من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
ليلى الأخيلية والحجاج
أخبرنا أبو جعفر بن مسلمة في ما أذن لنا في روايته أن أبا القاسم إسماعيل بن سعيد بن سُوَيْد أخبرهم إجازةً، قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، حدَّثني أبي، حدَّثنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمَّن حدَّثه عن مولى لعنبسة أن سعيد بن العاص، قال: كنتُ أدخل مع عنبسة بن سعيد إذا دخل على الحجاج، فدخل يومًا فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج غير عنبسة، فقعدتُ فجيء الحجاج بطبق فيه رُطَبٌ فأخذ الخادم منه شيئًا فجاءني به، ثمَّ جيء بطبق حتى كَثُرت الأطباق، وجعل لا يؤتون بشيءٍ إلا جاءني منه بشيءٍ، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهم. ثمَّ جاء حاجب فقال: امرأةٌ بالباب. فقال له الحجاج: أدخلها! فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننتُ أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت إليها فإذا هي امرأةٌ قد أسنَّت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتى بك؟ فقالت: إخلافُ النجوم، وقلَّة الغيوم، وكلَبُ البرد، وشدة الجهد، وكنتَ لنا بعد الله الرفد.
أحجَّاجُ لا يُفلَل سِلاحُك إنما الــمنايا بكفِّ الله حيثُ تراها
أحجَّاجُ لا تُعطِ العصاة مُناهُمُولا الله يُعطي للعصاةِ مُناها
إذا هبَط الحجَّاجُ أرضًا مريضةًتتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العُضالِ الذي بهاغُلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فروَّاها بشُرب سجالهدماءُ رجالٍ حيث قال حماها
إذا سَمِعَ الحجاجُّ رِزَّ كتيبةٍأعدَّ لها قبل النزول قِراها
أعدَّ لها مسمومةً فارسيَّةًبأيدي رجال يَحلُبُون صَرَاها
فما وَلَدَ الأبكارُ والعون مثلَهبنجدٍ ولا أرضٍ يجفُّ ثراها
قال: فلما قالت هذا قال الحجاج: قاتَلها الله! ما أصاب صفتي شاعرٌ مذ دخلتُ العراق غيرها. ثمَّ التفَت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنِّي لأعدُّ للأمر عسى أن لا يكون أبدًا. ثمَّ التفَتَ إليها فقال: حسبُك. قالت: إنِّي قد قلت أكثر من هذا. قال: حسبك، ويحك حسبك. ثمَّ قال: يا غلام، اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها. قال: فأمر بإحضار الحجَّام، فالتفتَت إليه فقالت: ثكلتْكَ أمُّك! أما سمعتَ ما قال: إنما أمرك أن تقطع لساني بالصِّلة. فبعث إليه يَستثبته، فاستشاط الحجاجُ غضبًا وهمَّ بقطع لسانه، وقال: اردُدها. فلما دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يَقطعُ مقولي. ثمَّ أنشأت تقول:
حجَّاجُ! أنت الذي ما فوقه أحدٌإلا الخليفة والمستغفَرُ الصَّمدُ
حجَّاج! أنت شهاب الحرب إذ لَقحتوأنت للناس في جنح الدُّجى تقِدُ
ثمَّ أقبل الحجَّاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أنا لم نرَ امرأةً قطُّ أفصح لسانًا ولا أحسن مُحاوَرةً ولا أملح وجهًا ولا أرصن شِعرًا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبِّها. ثمَّ التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة. فقالت: نعم أيها الأمير، هو الذي يقول:
وهل تبكيَنْ ليلى إذا ما بكَيتُهاوقام على قبري النساء النوائحُ
كما لو أصابَ الموتُ ليلى بكيتُهاوجاد لها دمعٌ من العين سافحُ
وأُغْبطُ من ليلى بما لا أنالهبلى! كُلُّ ما قرَّت به العين صالحُ
ولو أن ليلى الأخيلية سلَّمتعليَّ ودوني تُربَةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليم البشاشة أو زَقاإليها صَدًى من جانب القبر صائحُ
فقال لها زيدينا يا ليلى من شعره. فقالت: هو الذي يقول:
حمامةَ بطنِ الواديَين ترنَّميسقاكِ من الغُرِّ الغوادي مطيرُها
أبيني لنا لا زال ريشُكِ ناعمًاولا زلت في خضراءَ غضٍّ نضيرها
وأُشرِف بالقَوزِ اليفاعِ لعلنيأرى نارَ ليلى أو يراني بصيرُها
وكنتُ إذا ما جئت ليلي تبرقعتْفقد رابني منها الغداة سُفورُها
يقول رجالٌ: لا يَضيرُك نأيُها!بلى! كلُّ ما شفَّ النفوس يضيرُها
بلى! قد يَضيرُ العين أن تُكثِر البُكاويُمنَعَ منها نومُها وسُرورُها
وقد زعمَتْ ليلى بأنيَ فاجِرٌلنفسي تُقاها أو عليها فُجورها
فقال لها الحجاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورِك؟ فقالت: أيها الأمير، كان يُلِم بي كثيرًا، فأرسل إليَّ يومًا أني آتيكِ، وفطنَ الحيُّ، فأرصدوا له، فلما أتاني سفرتُ فعلم أن ذلك لشرٍّ، فلم يَزد على التسليم والرجوع. فقال: لله درُّك، فهل رأيت منه شيئًا تكرهينه؟ فقالت: لا والذي أسأله أن يُصلحك غير أنه قال لي مرة قولًا ظننتُ أنه قد خضع لبعض الأمر، فقلت له:
وذي حاجةٍ قُلنا له لا تَبُح بهافليس إليها ما حييتَ سبيلُ
لنا صاحبٌ لا يَنبغي أن نخونهوأنت لأخرى فارِغٌ وحليلُ
فلا والذي أسأله أن يُصلحك ما رأيتُ منه شيئًا حتى فرَّق الموت بيني وبينه. قال: ثمَّ ماذا؟ قالت: لم يلبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه: إذا أتيتَ الحاضرة من بني عُبادة، فنادِ بأعلى صوتك:
عفا الله عنها! هل أبيتنَّ ليلةًمن الدهر لا يسري إليَّ خيالُها
فخرجت وأنا أقول:
وعنه عفا ربي وأحسن حالهفعزَّ علينا حاجةٌ لا ينالُها
قال: ثمَّ ماذا؟ قالت: لم يَلبث أن مات، فأتاني نعيُّه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك. فأنشدت:
لتبكِ عليه من خفاجة نُسوةٌبماء شئونِ العبرَةِ المتحدِّرِ
قال: فأنشدينا:
كأن فتى الفتيان توبةَ لم يُنِخقلائص يفحصنَ الحصا بالكراكر
فلما فرغت من القصيدة قال مُحصنٌ الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من هذا الذي تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إنِّي لأظنُّها كاذبة. فنظرت إليه، ثمَّ قالت: أيها الأمير! إن هذا القائل لو رأى توبةَ لسرَّه أن لا يكون في داره عذراء إلا وهي حاملٌ منه. فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنتُ عنه غنيًّا.
ثمَّ قال لها: سَلي يا ليلى تُعطَي. قالت: أعط فمثلُك أعطى فأجزل. قال: لك عشرون. قالت: زِد فمثلك زاد فأجمل. قال: لك أربعون. قالت: زِد فمثلُك زادَ فأفضل. قال: لك ستون. قالت: زِد فمثلك زاد فأكمل. قال: لك ثمانون. قالت: زِد فمثلُك زاد فأتمَّ. قال: لك مائةٌ، واعلمي يا ليلى أنها غَنَمٌ. قالت: معاذ الله أيها الأمير، أنت أجود جُودًا وأمجدُ مجدًا وأورى زندًا من أن تجعلها غَنَمًا. قال: فما هي ويحك يا ليلى؟ قالت: مائة ناقة يُدعى بها. فأمر بها ثمَّ قال: ألك حاجةٌ بعدها؟ قالت: تدفع إليَّ النابغة الجعدي في قَرَن. قال: قد فعلت.
وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربًا عائذًا بعبد الملك، فاتَّبعته إلى الشام، فهرب إلى قُتيبة بن مُسلم بخراسان، فأتبعَته على البريد بكتاب الحجاج إلى قُتيبة، فمات بقومَس، ويُقال بحُلوان.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع