تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

القيد والغُل

قال الفرزدق يمدح هشاما وهو محبوس:

وما قمت هتى همّ من كان مسلماليلبس مسدَّى وثياب الأعاجم
وضاق فراعا بالحياة وقطعتحواملَه عضّ العَذارى الأوازم

يقول هم من كان مسلما أن يرتد عن الإسلام ويتمجس مما يلقون من الخراج، ومسودى يعني الطيالسة والبرنكانات، حوامل يديه يعني عصبهما الذي تحملان به، والعذارى الجوامع، أي يعذّبون في الخراج بالجوامع والدهق. وقال آخر:

ولي مسمِعان وزَمّاةوظلّ مديد وحصن أمقّ

هذا مسجون، والمسمعان القيدان، والزمارة الغل. وقال آخر:

ولي مسمِعان فأدنا همايغنّي ويمسك في الحالك
وأقصاهما ناظر في السماء عمدا وأوسخ منِ عارِك

أحد المسمعين قيده والآخر الذي يضرب بالجرس، والعارك الحائض. وقال المرار:

أنت رهين بالحجاز محالفيجون سرى دهم المطئيّ وما يسري

يعني القيد. وقال الفرزدق في يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج

رأيت ابن دينار يزيدَ رمى بهإلى الشأم يوم العنز والله شاغله
بعذراء لم تنكح خليلا ومن تلجذراعيه تخذل معد ساعديه أنامله
وثقت له يالخزى لما رأيتهعلى البغل معد ولا ثِقالا فَراز له

يوم العنز أراد حتفه كما قال:

وكنت كعنز السوء قامت لحتفهاإلى مدية مدفونة تستشيرها

وعذراء جامعة وفراز له كبوله.

وقال آخر:

وقالوا رَبوض ضخمة في جِرانهواسمر من جلد الذراعين مقغَل

الربوض هاهنا السلسلة وأصل الربوض الشجرة الضخمة، والجران هاهنا العنق، وأسمر يعني غلا وكانوا يغلون بالقِد ولذلكِ قيل غل قيل لأن الشَعر يكون عليه فربما قمل الغل، مقفل يابس وقد أقفله الصوم إذا أيبسه، وخيل قوافل أي ضوامر يُبّس. وقال الفرزدق وذكر زيادا

أخاف زيادا أن يكون عطاؤهأداهم سودا أو محدرجة سمرا

يعني بالأداهم القيود وبالمحدرجة السياط. وقال الراعي:

وأزهر سخىّ نفسه عن تِلادهحنايا حديد مغفل وسوارقه
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا عجبا للدهر شتى طرائقه»

أزهر رجل أبيض أسرناه فسخت نفسه عن تلادة، وحنايا ما عطف من حديد عليه وأوثق به، وسوارقه يعني الأقفال وأراد أنه فدى نفسه. وقال عدى بن زيد للنعمان:

جاءني من لديه مروان إذ قفيت عنه بخير ما أحداني
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
بإفال عشرين قحمها الصعب بحسن الإخاء والخُلاّن
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
لاصفا يادُهم فأسنمها الرِسل ولا جلة قطيع هجان

الإفال هاهنا القيود، قحمها أدخل بعضها في بعض، ويقال قحمها في رجله. وكان النعمان يسمى الصعب لصعوبته في ملكه، بحسن الإخاء أي فعل ذلك مكافأة لمسن الإخاء ومكافأة للخلان - يهزأ به، أي كانت تلك مكافأته لي بإحساني. وقال خالد: بل أراد بالأفال صغار الإبل، قحمها الصعب وهو رجل يسوقها، ومن ذهب هذا المذهب أراد أن عديا استقل ما بعث به ولم يرض. آخر كتاب الوعيد والبيان وغير ذلك.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الوعيد والبيان والخطابة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.