تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

شهقة الموت

قال محمد بن المَرْزُبان، ونقلته من خط ابن حَيُّوَيْهِ عنه، قال: أخبرني بعض أصحاب المدايني، أخبرنا المدايني، أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: كان بالمدينة رجلٌ من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان شاعِرًا، وكانت عنده ابنة عمٍّ له، وكان لها عاشِقًا وبها مُستَهترًا، فضاق ضيقةً شديدةً، وأراد المسير إلى هشام إلى الرُّصافة، فمنعه من ذلك ما كان يجد بها، وكَرِهَ فراقها، فقالت له يومًا وقد بلغ منها الضيق: يا ابن عمي! ألا تأتي الخليفةَ لعلَّ الله تعالى أن يَقسِمَ لك منه رِزقًا، فنكشِفَ به بعض ما نحن فيه. فلما سمع ذلك منها نشطَ للخروج فتجهَّز ومضى، حتى إذا كان من الرصافة على أميالٍ خطرَ ذِكْرُها بقلبه وتمثَّلت له، فلبث ساعةً شبيهًا بالمُغمى عليه، ثمَّ أفاق فقال للجمَّال: احبِس. فحبس إبلَه، فأنشأ يقول:

بينما نحن في بلاكثَ فالقاعِ سراعًا والعيسُ تَهوي هُويَّا
خطرت خطرةٌ على القلب من ذِكْــراك وهنًا فما أطقتُ مُضيَّا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
قلت: لبيكِ إذ دعاني لك الشَّوْقُ، وللحاديَين: رُدَّا المطيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فكَرَرْنا صدور عيسٍ عِتاقٍمُضمَراتٍ طوين بالسير طيًّا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
ذاك مما لقينَ من دَلَجِ السَّيْــرِ وقولِ الحُداةِ بالليل هيَّا
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ذاك مما لقين من دلج الليل»

ثمَّ قال للجمَّال: ارجِع بنا! فقال له: سبحان الله، قد بلغتَ طِيَّتك! هذه أبيات الرصافة. فقال: والله لا تخطو خُطوةً إلا راجعةً. فرجع حتى إذا كان من المدينة على قدْرِ ميلٍ لقيه بعض بني عمه، فأخبره أن امرأته قد تُوفِّيت، فشهق شهقة وسقط عن ظهر البعير ميِّتًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.