من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم حديث خرافة
هو رجل من عُذرة ذكر يزيد بن هارون عن عبد السلام بن صالح بن كثير قال: حدثنا ثابت البناني قال: كان رسول الله ﷺ يُحدث نساءه فقال في حديثه: إنه كان فيمن كان قبلكم رجل كانت له أمٌ، وكانت له امرأة لها أمٌ، فقالت له امرأته لا أرضى حتى تحوَّلني عن أمك. فحوّلها عنها فكان يتحدث إلى أمه من الليل، ثم يأتي امرأته. فلما رجع من عند أمه ذات ليلة أتى أمّه آتيان فقالا لها: أيتها المرأة هل عندك من منزل؟ هل عندك من عشاء؟ قالت: مرحباً بك ادخلا. قال: فقالا لها: ما هذه الأصوات التي تُسمَع حول بيتك؟ قال: وما حول بيتها من شيء غير أنها أرادت أن تؤنسهما، فقالت: هذه أصوات إبل لنا وشاءٍ. فقال أحدهما لصاحبه: أعطي مُتمنٍّ ما تمناه. قال: فغدا عليها ابنها فقال: يا أمّتاه ما هذا الذي أرى؟ فحدثته حديث الرجلين اللذين أتياها. فانطلق الرجل فحدث به امرأته فحدثت به المرأة أمها فقالت: لا والله. ولكنه نظر إلى المنزل الصالح فأَنزل به أمه، ونظر إلى المنزل السوَء فأنزلكِه، فقولي له: والله لا أرضى حتى تحولني عن منزل أمك، وتحول أمك إلى منزلي. فأتى أمه فحدثها. فقالت: نعم! يابني افعل. ففعل فأتاهما آتيان، للمرأة وأمها بعد رَقْدة من الليل، فقالا: هل من قرىً؟ هل لك من منزل؟ فقالتا لهما: لا. وراءكما. ما عندنا إلا حنظلاتٌ في سلتنا. فقالا: ما هذه الأصوات اللاتي حول بيتكما؟ قالتا: أصوات سباع وجنٍّ، لو قد ذهبتما دخلت علينا فأكلتنا. قال: فقال أحدهما: أُعْطِي مُتَمَنٍّ ما تمنى وإن كان شراً. فلما مضيا دخلت عليهما
السباع فأكلتهما. فقال نساء رسول الله ﷺ: يا رسول الله كأن هذا حديث خُرافة. فقال: إن خرافة كان رجلاً من عُذرة سَبَتْهُ الجنُّ فكان فيهم زماناً يسمع ويرى. ثم رجع إلى الناس فكان يحدثهم بما رأى في الجن من العجائب. فكان الناس إذا سمعوا حديثاً عَجباً قالوا: كأنّ هذا حديث خُرافة.
وذكر إسماعيل بن أبنٍ الورّاق قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكَّائي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن عبد الرحمن قال: سألت أبي عن حديث خرافة وعن كثرة ذكر الناس له، فقال: إن له حديثاً عجباً. ثم قال: بلغني أن عائشة قالت للنبي ﷺ: يا نبيّ الله حدثني بحديث خرافة. فقال النبي صلى عليه وسلم: رحم الله خرافة. إنه كان رجلاً صالحاً، وأنه أخبرني أنه خرج ذات ليلة في بعض حاجاته، فبينا هو يسير إذ لقيه ثلاثة نفرٍ من الجن فأسروه. أو قال: فَسَبَوهْ. فقال واحد منهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره إذ ورد عليهم رجل، فقال: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. قال: ما أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الجن أسرنا هذا، فنحن نتشاور في أمره. فقال: إن حدثتكم بحديث عجَبٍ فهل تشركونني فيه؟ قالوا: نعم. قال: إني كنت رجلاً من الله بخير، وكانت لله علي نِعمة فزالت وركبني دين، فخرجت هارباً. فبينا أنا أسير إذ أصابني عطش شديد فصرت إلى بئر، فنزلت لأشرب فصاح بي صائح من البئر: مَهْ. فخرجتُ ولم أشرب. فغلبني العطش فعدتُ. فصاح مَهْ: فخرجت ولم أشرب. ثم عدت الثالثة فشربت ولم ألتفت إلى الصوت، فقال قائل من البئر: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها رجلاً. فإذا أنا امرأة. فأتيت مدينة قد سمَّاها، نسي زيادٌ اسمها، فتزوجني رجل فولدت له ولدين. ثم إن نفسي تاقت إلى الرجوع إلى منزلي وبلدي، فمررت بالبئر التي شربت منها فنزلت لأشرب، فصاح بي كما صاح في المرة الأولى فلم ألتفت إلى الصوت وشربتُ. فقال: اللهم إن كان رجلاً فحوّله امرأة، وإن كانت امرأة فحوّلها
رجلاً، فعدت رجلاً كما كنت. فأتيت المدينة التي أنا منها فتزوجت امرأةً فولدت لي ولدين، فلي ابنان من ظهري وابنان من بطني. فقالوا: سبحان الله إن هذا لَعَجَب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون فيه إذ ورد عليهم ثورٌ يطير، فلما جاوزهم إذا رجلٌ بيده خشبة يُحْضر في أثره، فلما رآهم وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ فردوا عليه مثل مردّهم على الأول. فقال: إن حدثتكم أعجب من هذا أتشركوني فيه؟ قالوا: نعم. قال: كان لي عمٌ وكان موسراً، وكانت له ابنة جميلة. وكُنا سبعة أخوة. فخطبها رجل، وكان له عِجلٌ يُربيه. فأفلت العجل ونحن عنده، فقال: أيكم ردَّه فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه واتزرتُ ثم أحضرت في أثره وأنا غلام، وقد شِبتُ، فلا أنا ألحقه ولا هو ينكُل. فقالوا: سبحان الله إن هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم رجل على فرسٍ له أنثى، وغلام له على فرس رائع فسلّم كما سلّم صاحباه وسأل كسؤالهما. فردوا عليه كمردِّهم على صاحبيه. فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أتشركونني فيه؟ قالوا: نعم. فهات حديثك. قال: كانت لي أمّ خبيثة، ثم قال للفرس الأنثى التي تحته أَكَذاكِ هو؟ فقالت برأسها: نعم. وكنا نتهمها بهذا العبد، وأشار إلى الفرس الذي تحت غلامه، ثم قال للفرس أكذاك؟ فقال: برأسه. نعم. فوجهت غلامي هذا الراكب على الفرس ذات يوم في بعض حاجاتي فحبسته عندها. فأغفى فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجُرذٍ قد خرج، فقالت له: امخُر فمَخَر، ثم قالت اكْرُر
فكَرَر. ثم قالت ازرع فزرع، ثم قالت: احصد فحصد. ثم قالت: دُس فداس. ثم دعت برَحى فطحنت بها قدح سَويق. فانتبه الغلام فَزعاً مُروّعاً. فقالت له: ائْتِ بهذا مولاك فاسقه إياه. فأتى غلامي فحدثني بما كان منها، وقصّ عليّ القصة. فاحتلت لهما جميعاً حتى سقيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أَكذاك؟ فقالا برأسيهما: نعم. فقالوا: يا سبحان الله إن هذا أعجب شيء سمعناه! أنت شريكنا فيه. فأجمعوا رأيهم فأعتقوا خُرافة. فأتى النبي ﷺ فأخبره بهذا الخبر.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع