من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم أشأم من البسوس
هي البسوس بنت مِنْقَر الفُقيمية خالة جسّاس بن مرة قاتل كليب. وكان من حديث ذلك أنه كان للبسوس جار من جرم يقال له سعد بن أبي شُميْس، وكانت له ناقة يقال لها سراب. وكان كُليب بن ربيعة قد حمى أرضاً من أرض العالية في أُنُف الربيع، فلم يكن يرعاه أحد إلا إبل جسّاس بسبب الصهر بينهما، وذلك أن جليلة بنت مرة أخت جسّاس كانت تحت كُليب. فخرجت سراب ناقة الجرمي في إبل جسّاس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كُليب فأنكرها فرماها بسهم فاختلّ
ضرعها فولّت تَشْخَب دماً ولبناً حتى بركت بفناء صاحبها. فلما نظر إليها صرخ بالذل، فخرجت جارته البسوس فأقبلت حتى نظرت إلى الناقة. فلما رأت ما بها ضربت يدها على رأسها ونادت واذُلاّه. ثم أنشأت تقول وجسّاس يسمع:
لَعَمْرُك لو أَصْبَحْتَ في دار مِنْقَرٍلمَا ضِيمَ سَعْدٌ وهو جارٌ لأبياتِي
ولَكِنَّنِي أصبحتُ في دارِ غُرْبَةٍمَتَى يَعْدُ فيها الذِئبُ يَعْدُ على شاتِي
فيا سَعْدُ لا تَغْرُز بنفسك وارْتَحِلفإنك في قومٍ عن الجار أَمْواتِ
ودُونَك أَذْوادِي فإنَّيَ عَنْهُمُلَرَاحِلَةٌ لا يُفْقِدُوني بُنَيَّاتي
فلما سمع جسّاس قولها سكّنها وقال: أيتها المرأة ليقتلنَّ غداً جمل هو أعظم عقراً من ناقة جارك. ولم يزل جسّاس يتوقع غِرّة كليب حتى خرج كليب لا يخاف شيئاً. وكان إذا خرج تباعد في الحي، فبلغ جسّاساً خروجه، فخرج على فرسه وأخذ رمحه، واتبعه عمرو بن الحارث فلم يدركه حتى طعن كليباً فدقَّ صلبه ثم وقف عليه. فقال كليب: يا جسّاس أغِثني بشربةٍ من ماء. فقال جسّاس تركت الماء وراءك. وانصرف عنه. ولحقه عمرو فقال لعمروٍ أغِثني بشربة ماء فنزل إليه فأجهز عليه فقيل:
المُسْتَجِيرُ بعَمْروٍ عند كُرْبَتِهِكالمُسْتَجِيرِ من الرَّمْضِاءِ بالنَّارِ
وأقبل جسّاس يركض حتى هجم على قومه. فنظر أبوه إليه وركبته بادية. فقال لمن حوله: لقد أتاكم جسّاس بداهية. قالوا: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: لظهور ركبته، فإني لا أعلم أنها بدت قبل يومها. ثم قال: ما وراءك يا جسّاس. فقال: والله لقد طعنت طعنة لتجمعنَّ منها عجائز وائل رقصاً قال: وما هي ثكلتك أمك؟
قال: قتلتُ كُليباً. قال أبوه: بئس لعمر الله ما جنيت على قومك! قال جسّاس:
تَأَهَّب عَنْكَ أُهْبَة ذِي امْتِناعٍفإنَّ الأَمْرَ جَلّ عن التَلاحِي
فإنِّي قد جَنَيْتُ عليكَ حَرْباًتغصّ الشيخَ بالماءِ القَراحِ
فأجابه أبوه:
فَإنْ تَكُ قد جَنَيْتَ عَلَيَّ حَرْباًفلا وَانٍ ولاَ رَثّ السِّلاحِ
سأَلْبس ثَوْبَها وأَذُبُ عَنَّيبها يومَ المَذلَّةِ والفِضاحِ
ثم قوّضوا الأفنية وجمعوا النعم والخيل وأزمعوا الرحيل. وكان همّام بن مرة أخو جسّاس نديماً لمُهلهل بن ربيعة أخي كليب. فبعثوا جارية لهم إلى همّام لتُعلمه الخبر، وأمروها أن تُسرّه من مهلهل. فأتتهما الجارية وهما على شرابهما فسارَّت همّاماً بالذي كان من الأمر. فلما رأى ذلك المهلهل سأل همّاماً عما قالت الجارية، وكان بينهما عهدٌ ألا يكتم أحدهما صاحبه شيئاً. فقال له: أخبرتني الجارية أن أخي قتل أخاك. فقال مهلهل: أخوك أضيق استاً من ذلك. وسكت همّام. وأقبلا على شرابهما فجعل مهلهل: يشرب شرب الآمن وهمّام يشرب شرب الخائف، فلم تلبث الخمر مهلهلاً حتى صرعته، فانسل همّام فأتى قومه وقد تحملوا فتحمل معهم. وظهر أمر كليب. فلما أصبح مهلهل إذا هو بالنساء يصرخن على كليب. فقال: ما دهاكن؟ قلن العُظْمُ من الأمر، قتلَ جسّاس كليباً. ونشب الشر بين تغلب وبكر أربعين سنة كلها تكون لتغلب على بكر. وكان الحارث بن عباد البكري قد اعتزل القوم، فلما استحرَّ القتل في بكر. اجتمعوا إليه وقالوا: قد فني قومك. فأرسلَ إلى مهلهل ببُجير ابنه فقال له: قل أبو بُجير يقرئك السلام، ويقول لك قد علمت أني اعتزلت قومي لأنهم ظلموك وخليتك وإياهم، وقد أدركت وِتْرَك، فأنشدك الله في قومك.
فأتى بُجير مهلهلاً وهو في قومه فأبلغه الرسالة. فقال: ومن أنت يا غلام؟ قال: بجُير بن الحارث بن عباد فقتله. ثم قال: بُؤْ بشسع كُليب. فلما بلغ فعله الحارث قال:
قَرِّبا مَرْبِط النَّعامةِ مِنَّيلَقِحَتْ حَرْبُ وائلٍ عَنْ حِيالِ
لمَ أَكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللهُ وإنَّي بِحَرِّها اليومَ صَالِي
لاَ بُجَيْرٌ أغنَى فَتِيلاً ولا رهطُ كُليبٍ تَزَاجَرُوا عن ضَلالِ
ثم جمع قومه فالتقى هو وبنو تغلب على جبل يقال له قِضّة فقتلهم وهزمهم، ولم يقوموا لبكرٍ بعدها.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع