تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

صخر العُقَيلي وزوجته وابنة عمه ليلى

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدَّثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدَّثنا محمد بن خلف المحولي، حدَّثنا أبو محمد التميمي عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني، أن رجلًا من بني عُقيل كان يُسمَّى صخرًا، وكانت له ابنةُ عمٍّ تُدعى ليلى، وكان بينهما وُدٌّ شديد، وحُبٌّ مبرِّحٌ، ولم يكن واحدٌ منها يفترُ عن صاحبه ساعة ولا يومًا، وكان لهما مكان يلتقيان فيه، ولليلى جارية تُبلغُ صخرًا رسائلها، وتبلغها عنه وتسعى بينهما، حتى طال ذلك منهما، وكانا يتحدَّثان في كلِّ ليلة، ثمَّ ينصرفان إلى منازلهما.

ثمَّ إن أبا صخر زوج صخرًا امرأةً من الأزد وصخرٌ لذلك كاره مخافة أن تَصرِمَه ليلى، فلما بلغَ ليلى خبرُه، قطعَتهُ وتركت إتيانَ المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فمرضَ صخرٌ مرضًا شديدًا، وكان قد أفشى سرَّه إلى ابن عمٍّ له، وكانوا يقولون: قد سَحَرَتهُ ليلى لما كان يصنعُ بنفسه. فكان ابن عمِّه يَحمله إلى ذلك المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فلا يزالُ يبكي على آثارها وعَهدِها حتى يُصبحَ، وابن عمه يُسعِفُه ثمَّ يَرُدُّه.

وكانت ليلى أشدَّ وجدًا به، وحُبًّا له منه لها، فأرسلت جاريتَها إليه، وقالت: اذهبي إلى مكاننا، فانظري هل ترينَ صخرًا هنالك، فإذا رأيتِه فقولي له:

تعسًا لمن لَغير ذنبٍ يَصرِمُقد كُنتَ يا صَخرُ زمانًا تزعُمُ:
أنَّك مشغوفٌ بنا مُتيَّمُفالحمدُ لله على ما يُنعِمُ
لما بدا منكَ لنا المُجمجَمُوالله ربِّي شاهِدٌ قَد يَعلَمُ
أن رُبَّ خِطبٍ شأنُهُ يُعظَّمُرَدَدتُهُ والأنفُ منه يرغَمُ

قال: فانطلقت الجارية، فإذا هي بصخر فأبلغته قولها: فوجدته كالشَّنِّ البالي قد هلك حُزنًا ووجدًا، فقال لها: يا حسنُ أحسني بي فعلًا، وأبيني لي عذرًا، وسلي لي غَفرًا وصُلحًا، فوالله ما ملكتُ أمري، وقولي لها:

فهمتُ الذي عيَّرْتِ يا خَيرَ مَن مشىوما كانَ عن رأيي وما كان عن أمري
دُعيتُ فلم أفعَل، وزُوِّجتُ كارِهًاوما ليَ ذنبٌ، فاقبَلي واضِحَ العُذرِ
فإن كنتُ قد سُمِّيَتُ صخرًا، فإننيلأَضعفُ عن حَملِ القليلِ من الصخرِ
ولستُ وربِّ البيتِ أبغي مُحدِّثًاسِواكِ ولو عِشنا إلى مُلتَقى الحَشرِ

فقالت له حُسن: يا صخر! إن كنتَ تزعُمُ أنك كارِهٌ تزويجَ أبيك إيَّاك، فاجعل أمرَ امرأتك بيدي لأُعلِمَ ليلى أنَّك لها مُحِبٌّ ولغيرِها قالٍ، وأنك كنتَ مُكرَهًا. فقال: لا! ولكن قد جعلتُ ذلك في يد ابنة عمِّي.

فانصرَفت إليها فأخبرتْها بما دارَ بينهما، وقالت: قد جعلَ الأمر إليكِ، وما عليه عتبٌ فطلِّقيها منه. قالت ليلى: هذا قبيح، ولكن عِديه الليلة إلى موضع مُتحدَّثِنا، ثمَّ أُطلِّقُ إن جَعَلَ أمرَها إليك، فإنه لم يكن ليَردَّك بحضرَتي.

فمضت الجارية، فأخذت موعده، فاجتمعا وتشاكيا وتعاتَبا، ثمَّ قالت له الجارية: اجعَل أمرَ أهلِك إليَّ، فوالله إن ليلى لأفضلُ بني عُقيلٍ نسبًا وأكرَمُهم أبًا وحسبًا، وإنها لأشدُّ لك حُبًّا، فقال صخر: فأمرُها في يدك. قالت: فهي طالقٌ منك ثلاثًا، فأظهرَت ليلى من ذلك جزعًا، وأن الذي فعلت جاريتُها شقَّ عليها. فتراجَعا إلى ما كانا عليه من اللقاء ولم يُظهر صخرٌ طلاق امرأته حتى قال له أبوه: يا صخر، ألا تَبني بأهلك؟ قال له: وكيف أبني بها وقد بانت مني عِصمتُها في يمينٍ حلفت بها؟! فأعلم أبوه أهل المرأة، وقالت المرأة تهجو ليلى وقومَها:

ألا أبلِغا عنِّي عُقَيلًا رِسَالَةًوما لعُقَيلٍ من حَيَاءٍ ولا فَضلِ
نساؤهمُ شرُّ النِّساءِ وأنتُمُكذلك، إن الفرع يَجري على الأصلِ
أما فيكُمُ حُرٌّ يَغارُ على اختهوما خيرُ حيٍّ لا يَغارُ على الأهلِ

قال: وهَجَتها ليلى، وتقاوَلتا حتى شاع خبرُهما، فأجمعوا على تزويج ليلى من صخر، لِما انكشفَ لهم من وجد كلِّ واحدٍ منهما بصاحبه، فزوَّجوها من صخر، فعاشا على أنعمِ حالٍ وأحسن مودة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.