من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم
قَدْ قِيلَ ذلك إِنَّ حَقَّاً وإِنْ كَذِباًفما اعْتِذارُك من شَيْءٍ إِذَا قِيلاَ
أول من قال ذلك فيما زعم بن الكلبي النعمان بن المنذر. وكان من حديثه أنّ وفْدَ بني عامر قدموا النعمان بن المنذر في بعض حوائجهم، ومعهم لبيد بن ربيعة غُلاماً صغيراً فخلّفوه في رحالهم ودخلوا على النعمان، فوجدوا الربيع بن زياد العبسي عنده. فجعل الربيع يحزأ بهم ويسخر منهم، فغاظهم ذلك ورجعوا إلى رحالهم فوضعوا غداءهم. فقال بعضهم لبعض: ما رأيتم ما لقينا من أخي بني عبس؟! فاستفظعوا ذلك. فقال لهم لبيد: إذا دخلتم غداً على النعمان فأدخلوني معكم. قالوا: أو عندك خير؟ قال: سترون. فانطلقوا به معهم. فاستأذنوا على النعمان فأذن لهم
والربيع مع النعمان يأكل تمراً وزُبداً. فقال لبيد: أبيتَ اللعن. إن رأيت أن تأذن لي في الكلام؟ فأذن له فأنشد:
مَهْلاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ لا تَأْكُلْ مَعَهْإِنَّ اسْتُهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
وَإِنَّهُ يُدْخِلُ فيها إِصْبَعَهْيُدْخِلُها حتى يُوَاري أَشْجَعَهْ
كأنَّما يَطْلُبُ شيئاً ضَيَّعَهْ
فأفّف النعمان ورفع يده. وقال: كُفّ. ويلك يا ربيع! إني أحسبك كما ذكر. قال: لا. والذي يصلح الملك ما أنا كذلك. إن الغلام لكاذب. فأْذّن لي فأرحل رِكابي. فأذن له. فقام الربيع مُغضَباً وهو يقول:
لَئِنْ رَحَلْتُ رِكابي إِنَّ لي سَعَةٍما مِثْلُها سَعَةٌ عَرْضاً ولا طُولاَ
ولو جَمَعْتَ بني لَخْمٍ بِأَسْرِهِمُلم يَعْدِلُوا رِيشَةً من ريش قِتميلا
ويروى شمويلا. فأجابه النعمان:
سجّح بِرَحْلِكَ عَنَّي حيث شِئْتَ ولاتُكْثِرْ عَلَيَّ ودَعْ عنك الأَبَاطِيلا
فقد رُمِيتَ بداءٍ لستَ غاسِلَهُما جَاوَرَ النِّيلَ يوماً أهلهُ النيلا
قَدْ قِيلَ ذلك إِنْ حَقّاً وإِنْ كَذِباًفما اعتذارُك من شَيْءٍ إذا قِيلا
فذهبت الكلمة مثلاً.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع