تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ليلى ومجنونها

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، أخبرنا أبو عمر بن حَيُّوَيْهِ، حدَّثنا ابن المَرْزُبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه، عن ابن دأب، حدَّثني رجلٌ من بني عامر يُقال له رياح بن حبيب، قال: كان في بني عامر من بني الحريش جاريةٌ من أجمل النساء، وأحسنهنَّ، لها عقل وأدب، يُقال لها ليلى ابنة مهدي بن رَبيعة بن الحُرَيش، فبلغ المجنون خبرُها وما هي عليه من الجمال والعقل. وكان صبًّا بمحادثة النساء، فعمد إلى أحسن ثيابه، فلبسها وتهيَّأ بأحسن هيئة، وركب ناقة له كريمة وأتاها. فلما جلس إليها وتحدَّث بين يديها أعجبته ووقعَت بقلبه. فظل يومه يُحدِّثُها وتُحدِّثه حتى أمسى، فانصرف. فبات بأطول ليلة من الليلة الأولى، وجهد أن يُغمِضَ فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول:

نهاري نهارُ الناس، حتى إذا بداليَ الليل هزَّتني إليك المضاجعُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»
أُقضِّي نهاري بالحديث وبالمُنىويجمعُني والهمَّ بالليل جامعُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»

وأدامَ زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه فيتحدَّثُ إليه غيرها، وكان يأتيها كل يومٍ، فلا يزال عندها نهارَه أجمع حتى إذا أمسى انصرف.

وإنه خرج ذات يومٍ يُريدُ زيارتها، فلما قرُب من منزلها لقيتْه جاريةٌ عسراء، فتطيَّر من لقائها فأنشأ يقول:

وكيف تُرَجِّي وصلَ ليلى، وقد جرىيجدُّ القوَى من ليلَ أعسرُ حاسرُ
صديعُ العصا جدبُ الزمانِ إذا انتحىلوصلِ امرئٍ لم يُقضَ منه الأوَاطِرُ

ثمَّ صار إليها من غدٍ، فلم يزل عندها، فلما رأت ليلى ذلك منه وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاء يومًا كما كان يجيء، فأقبل يُحدِّثُها، وجعلت هي تُعرِضُ عنه بوجهها وتُقبِلُ على غيره، كل ذلك تريدُ أن تَمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منه اشتدَّ عليه، وجزع حتى عُرِفَ ذلك فيه، فلما خافت عليه أقبلت كالمشيرة إليه، فقالت:

كِلانا مُظهِرٌ للناسِ بُغضًاوكلٌّ عند صاحبه مكينُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»

فسُرِّيَ عنه وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنَك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا مُعطيةٌ الله عهدًا إن أنا جالستُ بعد يومي هذا رجلًا سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أُكرَه على ذاك. قال: فانصرف في عشيته وهو أسرُّ الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول:

أظنُّ هواها تاركي بمَضَلَّةٍمن الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أظن هواها تاركي بمضلة»
ولا أحدٌ أُفضي إليه وصيَّتيولا وارثٌ إلا المطيةُ والرحلُ
محا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُنَّ قبلَهاوحلَّت مكانًا لم يكن حُلَّ من قبلُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أظن هواها تاركي بمضلة»

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.