من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
مدرك الشيباني وعمرو النصراني (٢)
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التَّنُوخِي رحمه الله، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، حدَّثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري، قال: أنشدنا أبو القاسم مُدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني، قال القاضي أبو الفرج: وقد رأيتُ عَمرًا، وبقيَ حتى ابيضَّ رأسه:
من عاشِق ناءٍ هواهُ دانٍناطق دمع صامت اللسان
موثَّق قلب مُطلَق الجُثمانمعذَّبٍ بالصد والهِجران
من غير ذنب كسب يداهغير هوًى نمَّت به عيناه
شوقًا إلى رؤية من أشقاهكأنما عافاه مَن أضناه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقىمن أدمُعٍ مُنهلَّةٍ ما ترقا
ناطقةٍ وما أحارت نُطقَاتُخبِرُ عن حُبٍّ له استرقَّا
لم يبقَ منه غيرُ طرفٍ يبكيبأدمعٍ مثل نظام السلكِ
تُطفيه نيران الهوى وتُذكيكأنها قطرُ السماء تحكي
إلى غزالٍ من بني النصارىعِذارُ خدَّيه سبى العذارى
وغادر الأُسدَ به حيارىفي رِبقَةِ الحُبِّ له أسارى
رثمٍ بدار الروم رام قتليبمُقلَةٍ كحلاء لا عن كُحْلِ
وطرةٍ بها استَطار عقليوحُسنِ وجهٍ وقبيحِ فِعلِ
رثمٍ به أي هِزبْرٍ لم يُصَديقتُلُ باللحظ ولا يخشى القود
متى يقُل: ها! قالت الألحاظ: قدكأنه ناسوتُه حين اتَّحد
ما أبصر الناس جميعًا بَدْرَاولا رأوا شمسًا وغُصنًا نضرا
أحسنَ من عمرٍو فديتُ عمرا!ظبيٌ بعينَيه سقاني الخمرا
ها أنا ذا بقدِّه مقدودوالدمع في خدي له أُخدود
ما ضرَّ من فقدي به موجودلو لم يُقبَح فعله الصدود
إن كان دِيني عنده الإسلامُفقد سعَت في نقضِه الآثامُ
واختلَّت الصلاةُ والصياموجاز في الدين له الحرام
يا ليتَني كنت له صليبًاأكون منه أبدًا قريبًا
أُبصر حُسنًا وأشم طيبًالا واشيًا أخشى ولا رقيبًا
بل ليتَني كنتُ له قربانًاألثمُ منه الثغر والبنانا
أو جاثليقًا كُنتُ أو مُطرانًاكيما يرى الطاعة لي إيمانًا
بل ليتَني كنت لعمرٍو مُصحَفًايقرأ مني كل يومٍ أحرُفا
أو قلَّما يكتُبُ بي ما ألَّفامن أدَبٍ مُستحسنٍ قد صُنفا
بل ليتَني كنتُ لعمرٍو عُوذهأو حُلَّة يلبَسُها مقذوذه
أو بركة باسمِه مأخوذهأو بيعةً في داره مَنبوذه
بل ليتَني كنت له زُنَّارايُديرُني في الخَصرِ كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهاراصِرتُ له حينئذٍ إزارا
قد، والذي يُبقيه لي أفنانيوابتزَّ عقلي والضنى كساني
ظبيٌ على البُعاد والتدانيحل محل الروح من جُثماني
وا كَبِدي من خده المضرَّجوا كبدي من ثغره المفلَّج
لا شيءَ مثل الطرف منه الأدعجِأذْهبُ للنسكِ وللتحرُّج
إليكَ أشكو يا غزال الإنسما بي من الوحشة بعد الأُنسِ
يا من هلالي وجهه وشمسيلا تُقتَلُ النفس، بغير نفسِ
جُد لي كما جُدتَ بحُسن الوُدِّوارع كما أرعى قديم العهد
واصدُد كصدِّي عن طويل الصدِّفليس وجدٌ بك مثل وجدي
ها أنا في بحر الهوى غريقُسكرانُ من حُبِّك لا أُفيقُ
مُحترِقٌ ما مسَّني حريقُيرثي لي العدوُّ والصَّديقُ
فليتَ شعري فيك! هل ترثي ليمن سقم بي وضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيللعاشق ذي جسد نحيل!
