من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم الحمى أضرعتني للنوم
أول من قال ذلك رجلٌ من كلب يقال له مرينُ، وكان له أخوان أكبر منه يقال لهما مرارة ومرة. وكان مرين لصا مغيرا يقال له الذئب. فخرج مرارة يتصيد في جبل لهم يقال له أبلى، فاختطفه الجن، وبلغ أهله خبره فانطلق مرة في أثره، حتى إذا كان بذلك الموضع اختُطف، وكان مرينٌ غائباً. فلما قدم بلغه الخبر فأقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسل حتى يطلب بأخويه. فتنكب قوسه وأخذ أسهماً ثم انطلق إلى ذلك الجبل الذي هلك فيه أخواه، فمكث فيه سبعة أيام لا يرى شيئاً.
حتى إذا كان في اليوم الثامن إذا هو بظليمٍ فرماه فأصابه، واستقل الظليم حتى وقع بأسفل الجبل، فلما وجبت الشمس بصر بشخصٍ قائمٍ على صخرة يُنادى:
يا أيها الرامي الظليمِ الأسودِتبَّت مراميكَ التي لم تُرشدِ
فأجابه مرين:
يا أيها الهاتفُ فوقَ الصخرةْكمْ عبرةٍ هيَّجتَها وعبرَهْ
بقتلِكم مرارةً ومرَّةْفرَّقتَ جمعاً وتركتَ حسْرَةْ
فتوارى الجِنَّى عنه هوياً من الليل. وأصابت مريناً حمى فغلبته عينه، فأتاه
الجِنَّى فاحتمله، وقال له: ما أنامك وقد كنت حذراً، فقال: الحمى أضرعتني للنوم. فذهبت مثلاً. ثم أتى به حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح خلَّى سبيله فقال مُرينٌ:
ألا من مبلغ فتيانَ قوميبما لاقيتُ بعدَهم جميعاً
بأني قد وردتُ بني حبيوعانيتُ المخاوفَ والفظيعا
غزوتُ الجنَّ أطلبُهم بثأرىلأسقيهم به سمَّا نقيعا
تعرَّض لي ظليمٌ بعد سبعٍفأرميه فأتركه صريعا
وكنتُ إذا القروم تعاورَتْنِيجريَ الصدرِ مُعتزماً منيعاً
بنى لي معشرِي وجدود صدقٍبذروةِ شامخٍ بيتا رفيعاً
وعزَّا ثابتاً وظلالَ مجدٍترى شُمَّ الجبالِ له خضوعاً
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع