كثيرة»
بنفسي مَن لا يستقلُّ برَحلِهومَن هو، إن لم يَحفظ اللهُ، ضائع
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

ثمَّ بكت حتى غُشي عليها. فلما أفاقت قلتُ: مَن أنتِ بالله؟ قالت: أنا ليلى المشئومة عليه، غيرُ المساعِدة له. فما رأيتُ مثل حزنها ووَجدِها، فمضَيتُ وتركتُها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.