في كلِّ عضوٍ منه سُقمٌ وألمومُقلةٌ تبكي بدمعٍ وبدم
شوقًا إلى بدرٍ وشمسٍ وصنممنه إليه المُشتكى إذا ظَلَم
أقول إذ قام بقلبي وقعديا عمرو، يا عامر قلبي بالكمد
أُقسمُ بالله يمين المجتهدإن امرأً أسعدتَه لقد سَعِد
يا عمرو! ناشدتُك بالمسيحألا استمعت القول من فصيح
يُخبرُ عن قلبٍ له جريحباح بما يلقى من التبريح
يا عمرو! بالحق من اللاهوتوالرُّوح روح القُدسِ والناسوت
ذاك الذي في مَهدِهِ المنحوتعُوِّضَ بالنطق من السكوت
بحقِّ ناسوت ببطن مريمحل محلَّ الريق منهم في الفم
ثمَّ استحال في قنوم الأقدمفكلَّم الناس ولما يُفطم
بحق من بعد الممات قُمَّصاثوبًا على مِقدارِه ما قُصِّصا
وكان لله تقيًّا مُخلِصًايشفي ويُبري أكمهًا وأبرَصا
بحقِّ مُحيي صورة الطيوروباعث الموتى من القبور
ومَن إليه مرجع الأموريعلمُ ما في البر والبحور
بحقِّ ما في شامخ الصوامعمن ساجدٍ لربِّه وراكع
يبكي إذا ما نام كُل هاجِعِخوفًا إلى الله بدمعٍ هامِعِ
بحقِّ قوم حلقوا الرءوساوعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسامُشمعِلِينَ يعبدون عيسى
بحق مارت مريمٍ وبولسبحق شمعون الصفا وبطرُس
بحق دانيل بحق يونُسِبحق حَزْقيل وبيت المَقدسِ
ونينوى إذ قام يدعو ربهمُطَهِّرًا من كل سوء قلبه
ومُستقيلًا فأقال ذنبهونال من أبيه ما أحبَّه
بحق ما في قُلَّة المَيرونمن نافع الأدواء للمجنون
بحق ما يؤثر عن شمعونمن بركات الخُوصِ والزيتون
بحق أعياد الصليب الزُّهْرِوعيد شِمعُونَ وعيد الفِطرِ
وبالشعانين العظيم القدروعيد مرماري الرفيع الذكرِ
وعيد أشعيا وبالهياكلوالدُّخُنِ اللاتي بكفِّ الحامِلِ
يُشفَى بها من خبلِ كل خابلومن دخيل السُّقمِ في المفاصل
بحق سبعين مِن العبادقاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشادحتى اهتدى مَن لم يكُن بهادِ
بحق ثنتي عشرةٍ من الأممساروا إلى الأقطار يتلون الحِكَم
حتى إذا صُبح الدجى جلَّى الظُّلَمصاروا إلى الله وفازوا بالنعَم
بحقِّ ما في مُحكم الإنجيلمن مُحكَم التحريم والتحليل
وخبرٍ ذي نبأٍ جليلِيَرويه جيلٌ قد مضى عن جيلِ
بحقِّ مُرْقُس الشفيقِ الناصحِبحقِّ لوق ذي الفعال الصالح
بحق يوحنا الحليم الراجحوالشهداء بالفلا الصحاصِح
بحق معمودية الأرواحوالمذبح المشهور في النواحي
ومَن به مِن لابس الأمساحِوعابدٍ باكٍ ومن نوَّاحِ
بحق تقريبك في الآحادوشُربِكَ القهوة كالفِرصاد
وطولِ تبييضك للأكبادبما بعينَيك من السواد
بحق ما قُدِّس شعيا فيهبالحمد لله وبالتنزيه
بحقِّ نسطورٍ وما يرويهعن كلُّ ناموسٍ له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلموبعض أركان التُّقى والحِلمِ
لم يَنطِقا قطُّ بغير فَهمِموتُهُما كان حياة الخَصمِ
بحُرمة الأسقُف والمطرانوالجاثليقِ العالِمِ الربَّاني
والقس والشماس والديرانيوالبطرَكِ الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبلومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأُوَلوبالسليم المرتضى بما فعل
بُحرمةِ الأسقوفيا والبيرموما حوى مِغفرُ رأس مريم
بحرمة الصومِ الكبير الأعظموحقِّ كل بركةٍ ومَحرَمِ
بحقِّ يوم الذبح ذي الإشراقوليلةِ الميلاد والسُّلاقِ
والذهب المذهَّب للنفاقوالفصح يا مهذَّب الأخلاق
بكل قُدِّاس على قُدَّاسِقدَّسه القسُّ مع الشمَّاس
وقرَّبوا يوم الخميس الناسيوقدَّموا الكاس لكل حاسِ
ألا رغبتَ في رضا أديبباعَده الحُبُّ عن الحبيب
فذاب من شوقٍ إلى المذيبأعلى مُناهُ أيسرُ التقريب
فانظُر أميري في صلاح أمريمحتسِبًا فيَّ عظيم الأجر
مكتسبًا فيَّ جميل الشكرفي نثر ألفاظٍ، ونظم شعر
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع