من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
أبو دَهبَل والمرأة الشامية
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، قال: حدَّثنا محمد بن خلف، قال: حدَّثني أبو العباس أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدَّثني عمي مصعب بن عبد الله، قال: حدَّثني إبراهيم بن أبي عبد الله، قال: خرَجَ أبو دَهبَل الجُمَحي يُريدُ الغزو، وكان رجلًا جميلًا صالِحًا، فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطته كتابًا، فقالت له: اقرأ هذا! فقرأه لها، ثمَّ ذهبت فدخلت قصرًا، ثمَّ خرجت إليه، فقالت له: لو بلغتَ معي إلى هذا القصر فقرأتَ الكتاب على امرأةٍ فيه كان لك أجرٌ إن شاء الله. فبلَغَ معها القصر، فلما دخل إذا فيه جوارٍ كثيرة، فأغلقنَ عليه باب القصر، فإذا امرأةٌ جميلةٌ قد أتتْه فدعَتْه إلى نفسها فأبى، فأمرَت به فحُبِس في بيتٍ من القصر، وأُطعم وسُقي قليلًا قليلًا حتى ضَعُفَ وكاد يموت، ثمَّ دعته إلى نفسها، فقال: أما في الحرام فلا يكون ذلك أبدًا، ولكن أتزوَّجك. قالت: نعم! فتزوجها، وأمرت به فأُحسن إليه حتى رجعت نفسه إليه، فأقام معها زمانًا طويلًا لم تدعْه يَخرج من القصر حتى يئس منه أهله وولدُه، وزوَّج أولاده بناته واقتَسموا ميراثه.
وأقامت زوجته تبكي، ولم تُقاسِمهم ماله، ولا أخذت من ميراثه شيئًا، وجاءها الخُطَّاب فأبَت وأقامت على الحزن والبكاء عليه، قال: فقال أبو دَهبَل لامرأته يومًا: إنك قد أثمتِ فيَّ وفي ولدي، فأْذني لي أن أخرج إليهم وأرجع إليك، فأخذت عليه أيمانًا ألا يُقيمَ إلا سَنَةً حتى يعود إليها، وأعطَتْه مالًا كثيرًا، فخرج من عندها بذلك المال حتى قدم على أهله، فرأى زوجته وما صارت إليه من الحزن، ونظر إلى ولده ممَّن اقتسم ماله، وجاءوه، فقال: ما بيني وبينكم عمل! أنتم ورثتُموني وأنا حي، فهو حظُّكم، والله لا يُشرك زوجتي أحدٌ في ما قدِمتُ به. وقال لزوجته: شأنُك بهذا المال فهو كله لك، ولستُ أجهل ما كان من وفائك. وأقام معها، وقال في الشامية:
صاحِ! حيَّ الإله حيًّا ودودًاعند أصل القَنَاةِ من جَيرُونِ
فبتلكَ اغتربتُ بالشام حتىظنَّ أهلي مرجَّماتِ الظنونِ
وهي زهراء مثل لؤلؤ الغوَّاصِ مُيِّزت من لؤلؤٍ مكنون
وفي هذه القصيدة يقول أبو دَهبَل:
ثمَّ فارقتُها على خير ما كانَ قرينٌ مُقارنًا لقرينِ
وبكَت خشية التفرُّق والبَيْــنِ بكاءَ الحزين نحو الحزينِ
فاسألي عن تذكُّري واكتئابيجُلَّ أهلي إذا همُ عذلوني
وقد رُويَ هذا الشعر لعبد الرحمن بن حسَّان، وليس بصحيح. قال: فلما جاء الأجل أراد الخروج إليها ففاجأه موتُها، فأقام.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع