تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم أعط القوس باريها

أي رد الأمر إلى العالم به. ويقال إن أول من قال ذلك الحطيئة.

وكان في حديثه أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يغدى الناس، فأكل أكلاً جافياً. فلما فرغ الناس من الطعام وخرجوا ثبت مكانه. فأتاه الحاجب

ليخرجه فامتنع وقال: أترغب بهم عن مجالستي؟ فلما سمع سعيد ذلك قال: دعه.

وتذكروا الشعراء والشعر. فقال لهم: ما اصبتم جيد الشعر ولا شاعر الشعراء.

ولو أعطيتم القوس باريها وفقتم على ما تريدون! فقال له سعيد: وهل عندك من ذلك علم؟ قال: نعم: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:

لا أعدُّ الإقتارِ عدماً ولكنْفقدُ منْ قدْ رزينته الإعدامُ
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، من قصيدة «منع النوم ماوي التهمام»

ثم أنشده إياها حتى أتى عليها. قال: فمن يقولها؟ قال: أبو دؤاد الإيادي. قال: ثم من؟ قال: ثم الذي يقول:

أدركِ بما شئتَ فقد يدرك بالضضعفِ وقد يخدعُ الأريبُ

ثم أنشدها حتى أتى على آخرها. قال: ومن يقول هذه؟ قال عبيد بن الأبرص.

وفي حديث آخر أنه قال حيث سئل الذي يقول:

فجاءتْ كتيتَ المشيِ هيَّابةَ السُّرىيدافعُ ركناها جواريَ أربعا
يزجَّينها مشىَ النَّزيفِ وقد جرىصبابُ الكرى في متنها فتقطَّعا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «جزعت ولم أجزع من البين مجزع»

قال: ومن يقول ذلك؟ قال: امرؤ القيس. قال: ثم من؟ قال: والله حسبك بي عند رغبة أو رهبة، إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادر! قال: ومن أنت؟ قال الحطيئة. فرحب به سعيد وقال: أسأت بكتمانك نفسك، وقد علمت شوقنا إليك وإلى حديثك! ثم وصله وكساه. فقال يمدحه:

لعمري لقد أمسى على الأمرِ سائسٌبصيرٌ بما ضرَّ العدوَّ أريبُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لعمري لقد أمسى على الأمر سائس»
جريءٌ على ما يكرهُ المرءُ صدرهوللفاحشاتِ المنديات هيوبُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لعمري لقد أمسى على الأمر سائس»
سعيدٌ فلا يغررك خفَّةُ لحمهتخدَّد عنهُ اللَّحمُ وهو صليبُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لَعَمْرِي لقد أَمْسَى على الأَمْرِ سَائِسٌ»

فقال الناس: أعط القوس باريها.

والمنديات: التي تلحق بالإنسان شراً أو عاراً.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.