تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

تفي لزوجها بعد موته

وأخبرنا الحسن بن علي، حدَّثنا محمد بن العباس، حدَّثنا محمد بن خلف، أخبرني أبو صالح الأزدي، عن إبراهيم بن عبد الواحد الزيدي، أخبرني البهلول بن عامر، حدَّثني سعيد بن عبد العزيز التَّنُوخِي، قال: كان الحسن بن سابور رجلًا له عقل ودين، فأُعجبَ بفتاةٍ من الحيِّ ذات عقلٍ ودين، قال: فأرسل إليها بهذه الأبيات:

فَدَيتُكِ هَل إلى وَصلٍ سَبيلوَهَلْ لكِ في شِفَا بَدَنٍ عَليلِ
فعندَكِ مُنيَتي وشِفاءُ سُقميفداويني، فديتُكِ مِن غَليلي

فلما وصَلَ الرسولُ إليها عذَلَته، وقالت: ما هذا؟ أوَيُكتَبُ إلى النساء بمثلِ هذا؟! وكتبت إليه كتابًا تُضَعِّفُ من رأيه وتُوبِّخُه وتأمُره بالكفِّ عن ذلك، وفيه:

ألا يا أيها النِّضوُ المُعنَّى!رُوَيدَك في الهَوَى رِفقًا قليلًا
لنا ربٌّ يُعذِّبُ مَن عصاهويُسكِنُ ذا التُّقى ظِلًّا ظليلًا

وكان موسِرًا، فضمن لها أنه يدفعُ إليها ماله. فقالت للرسول: لا حاجة لي في ذلك ولا إليه سبيل. قال: وكيف ذاك؟ قالت: ويحك إنِّي كنتُ عاهدتُ ابن عمِّي إن ماتَ أن لا أتزوَّجَ بعدَه؛ وذلك أنه نظرَ إليَّ يومًا نظرَةً أنكرتُها ودمَعت عيناه، وأنشأ يقول:

كأني بالترابِ يُهالُ طُرًّاعلى بَدَني وتندُبُني نِسايا
وأُصبحُ رَهنَ مُوحِشَةٍ دفينًاوبِنتُ وقُطِّعَتْ مِنكُم عُرَايا
ويَنساني الحبيبُ لفقدِ وَجهيويُحدِثُ مؤنِسًا أيضًا سِوايا

قالت: فقلت له: كأنَّك تُعرِّضُ بي؟ فقال: ومَن في العالم أخشى عليه هذا غيرُك؟ قالت: فأجبته، فقلت:

ألا طِبْ أيُّها المحزُونُ نَفسًافإني لا أخُونُكَ في وَدَادِي
ولا أبغي سِوَاكَ مَعي أنيسًاولا يَنحاشُ بَعدَكَ لي فؤادي

قالت: فقال لي: أوَتَفينَ بهذا لي؟ قالت: فقلت: إي والله لا أخونُك أبدًا، وحاشاك من قولك! فأنشأ يقول:

وإني لا أخُونُكِ بعد هذاولم أَنقُض على حَدَثٍ عُهُودي
ولا أبغي سواكِ الدَّهرَ إنِّيعليَّ بذاكَ شاهدَةٌ شُهُودي

قالت: فرضيتُ بذلك منه ورضيَ به منِّي، فعاجَلَته أقدارُ الله تعالى، فصار إليه، وما كنتُ لأنقُضَ عهده أبدًا، فقل لصاحبك أن يُقبِلَ على شأنه ويدعَ ذِكرَ ما لا يتم ولا يكونُ. قال: فرجعتُ إليه، فأخبرته ما قالت، وحدَّثته بالقصة فأمسك عنها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.