تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ذو الرُّمَّة ومي (٢)

أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، قال: أنبأنا أبو عُبيد الله محمد بن عمران المَرْزُباني، قال: حدَّثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن زياد الأعرابي، قال: حدَّثني أبو صالح الفزاري، قال: ذُكِرَ ذو الرُّمَّة في مجلِسٍ فيه عدةٌ من الأعرَاب، فقال عصمةُ بن مالك الفَزاري شيخٌ منهم، بلغ مائة وعشرين سنة: إيَّاي فَسَلوا عنه! كان حُلو العينين، حسن المضحك، برَّاق الثنايا، خفيف العارضين، إذا نازَعَك الكلام لا تسأم حديثه، وإذا أنشد أبرَّ وحَسُنَ صوتُه.

وقفتُ على رَبْعٍ لميَّة ناقتيفَما زِلتُ أبكي عنده وأخاطبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فلما انتهيت إلى قوله:

نَظَرتُ إلى أظعانِ ميٍّ كأنهاذُرَى النخل أو أثلٌ تميلُ ذوائبه
فأسبَلَتِ العَيْنانِ والقلبُ كاتِمٌبمُغرورِقٍ نمَّت عَليَّ سواكبُه
بكى وامِقٌ جاء الفراق ولم يُجِلجوائِلَهَا، أسراره أو معاتبه

قالت الظريفة: لكن اليوم فليُجل، ثمَّ مضيتُ، فلما انتهيت إلى قوله:

وقد حلَفَت بالله ميَّةُ ما الذيأحادِثُها إلا الذي أنا كاذبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»
إذن فرَماني الله من حيث لا أرىولا زال في أرضي عَدوٌّ أحاربه

قالت مي: وَيحك يا ذا الرُّمَّة، خَفْ عواقب الله عز وجل. ثمَّ مضيتُ حتى انتهيت إلى قوله:

إذا سَرَحَت من حُبِّ ميٍّ سَوَارِحٌعلى القَلْبِ آتَتْهُ جَميعًا عَوَازِبُه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فقالت الظريفة: قتلتِه قتَلَكِ الله! فقالت مية: ما أصحَّه وهنيئًا له. قال: فتنفَّس ذو الرمة تنفَّسةً كاد حرُّها يَطيرُ بلحيته، ثمَّ مضيت حتى انتهيت إلى قوله:

إذا نازعتْكَ القولَ ميةُ أو بدالك الوجه منها أو نضا الدِّرع سالبُه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»
فيا لك من خدٍّ أسيلٍ ومنطقٍرخيمٍ ومن خُلْق تعلَّل جاذبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فقالت الظريفة: هذا الوجه قد بَدا، وهذا القولُ قد تُنوزِعَ، فمن لنا بأن ينضو الدَّرْعَ سالِبُه؟ فالتفتت إليها مي فقالت: ما لكِ قاتلك الله؟ ماذا تَجنينَ به؟ فتضاحكت النسوة، فقالت الظريفة: إن لهذَينِ لشأنًا، فقُم بنا عنهُما. فقُمنَ، وقمتُ فصرتُ إلى بيتٍ قريبٍ منهما أراهُما، ولا أسمع كلامَهُما إلا الحرفَ بعد الحَرْفِ، فوالله ما رأيته بَرحَ مكانَه ولا تَحَرَّك، وسمعتها تقول: كذبتَ والله، فوالله ما أدري ما الذي كذَّبتْه فيه. فتحدَّثا ساعةً، ثمَّ جاءني ومعه قُوَيْرِيرَة فيها دُهْنٌ طَيِّبٌ، فقال هذه دُهنَةٌ أتحفَتْنا بها مي، فشأنك بها. وهذه قلائدُ زوَّدَتناها للجُؤذُرِ، فلا والله لا قلَّدتُهُن بعيرًا أبدًا. ثمَّ عقدهُنَّ في ذؤابة سيفه.

قال: فانصَرفنا، فلم نزل نختلف إليها مَرْبَعَنا حتى انقضى. ثمَّ جاءني يومًا، فقال: يا عصمةُ! قد ظَعنت مي، فلم يَبق إلا الديار، والنظر في الآثار، فانهَض بنا ننظر إلى آثارِها، فخَرَجنا حتى وَقَفنا على دِيارِها، فجعل ينظر ثمَّ قال:

ألا فاسلَمي يا دارَ ميِّ على البِلىولا زال مُنهَلًّا بجرعائك القَطْرُ
فإن لم تكوني غير شامٍ بقفرةٍيَجُرَّ بها الأذيال صَيفيَّةٌ كُدْرُ

ثمَّ انتضحَت عيناه بعَبرَةٍ، فقلت: مَه! فقال: إنِّي لجَلْدٌ، وإن كان مني ما ترَى، فما رأيتُ صبابةً قط، ولا تجلُّدًا أحسَنَ من صَبابته وتجلُّده يومئذٍ. ثمَّ انصرفنا، فكان آخر العهد به.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.