تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

عشقٌ ليس فيه فحش

أنبأنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدَّثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدَّثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب، قال: حدَّثني العتبي، قال: كان عند خالد بن عبد الله فقهاء من أهل الكوفة، فيهم أبو حمزة الثُّمالي، فقال خالد: حدِّثونا بحديث عشقٍ ليسَ فيه فُحش! فقال أبو حمزة الثمالي: أصلَحَ الله الأمير! زعموا أنه ذُكر عند هشام بن عبد الله غدرُ النساء وسرعة تزويجهن. فقال هشام: إنه ليبلُغني من ذلك العجب. فقال بعض جلسائه: أنا أحدِّثُك عما بلغني من ذلك.

بلَغني أن رجلًا من بني يشكر يُقالُ له غسَّان بن مَهضَم من العذافر، كانت تحته ابنةُ عمٍ له يُقالُ لها أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر، وكان لها مُحِبًّا، وكانت هي له كذلك، فلما حضَره الموت وظنَّ أنه مُفارِقٌ الدنيا قال ثلاثة أبيات، ثمَّ قال لها: يا أم عقبة! اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحقٍّ، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك بعدما يواريني التراب. فقالت: قُل، فوالله لا أجيبُك بكذبٍ ولأجعلنه آخِرَ خِطابٍ مني. فقال وهو يَبكي بكاءً منعه الكلام:

أخبريني بما تُريدين بعديوالذي تُضمِرين يا أم عُقبه
تحفظيني من بعدِ موتي لما قدكان مني في حُسنِ خُلقٍ وصُحبَه
أم تُريدين ذا جمالٍ ومالٍوأنا في التراب في سُحقِ غُربَه

فأجابته ببكاء وانتحاب:

قد سَمعنا الذي تقول وما قدخِفتَه يا خليلُ من أم عُقبه
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة
أنا مِن أحفظ الأنام وأرعاهُمْ لما قد أوليتُ من حُسن صُحبه
سوف أبكيكَ ما حييتُ بشجوٍومراثٍ أقولُها وبندبَه
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة

قال: فلما قالت ذلك طابت نفسه، وفي النفس ما فيها، فقال:

أنا والله واثِقٌ منكِ لكنرُبَّما خِفتُ منك غدر النساءِ
بعد موتِ الأزواج يا خيرَ من عوشِرَ فارعَي حقِّي بحُسن الوفاء
إنني قد رجوتُ أن تحفظي العهــد فكوني إن مُتُّ عند الرجاء

قال: ثمَّ اعتُقل لسانه، فلم يَنطق حتى مات. فلم تلبث بعده حتى خُطبت من كل جانب، ورغب فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف، فقالت مُجيبة لهم:

سأَحفظ غسَّانًا على بُعدِ دارهوأرعاهُ حتى نلتقي يومَ نُحشَرُ
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة
وإني لفي شُغلٍ عن الناس كلِّهمفكفُّوا! فما مثلي بمَن مات يغدُرُ
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة
سأبكي عليه ما حييتُ بعبرةٍتجولُ على الخدَّين مني وتحدُرُ

فأيسَ الناسُ منها حينًا، فلما مرَّت بها الأيام نسيَتْ عهده قالت: من مات فقد فات. فأجابت بعض خُطَّابها، فتزوَّجها، فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسَّان في النوم، وقد أغفَت. فقال:

غدرتِ ولم ترعَي لبَعلِكِ حُرمَةًولم تعرفي حقًّا ولم تحفظي عهدًا
ولم تَصبري حولًا حِفاظًا لصاحبٍحلفتِ له يومًا ولم تُنجزي وعدًا
غدرتِ به لما ثوى في ضريحِهكذلك يُنسى كلُّ من سكن اللحدا

قال: وكانت المرأة القائلةُ هذا الكلام صاحبة شعرٍ ورَجز، فقالت:

ماذا صنعتِ وماذالقيتِ من غسَّانِ
قتلتِ نفسَكِ حُزنًايا خيرة النِّسوانِ
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة
وفَيتِ من بعد ما قدهمَمتِ بالعِصيان
للشاعر أم عقبة زوجة غسّان بن حهضم، اقرأ القصيدة
إنَّ الوفاء من اللهلم يَزل بمكانِ

قال: فلما بلغ زوجها، وكان يُقال له المِقدام بن حُبيش، وكان قد أُعجبَ بها أنها قالت: ما كان لي مُستمتَع بعد غسَّان، قال: هكذا فلتكن النساء في الوفاء، وقلَّ من تحفظ ميِّتًا، إنما هي أيامٌ قلائل حتى يُنسى وعنه يُسلى.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.