من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
بشار يصف مجلس غناء
أخبرنا الجازري، حدَّثنا المعافى بن زكريا، حدَّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدَّثنا العباس بن الفضل الربعي، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: كان بالبصرة لرجل من آل سليمان بن عليَّ جاريةٌ، وكانت حسناء بارعة الظرف والجمال، وكان بشَّار بن برد صديقًا لمولاها ومداحًا له، فحضرَ مجلسَه، والجاريةُ تغنِّيهم، فشربَ مولاها وسكر ونام، ونهض للانصراف من كان بالحضرة، فقالت الجارية لبشار: أُحِبُّ أن تَذكُرَ مَجلِسَنا هذا في قصيدة وتُرسِلَها إليَّ على أن لا تذكُر فيها اسمي ولا اسم سيِّدي. فقال بشار، وبعَث بها مع رسوله إليها:
وذاتِ دَلٍّ كأن الشمس صُورَتُهاباتت تُغنِّي عميدَ القلبِ سكرَانَا
«إن العيونَ التي في طرفِها حَوَرٌقتلننا ثمَّ لا يُحيِينَ قَتلانا»
فقلت: أحسنتِ يا سؤلي ويا أمليفأسمعيني، جزاكِ الله إحسانا
«يا حبذا جَبَلُ الريَّان من جَبَلٍوحَبَّذا ساكِنُ الريَّان من كانا»
قالت: فهلا، فدتْك النفس أحسن منهذا لمن كان صبَّ القلب حَيرَانا
«يا قومُ أُذني لبعض الحي عاشِقَةٌوالأذنُ تعشَقُ قبل العين أحيانا»
فقلت: أحسنتِ! أنت الشمسُ طالعةًأضرَمتِ في القلبِ والأحشاء نِيرانَا
فأسمعينا غِناءً مُطرِبًا هَزَجًايزيدُ صَبًّا مُحِبًّا فيكِ أشجانا
«يا ليتَني كُنتُ تُفَّاحًا مُفَلَّجَةًأو كُنتُ من قُضُبِ الريحان ريحانا
حتى إذا وجَدت ريحي فأعجَبَهاونحنُ في خَلوَة مُثِّلتُ إنسانا»
فحرَّكت عودَها ثمَّ انثنت طَرَبًاتشدو به ثمَّ لا تُخفيه كِتمانًا
«أصبحتُ أطوع خَلقِ الله كُلهِمِلأكثرِ الخَلقِ لي في الحُبِّ عِصيانَا»
فقلت: أطربتِنا يا زين مجلسنافغنِّنا، أنت بالإحسانِ أولانا
فغنَّت الشَّرب صوتًا مُونَقًا رَمَلًايُذكي السرورَ ويُبكي العين ألوانًا
لا يَقتُل الله من دامت مودَّتهواللهُ يَقتُلُ أهلَ الغدرِ أحيانا
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع