من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الأبيات في الوعيد
قال نافع بن لقيط الفقعسي:
إربِط حمارَكَ إنه مستنفرفي إثرِ أحمر عمدنَ لغرّبِ
يروى: أزجر حمارك، ومعناه كف نفسك عن أذى قومك لا تطمحن إليهم بالأذى فانك قد عيرت في شتمهم كما يعير الحمار عن مربط أهله يتبع حماراً.
أعطيكَ ذمةَ والديّ كليهمالأذَرّفنْكَ الموتَ إن لم تهرب
ولأحملنكَ إلى نهابرٍ إن تثبَفيها وإن كنتَ المنهِّت تعطب
لأذرفنك الموت أي لأشرفن بك عليه، ويقال ذرف على الأربعين، والمنهِت الأسد، والنهابر من الرمل واحدها نهبور وهو المشرف منه. وقال عبد اللَه بن عَنمة:
أزجر حماركَ لا يرتع بروضتناإذأ يردّ وقيد العَير مكروب
هذا مثل، يقول: رد شرك عنا لا تعرض لنا وإلا تفعل يرجع إليك أمرك مضيقاً عليك، والمكروب المضيّق. وقال أبو المثلم:
أعام بن عجلان مقصورةًبغيريَ من شِبعٍ عرِّض
يريد عامر بن عجلان أقتصر بالحديث عليك لا أبلغها الحي أجمعين، والمقصورة رسالة، وإذا شبعت فعرض بغيري.
فإن الذي يُتّقى شرّهكما تتّقى النار بالمِركضِ
الأصمعي: ما سبقه بالمركض أحد، قال: وليس المركض بشيء وليس هو باسم، والركض الرفع وأراد به عوداً تحرك به النار.
متى ما أشأ غير زَهوِ الملوكِ أجعَلْكَ رهطاً على حُيّضِ
الرهط أديم سيورا دقاقاً ويترك أعلاه لا يقد تأتزر به النساء والصبيان، أي يقدرك الناس مما أظهر منك وليس هذا مني زهواً
وأكحلكَ بالصاب أو بالجلاءِففقّح بعينيكَ أو غَمِّض
الصاب شجر له لبن يحرق العين إذا أصابها قطرة منه، والجلاء كحل يجلو العين يحك على حجر ثم يكتحل به، وهذا مثل أراد أنه يأتيك من قبلي شيء يحرقك ففقّح عينيك أو أغمض أي أنكران شئت أو تغافل فإني لا أجيئك إلا بما تعرف، ويقال للجرو أول ما يفتح عينيه قد فقّح، يقول فتهيأ لها مني.
وأسعطْكَ في الأنفِ ماءَ الأباءِ مما يثمّلُ المِخوضِ
الاباء القصب ويقال الأباء هاهنا الذي تشرب منه الأروى فتبول فيه وتدمنه، ويثمل ينقع وقد فسد واستنقع.
جهلّتَ سعوطكَ حتى ظننتَ أن قد أرِضتَ ولم تؤرَض
أي جهلت ما صنعت بك حتى ظننت أن بك زكمة وإنما ذا مما وضعت برأسك، والأرض الركام. وقال رؤبة:
يا أيها الكاسر عيْن الأغضَنوالقائل الأقوال ما لم يلقني
هرّق على خمرك أو تبيّنبأي دلو إن غرفنا تستني
إن صحّ في أوفر حقن المحقنفالسبّ تخريق الأديم الألخن
هرق على خمرك أي أقبل على لهوك وباطلك، يقول إن فاخرتني فبم تفاخرني. ومثله للفضل بن عباس اللهبي:
من يساجلني يساجل ماجِدايملأ الدلَو إلى عقدِ الكَرَبِ
إن صح يقول إن تم أي إن اجتمع في أسقية وفرما تحقن وأحقن تبين أيّنا أكرم، والمحقن الذي يحقن فيه، واللخَن النتن يريد من
سابّ خرقّ جلده ولخن. ونحوه قول العجاج:
والشوق شاج للعيون الحُذّل
يقول هو الذي حذّلها وأبكاها وكذلك السب هو الذي ألخن الأديم وخرقه. وقال رؤبة:
ودَغْية من خَطلٍ مغدَودِنٍقربان مَلكٍ أو شريفِ المعدنِ
قامَتْ به شدّاكُ بعد الأوهنِبدرءِ همّاز دروء الضَيزنِ
الدغية الكلمة القبيحة، والخطل المضطرب، مغدودن مسترخ، قربان ملك أي من خاصة ملك كريم المغرس، شدّاك خصلتك التي هي أشد وهي فُعلى، بدرء أي يدفع، والضيزن الذي يضارّك. وقال:
والملغ يلكى بالكلامِ الأملَغِلولا دَبوقاءِ استهِ لم يبدَغِ
الملغ النذل، يلكى يلهج يقال لكيت بدنس أي لزقت به والدبوقاء الدبق ودبوقاء الاست العذرة، يقول لولا خرؤه لم يتلطخ يقال بدغ الرجل في خرئه إذا تلطخ به. وقال:
فابهز بي المدره والزعماوذا عضاضٍ يعدل الظَلوما
ابهز بي يقول القُه بي من قولك رجل مبهوز، والزعيم في
هذا الموضع، المتكلم وفي غيره الكفيل.
يعتقم الأجدالَ والخصومابشُطسيِّ يفهمُ التفهيما
الشطَسيِ المارد المتكبر من الرجال.
ويَعتقي بالكلمِ التكليماممتنعَ العقميّ أو عقيما
أذللت من قَسوتيِ التحريما
يعتقي يعتاق مقلوب، يقال: اعتاقه واعتقاه، يريد يعتاق بكلم منه التكليم الذي كلمه به خصمه، والعقميّ من اعتقام البئر كأنه يأتيه من عرض أو عقيما يعني الداهية، قسوتي صعوبتي، والتحريم يقال بعير محرّم إذا لم يمسه حبل ولم يذلّل. وقال المرقش:
أبلغ المنذِرَ المنقّبَ عنيغير مستعتبِ ولا مستعينِ
لا ت هنا وليتني طرفَ الزجِّوأهلي بالشَأم ذَاتَ القرونِ
المنقب المستقصي في الطلب، لات هنا أي ليس هذا وقت إرادتك، والزج موضع، وقوله بالشأم ذات القرون لأن الروم كانوا بالشأم وأراد قرون شعورهم كأنه قال بالشأم ذات العدوّ، وليتني في بلاد العدو.
وقال امرؤ القيس:
أقصر إليكَ من الوعيدِ فإننيمما ألاقي لا أشدّ حزامي
أي قد جربت حتى لا احتاج أن اتشدد للاشياء ولا أتحزم لها. وقال الزبرقان بن بدر:
ألم أكُ باذلاً ودّي ونَصريوأصرف عنكم ذربي ولَغبي
ذرَبي حدة لساني، ولغبي سيء كلامي وأصله رديء الريش. وقال أوس:
أقولُ بما صبّتْ على عما يتيوأمري وفي حبلِ العشيرة أحطمب
يقول أقول بما جربت وما علمت مما مضى من دهري وهو مثل. وقال جرير:
إني إذا الشاعرُ المغرورُ حرّبنيجار لقبرٍ على مرّانِ مرموسِ
حربني أغضبني يعني قبر تميم، يقول أنا جار لتميم ممن يهجوها أذب عنهم الشعراء. وقال عنترة:
سيأتيكما عني وإن كنت نائيأدخانَ العلندَي دون بيتي مذود
يقال أن العلندي جبل لم ير إلا وعليه كالدخان، ويقال العلندي شجر له دخان كثير إذا أوقد به وهذا من قولك: لأثيرن عليكم شرا يبلغ دخانه السماء - أي يأتيكم من هجائي شيء له دخان كدخان العلندي، مذود يذود عنه ويدافع.
قصائذ من قيل امرىء يحتديكُموأنتم بِجسمَى فارتدوا وتقلدّوا
بيّن ذلك الدخان فقال قصائد، يحتديكم يتعمدكم بها، فارتدوا هذا الهجاء وتقلدوا، كما قال الآخر أبو ذؤيب:
لخبِرّت أنا نحتدي الحمد إنماتكلّفه من النفوسِ خيارها
ومثل قول الأول:
سأكسوكما يا ابن يزيد بن جعشمٍرداءيْن من قارٍ ومن قِطرانِ
اذا لُبسا زاداً على اللبسِ جدّةولم يبلَ وَشى منهما لِأوانِ
وقال أوس:
وما أنا إلا مستعد كما ترىأخو شرَكيّ الورد غير معتمِ
شركي الورد سريع يقال لطمه لطما شركيا أي متتابعا، يريد أنه ورد في إثر ورد ومعنى الورد أنه أغشاهم ما يكرهون، يقال لا يزال فلان يتوردنا بالشر، معتِم محتبس، قيل لأعرابي: ما قمر أربع؟ فقال عتمة ربع، أي قدر ما يحتبس في عشائه، وقوله:
على حينِ أن جد الذكاءِ وادركَتْقريحةَ حسى من شريح معمِمِ
الذكاء السن، يقال فرس مذكّ إذا كان قد أسن، والقريحة أول ما يخرج من البئر، واقتراح القول ابتداؤه، ومنه اقترحْ عليّ ما شئت وشريح ابنه، أي بعد ما أسننت وادرك ابني وقال الشعر، وضرب الحسى مثلا للشعر. وقال الشماخ:
نبئتُ أن ربيعاً أن رعى إبلاًيهدي إلىّ خناه ثاني الجِيد
فان كرهتَ هجائي فاجتنبْ سخطَيلا يعقلنّكَ إفراعي وتصعيدي
أن رعى إبلا أي استغنى وصار له مال، ثاني الجيد أي رخى البال غير مكترث لذلك، وإفراعي هاهنا انحداري وهذا حرف من الأضداد، يقال أفرع في الجبل صد وأفرع منه إنحدر. وقال آخر في الصعود وهو رجل من العبلات:
إني امروء من يمانٍ حين تنسبنيوفي أميةٍ إفراعي وتصويبي
وقال آخر:
إني لأشقى الناس إن كنتَ غارماًضمان التي يسقي بها نخلُ مَلهمُ
عبد الرحمن عن عمه قال: يقول إن كنت كلما عقرت سانية
ضمنتها فإني شقي. وقال غيره: أراد جريرة القصيدة يتغنى بها الساقي نخل ملَهم وذلك انه رمى بشيء فانتفى منه، كما قال ابن أحمر:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةًبه جربّ عدّت عليَّ بزوبرا
يعني الداهية. وقال النابغة للنعمان بن جبلة:
ولولا أبو الشقراء ما زال ماتحيعالج خطّافاً بإحدى الجرائرِ
الجرائر جمع جريرة، يعني ما ينشد إذا استقى، وكان بعضهم يجعله من غير هذا، يقول: لولا أبو الشقراء وأنه أعتق أسراءنا ما زال رجل منا قد أسرته قوم فهو يستقي لهم، والجرائر في هذا التفسير جع جرور وهي البئر البعيدة القعر. وقال الأعشى:
وإن عتاقَ الطيرِ سوف يزورثناءً على أعجازهُنَ معلّقُ
به تنفض الأحلاس والديكُ نائموتعقَد أطراف الحبالِ وتطلقُ
يعني أنهم إذا رحلوا وحطوا تمثلوا بهذه القصيدة. وقال المسيب:
إني امرؤ مهدِ بغيب تحيةِإلى ابن الجلنديّ فارس الخيلَ جيفر
بها تنفض الأحلاس والديَكُ نائمَإلى مسنفاتِ آخر الليلِ ضمّر
يقول إذا رحلوا إبلهم وحطوا عنها تمثلوا بهذه القصيدة وأنشدوها. وقال آخر:
سأرفع قولاً للحصيْن ومالكِتطيرُ به الغربان سطرَ المواسمِ
وتروي به الهيم الظماء وَيطّيبأمثالها الغاوون سجع الحمائم
الغربان غربان الابل واحدها غرابة وهو مقعد الراكب، شطر أي نحو وتروي به الهيم الظماء يريد أنه يتغنى بهذا القول إذا سقيت. وقال جرير:
رفع المطي بما وسمتُ مجاشعاًوالزنبريّ يعوم ذو الأجلالِ
الزنبري العظام من السفن، والأجلال الشرع، يقول غنى بهجائي لهم في البحر والبر. وقال زهير:
فإن الشعرَ ليس له مردّإذا وَرَدَ المياء به التِجار
يقول إذا استقوا الماء تمثلوا به وترنموا. وقال:
سيأتي آلُ حصنٍ حيث كانوامن المذلاتِ باقيةً ثناءُ
أصل المذَل القلق أي كلام لا يستقر بمكان واحد ولكنه يسير على
ألسنة الرجال، باقية نصب على الحال. وقال المسيب بن علس:
فلأهديّنَ مع الرياح قصيدةًمني مغلغلةً إلى القعقاع
مع الرياح أي تذهب كال مذهب كما تأخذ الرياح في كل وجه أي يتحملها الناس ويحسنها. وقال الكميت وذكر قصيدة له:
فتلكَ إليكَ تقدبم مذهباتٍبها يترنم الوله الطروبُ
فلا الرجزاءُ تعجز عن قيامولا ذاتُ العقال ولا العتوبُ
ولكن كل نابئةٍ خَروجًمن الأمثال والطلُق المنيبُ
يقول هذه القصائد ليست كالرجزاء ولا كالظالع ولا العتوب، وهو الذي يعتب على يد واحدة: والنابئة التي تخرج من أرض إلى أرض، ويروى: ولكن كل آبية، وهي التي تأبى أن يقال مثلها، والطلق التي لا عقال لها، ويقال ان المنيب أول الابل الماضي على وجهه في الصدر من أناب. وقال يذكر قصائده:
غرائبٌ يدعونّ الرواة كأنمارشَونهم والراكبَ المتغردّا
تعلّظ أقواماً بميسم بارقوتفطم أوباشاً حميلاً ومُسنداً
يقول يطلبها الناس حتى يرووها من حسنها فكأنَها رشتهم
والعلاط سمة في العنق بمنزلة القلادة، والمسند الدعى، والحميل الذي يحمل من بلاده صغيراً. وقال خداش بن زهير:
كذبتُ عليكم أوعدوني وعلّلوابي الأرض والأقوام قُردان مِوظَبا
كذبت عليكم إغراء أي عليكم بي، ومثله لمعقر بن حمار البارقي:
وذبيانية أوصت بنيهابأن كذبَ القراطفِ والقُروفِ
عليكم بها، أوعدوني من الوعيد وتغنوا بشتمي وعللوا به السفْر
إذا مِقنَب منكم تقيَّل قَيلةثنى رجل الأخرى عليّ فشبّبا
المقنب من الخيل ما بين خمسة عشر إلى ثلاثين، يقول إذا سوى من اللبن استلقى ووضع رجلا على رجل وتغنى بهجائي، وشبب فيه، والقيل شرب نصف النهار. وقال الراعي:
تغنى ليبلغني خنزروكل ابن مومسةٍ أخزرُ
قياماً يوارون عوراتِهمبشتمى وعوراتهم أظهرُ
أي تغني بشتمي، يريدون أن يغطوا على أنفسهم بشتمي وعوراتهم أظهر لأنهم إذا شتموني شتموا أنفسهم بذلك يعني قومه. وقال القطامي:
وطال ما ذبّ عني سائرٍ شرُديصبحنَ فوق لسان الراكب العادي
فاسألُ نزاراً فقد كانت تنازلنيبالنصفِ من بين إسخان وإبرادِ
سائر يعني شعرا يسير في الناس ووحّد على اللفظ لأنه أراد الشعر ومعنى الشعر جميع ولذلك قال شرد، والنصف الإنصاف، وإسخان وإبراد شر وخير، يقال أسخنت له الحرب وأبردت له السلم. وقال ابن أحمر وذكر امرأة:
إذا عرضتُ منها بنجدٍ تحيةًفان لها أخرى تخبّ بمَوسِم
يقول إذا قلت فيها قصيدة أمتدحها بها فبلغت نجدا فإني قائل أخرى فتسير حتى تروى بالموسم. وقال الراعي:
وقلتُ له إن تدلَج الليلَ لاتزلأمامكَ بيت من بيوتي عائر
أي بيت هجاء سائر. وقال بشر:
إذا ما شئتَ نالكَ هاجراتيولم يُعمَل إليكَ بهن ساقي
الهاجرات الكلام القبيح، يقال أهجر في منطقه، يقول يأتيك الهجاء من غير أن آتيك به لأنه يسير. وقال جرير:
وأطلعتُ القصائد طَود سَلَمىوجدّع صاحبي شُعَبَي انتقامي
سلمى أحد جبلي طيء، وإطلاعه إياه القصائد أنه هجا الأعور النبهاني، وصاحبا شعبي رجلان هجاهما، وشعبي موضع. وقال الشماخ:
لولا ابن عفانٍ والسلطانُ مرتقَبأوردت فجّا من اللّعباءَ جُلمودي
مرتقب محاذر، واللعباء أرض لبني سليم وكان بها أعداؤه، وجلموده يريد الهجاء.
وقال راشد بن شهاب:
بذمً يغشى المرء خزياً ورَهطهلدى السرحةِ العشياء في ظِلّها الأدَم
السرحة شجرة كانت بعكاظ يجتمعون عندها ويتحدثون في ظلها وكان الأدم يباع تحتها، ويروى العشواء وهي الكثيفة الظل التي لا يبصر فيها لشدة سواد الظل. وقال الأخطل:
وما يبقى على الأيامِ إلابنات الدهرِ والكلم العقورُ
بنات الدهر أحداثه وصروفه، والكلم العقور الهجاء. وقال ابن مقبل:
بني عامر ما تأمرون بشاعرٍتخيرّ بابات الكتاب هجائيا
وعندي الدُهَيم لوأحلُ عقالهافتصعد لم تعدم من الَجن حاديا
بابات سطور واحدها بابة، والدهيم الداهية والأصل ناقة حمل عليها رؤوس إخوة قتلوا فضربت مثلا في الشر فأراد أن الجن تحدو القوافي كأنها تسوقها إلى الشاعر. وقال عنتر:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمٍأم هل عرفَتْ الدارُ بعد توهّمِ
غادر ترك، متردم مترقع مستصلَح يقال ردمت ثيابي ولدمتها
وأصلحتها، ويقال ثوب مردَمّ إذا سد خلله بالرقاع، وهذا كقولك هل ترك الأول للآخر شيئاً؟ أي هل ترك الشعراء شيئاً ينظر فيه، ويروى مترنم أي متغنى فيه. وقال النابغة:
يصّد الشاعرُ الثنيان عنيصدود البَكرِ عن قَوم هجانَ
والثنيان الذي يعد ثانياً من الشعراء ويقال هو الشاعر ابن الشاعر يقول لا يقوى على مهاجاتي كما لا يطيق البكر القرمَ فيصدّ عنه. وقال الأعشى:
أبا مِسمع أقصر فإن غريبةمتى تأتكم تلحق بها أخواتها
غريبة قصيدة هجاء. وقال الكميت يذكر قصيدة:
فدونكموها آلُ كلبٍ فإنهاغرائب ليست بانتحالٍ ولاخُشب
الأخشب من القداح الذي لم تتم صنعته جعله مثلا. وقال الراعي للأخطل:
أبا مالكٍ لا تنطق الشعرَ بعدهاوأعطِ القياد عثَمت على كسرِ
العثم أن ينكسر العظم فينجبر على عقد، يريد انا قتلنا قومك.
وقال بعض الشعراء لعمرو بن معدي كرب وكان عمرو هجاه.
ليس النزول يسيراً إن همَمْت بهولست منها على غُنمٍ وإحرازِ
أي ليس نزولك عن الخطة التي أحملك عليها من الهجاء يسيراً ولست من مهاجاتي على غنيمة تحورزها.
فإن أبيتَ وشر الغَيَ غنيمة أطولهفإنَّ عِرضكَ من عرضِ امرئ جازى
جاز قاض، فلما بلغ البيت عمراً قال: صدق لا أهجوه أبداً. وقال أبو النجم:
ينصرني الله ومن شاءَ نصربمنطقٍ كأنه الصخر الأصر
إذا تعيا المتعيّون انحدَر
الأصرفي صوته إذا ضُرب صوّت، يقول إذا عيّ الشعراء انحدر شعري. وقال الطرماح:
أتهجو من روى جزعاً واؤماًكساقي الليل من كدرٍ وصافى
تنخّل ما استطعتُ فإن حربيتلقح بالقصائدِ عن كشافِ
يقول تترك من يقول الشعر فلا تهجو وتهجو من رواه لغيره جزعاً منك ولؤماً - ثم شبه رواية الشعر من غير أن يقوله بهذا الذي يسقى بالليل ولا يدري أصاف ما يسقي أم كدر، ثم قال: تنحل أنت
الشعر فإن قصائدي تأتيك تترى، ثم ضرب الكَشوف مثلا ويقال للناقة إذا حمل عليها في سنتين متواليتين كشوف وهو أن يحمل عليها في دم نتاجها. وقال يذكر الشعراء:
ويؤديهم عليّ فتاءِ سنىحَنَانَكَ ربنا يا فا الجَنان
سيعلم كلهم أني مسنإذا رفعتْ عِنانا عن عنانِ
يؤديهم يعينهم، فتاء سني حداثتي، حنانك رحمتك يا ذا الرحمة، أي إذا رفعت الخيل سبقا بعد سبق وشوطاً بعد شوط. وقال العجاج:
وشاعرٌ آلى بجهدٍ المقسمِليعضدنَّ باطلى وأضمي
أي ليقطعن لعبي وجدي، والأضم شدة الغضب.
كما تمنى مارث في مَفطَمِوقد رأى دوني من تهجّمي
المارث الذي يمضغ على دردره أي أصول أسنانه يريد الصبي ومفطم فطام.
أم الربيقِ والأرَيقِ الأزنَمفلم يلثْ شيطانه تنهّمي
أي رأى دوني داهية، يقال، جاء بأم الربيق على أريق، والأزنم ذو الزَنمة فلم يلث لم يحبس، والتنهم الزجر.
مختتئاً لشيّئان مِرجم
المختتئ المنكسر المستخذي، والشيئان البعيد النظر، والمرجم
الشديد العدْو. وقال طرفة:
وقرّبتُ بالقربى وجدّكَ إننيمتى يك أمر للنكيثة أشهدُ
وقربت بالقربى أدللت بالقرابة، والنكيثة الأمر يبلغ فيه أقصى المجهود من النفس، يقول متى يحدث مثل هذا أشهده، يقال بلغت نكيثة البعير إذا جهدته.
بلا حدَثٍ أحدثته وكمحدثٍهجائي وقذفي بالشكاة ومطرَدى
المعنى بلا حدث كان منى هجاؤه لي وقذفه بالشكاة، وقوله كمحدث أي من أتى ذلك إليّ فهو كمحدث، ويقال أراد فعل ذلك بي بلا حدث أحدثته وكمحدث من فعل ذلك به، أي قد استويا في الهجاء والشكاة. وقال أبو دواد: وأتاني تقحيم كعب لي المنطق إن النكيثة الإقدام في نظام ما كنت فيه فلا يحزنك قول، لكل حسناء ذام التقحيم الكلام بعضه في أثر بعض كأنه هجاه، وكعب هو كعب ابن مامة وكان بلغه عنه ماكره، والنكيثة بلوغ الأمر منتهاه، في نظام أي في نظام من الكلام، والذام والذيم العيب. وقال طرفة:
سأحلب عيساً صحن سم فأبتغيبه جيرتي حتى يجَلّوا لي الخمر
الصحن الإناء القصير الجدار، والعيس ماء الفحل وهو سم قاتل، وهذا مثل يقول: أقول فيهم شعراً يكون بمنزلة هذا حتى يخبروني بجليّة الأمر، والخمَر ما واراك من شيء. وقال:
إن امرء أسرِف الفؤاد يرىعَسلاً بماءِ سحابة شَتمِي
سرف الفؤاد أي خطيء الفواد والسرف الخطاء، الأصمعي قال: قال لي أبو خيرة أردتكم فسِرفتكم، وأنشد لجرير يمدح بني أمية:
أعطوا هنيدةَ يحدوها ثمانيةٌما في عطائهم مَنْ ولا سرَف
أي يضعون العطاء موضعه لا يخطئون. وقال جرير:
جبيت جبَى عبد فأصبحت موردّاغرائب يلقى صعبةً من يذودها
الجبي جمع الماء في الحوض حتى ترده الإبل فتشرب، يقول جبيت أي جمعت في حوضك ماء لا يروى واردتك، وهذا مثل يريد أنك لم تغن فيما عبأتَ لي وكان الذي أوردته من إبلك غرائب من الشعر، ويروى ضيعة أي شغلاً وعملاً، يذودها يدفعها. وقال:
وأوقدت نارى بالحديدِ فأصبحتلها وهج يصلى بها الله من يصلى
أي أوقدت ناري بمياسم الشعر، وهذا مثل.
وقال الفرزدق لجرير:
أتعدل دارما ببني كليبٍوتعدل بالمفقئة الِسبابا
المفقئة أشعاره وهي قوله:
غلبتك بالمفقىء والمعنّىوبيت المحتى والخافقات
وقوله:
ولستَ ولو فقأت عينيْكَ واجداأبالك إن عدّ المساعي
والمعنّى قوله:
فإنكَ إذ تسعى لتدرك دارمالأنتَ المعنّى يا جريرَ المكلفِ
وقال طرفة:
إني وجدّك ما هجْوتكَ والأنصاب يسفح بينهنَ دم
ولقد هممت بذاكَ إذ حسبتوأمرّ دون عبيدةِ الوَذَم
أقسم بالأنصاب، وعبيدة بن العبد أخو طرفة وكانوا أغاروا على إبله فذهبوا بها وبه معها، والوذم السير يشد به طرف العرقوة إلى عروة الدلو، وهذا مثل للشيء إذا فات، ويقضي دونك لا تستأمر فيه ولا تستشار.
إن الطرمّاح يهجوني لأرفَعَةأيهات أيهات عِيلت دونه القُضبُ
عيلت ارتفعت كما تعول الفريضة، وكما يعول الميزانْ إذا شال، والقضُب المقتَضبة واحدها قضيب. وقالت ليلى الأخيلية:
كأنْ فتى الفتيانِ توبةً لم يرضَقضيباً ولم يمسحْ بنُقبة مجرِبُ
قضيب قصيدة مقتضبة أو خطبة لم يقل أحد مثلها قبله، يقال قضيب ناقة صعبة يركبها لطلب الغزل، ولم يمسح بنقبة مجرب أي لم
يشف ذا داء من دائه، وقال القِطران:
أنا القِطرانُ والشعراءُ جربىذو صولةٍ ترمَى بي المدالِث
هايثني حركني المحرك، والمدالث جع مندلث وهو الذي يرمي بنفسه يتقدم، قال الأصمعي سمعت عيسى بن عمر يقول: إبل مغاليم جمع مغتلم. وقال يصف شعره:
ما كان تحبيرُ اليماني البرّاديرجو وإن داخل كل وصّادِ
نسجى ونسجى مجرهِدّ الجُدّادِ
يقول ما كان ناسج البرود يحوك أحسن من شعري ولا يرجو ذلك، ولم يقل الأصمعي في: داخل كا وصاد - شيئاً، الزيادي: يقال وصد الوشي إذا بالغ فيه، والجداد الهدب فظن رؤبة أنه من عمل النساج فقال مجرهد الجداد، والمجرهد السريع الماضي. آخر:
وبيت بعلياءِ الفلاةِ بنيتهبأسمرٍ مشقوقٍ الخياشيم يرعَفُ
يعني بيت شعر، والأسمر القلم. وقال آخر ووصف القلم:
عجبت لذي سنين في الماءنبته له أثر في كلِ مِصرٍ ومَعمر
لقد نقيم إذا الخصًوم تنافدواأحلامهم صعر الخصيم المجنفِ
حتى يظَّلَ كأنه متثبّتُبركوحٍ أمغرذي حيود مشرفِ
المجنف الذي جاء بالجنف كما تقول: خبيث مخبث أي جاء بالخبث، والصغر الميل، والخصيم الخصم، تنافدوا أحلامهم أي ذهبت أحلامهم، حتى يظل كأنه متثبت أي متمسك مخافة أن يخطيء، برُكح جبل مخافة أن يسقط، والركح ناحية الجبل، والأمغر الأَحمر، والريود جوانب حروف الجبل الواحد رَيد. وقال رؤبة وذكر كلاما:
لو كان خَرزا في الكلى ما بَضّا
أو لو كان هذا الكلام خرزا لكان محكما لا يبض منه قطرة. وقال الفرزدق:
وما خاصَمَ الأقوامُ من ذي خصومةٍكورهاءٍ مشنوءٍ اليها حليلُها
تراها إذا اصطّكَ الخصومُ كأنماترى رفقةً من ساعةِ تستحيلُها
يقول هي طامحة الطرف عن زوجها لا تنظر إليه من بغضه كأنها تنظر إلى رفقة من بعد تستحيلها، يقال استحل الشخصَ أي انظراليه هل يزول. وقال رؤبة يذكر المرأة:
لما ازدرت نقدي وقلت إبليتألقت واتصلت بعكل
خِطبى وهزت رأسها تستبلىتسألني من السنين كم لي
فقلت لو عمرت الحسلأو عمر نوح زمن الفطَحل
كنت رَهين هرَم أو قتل
تألقت تغيرت وتلونت، اتصلت بعُكل اعتزت إليهم، وخطب الرجل المرأة يتزوجها، وهزت رأسها تهزأ به، تستبلي تختبر وتنظر ما عندي - من بلوت، والفطحل يقول أنه زمن كانت الحجارة رطبة. وقال أبو النجم:
تؤنسه دائرة لا تغزععند اللقاء وخطيب مِقصَع
دائرة رأسه لا يقشعر وذلك يعني نفسه، والمصقع الماضي في خطبته غير العي.
وقال الحطيئة:
أم من لخصم مضجعين قِسيّهمصعر خدودهم عظام المفخَر
أي قد أضجعوا قسيهم وتوَكأوا عليها فهم يخطبون. وقال لبيد يذكر قوما وفاخرهم:
غلب تشذّر بالذحول كأنهاجن البدىّ رواسيا أقدامها
أي يذكرون ما كان منهم ويقال تشذرت الناقة إذا لقحت فرفعت ذنبها واستكبرت، يريد أنه ينتصب بعضهم لبعض بالذحول أي من أجل الذحول، يقال فلان يتشذر لي بالعداوة، والبدي واد، رواسيا ثابتة. وقال لبيد:
نشين صحاح البيد كل عشيةبعوج السراء عند باب محجّب
أي عند باب ملك، نشين صحاح البيد أي نحفر فنشينها وذلك أنهم يفتخرون ويخطفون بقسيهم فيقولون فعلنا كذا ويخطّون وفعلنا كذا ويخطون بالقسى.
وأصدرتهم شتىّ كأن قسيهمقرون صِوار ساقط متلغّب
يقول هم لا يحركون قسيهم ويخطون بها لأنهم لا أيام لهم قد انقطع ما عددوا منها وبقيت أعدد فهم كصوار سقطت معيِية فهي لا تحرك قرونها. ومثله قول الآخر:
إذا اقتسم الناس فضل الفخارِأملنا إلى الأرض فضل العصا
أي نخطط بها ونقول فعلنا كذا وفعلنا كذا. وقال لبيد:
ما إن أهاب إذا السرادق غَمهقرعُ القسى وأرعشى الرعديد
أي كثر عليه، وهؤلاء قوم يدخلون على ملك متنكبين قسيهم فقسيهم تغرع السرادق، والرعديد الجبان. وقال حيد بن ثور:
بمنزلة لا يصدق الصواب عندهامن النبل إلا الجيدْ المتلقّف
الذي يتلقف من جودته وضرب النبل مثلا للكلام أي لا يجوز فيها إلا كلام رجل نحرير، والصوب القصد. ومثله للبيد:
فرميت القوم رشقا صائباليس بالعُصل ولابالمفتعَل
الرشق الوجه يقال رميت رشقا أو رشقين، ليس بالعصل أي بالمعوجّة يقال سهم أعصل وناب أعصل أي معوج، ولا بالمفتعل أي ولم يعمل مما تعمل منه السهام، وذكّره لأنه إلى لفظ الرشق وإنما أراد السهام ومعناه الكلام شبهه بالسهام. وقبل هذا البيت:
إذا دعتني عامر أنصرهافالتقي الألسن كالنَبل الدول
أي التي تُتداول. وقال آخر:
ولا يعيبك عرقوب للأيإذا لم يعطك النصف الخصيم
عرقوب حيلة. وقال بعض الرجاز:
إذا حبا قُف له تعرقبا
أي عدل عنه والنوى للأي أي لالتواء خصم عليك. وقال البعيث:
نعز بنجدٍ كل من لقط الحصىونعلو رؤوسَ الناسِ عند المواسمِ
لقط الحصا أن يقول: لنا يوم كذا ويلقطَ حصاة ويوم كذا ويلقط حصاة. وقال حكيم بن معَية:
إني إذا ما طارتْ الزنابزولقّحتْ أيديها عَواسرُ
يعني رفع أيدي القوم عند الخصومة. ومثله للعجاج في رفع اليد:
لغد كفى قرضى بنيك العَسرا
أي أن تعسر عليهم الأيدي بالسياط فيضربوا. وقال القلاخ
وأوخفت أيدي الخصوم الغسلا
أي قلبوها في الجدال كما يوخف الخطمى باليد. ومثله للراعي وذكر عريفا:
نسي الأمانةَ من مخافةِ لقّحشمس تركن بضيعةٍ مجزولا
لقح أيد ترتفع عليه بالسياط شبهها بأذناب الابل اللواقح شمس صفة للابل الحوامل لا للايدي.
وقال النابغة:
وقد عسرت من دونهم بأكّفِهمبنو عامر عسر المخاضِ الموانعِ
يقول اتقتهم بنو عامر بأيديها كما تتقي المخاض الفحل بأذنابها. وقال آخر:
تلقَح أيديهم كأن زبيبَهمزبيب الفحولِ الصيد ِوهي تلمّجُ
تلقح أيديهم يعني أنهم يشيرون إذا اكلموا وأصل التلقح في الناقة إذا شالت ذنبها تريك أنها لاقح. وقال ذو الرمة:
إذا قلت عاجِ أو تغنّيت أبرقَتْبمثل الخوافي لاقحاً أو تلقّحَ
الزبيب الزبد الذي مجتمع في الاشداق إذا تكلم فأكثر، يقال قد زبب شدقاه.
وقال آخر أبو الحجناء:
إني إذا ما زبّب الأشداقوكثر الضَجاج والَلقلاقُ
ثبت الجنان مرجم ودق
ومنه قول الجارية: كنت أنشد أبي حتى يزبب شدقاي، شبه ذلك من هؤلاء المتكلمين بما مجتمع في أشداق الفحول الصيد وهي التي ترفع رؤوسها، والصيد داء يصيب الابل فترفع، وهي تلمّج أي تأكل اليسير ومنه يقال: ما ذقت لَماجا، وقول لبيد:
يلمّج البارض لمجاً في الندىفي مرابيع رياض ورِجَل
وقال أبو خراش:
تخاصَمَ قوما لا تلفّى جوابُهموقد أخذتْ من أنفِ لحيتكَ اليدُ
يقول ندمت على ما ضيعت، ومن عمل النادم العبث بلحِيته قال أبو عمرو أي كبرت فطالت وأنت لا تعقل، وأنف اللحية مقدمها. وقال آخر أبو النجم:
وقد أقود بالدوىَ الملزمّلِأخرس في الركب بقَق المنزلِ
الدوى الرجل الأحمق والبقاق الكثير الحديث، تقول: بققت له أي أخرجت له ما في نفسي، ويقال بق الغيث عبابه أي أخرج ما فيه، يقول فهذا الرجل ساكت في السفر لا يتحدث ولا يؤنس وهو في منزله كثير الحديث، وهذا مما يعاب به. وقال ابن أحمر وذكر كلمة:
ليست بمشتمةٍ تعدّ وعفوهاعرَق السقاءِ على القعودِ اللاغبِ
قال الأصمعي: العرب تقول لقيت من فلان عرق القربة يعنون الشدة، وقال هذا: عرق السقاء أراد القربة فلم يمكنه الشعر، والمعنى أنه يسمع الكلمة تغيظ وليست بشتم فيأخذ صاحبها بها وقد أبلغت
إليه كعرق السقاء على القعود اللاغب، وقال أبو عبيدة: وهذا المعنى يشبه ما كان الفراء يحكيه أنهم كانوا يتزودون الماء في المفاوز فيعلقونه على الابل يتناوبونه فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر وكان الفراء يجعل هذا التفسير في عَلق القربة. وقال المرار الفقعسي:
لنا مساجد ونعّمروهاوفي المنابرِ قعدانُ لنا ذُلل
قعدان جمع قعود، شبه مجلسه على المنبر بالبعير يقتعده. وقال أبو داود:
وأتانا تقحيمُ كعبٍ لي المنطق إن النكيثةَ الإقدام
في نظامٍ ما كنتُ فيه فلا ب يحزنكَ قول لكل حسناءِ ذام
التقحيم الكلام بعضه في إثر بعض كأنه هجاه، وكعب هو كعب ابن مامة وكان بلغه عنه ما يكره، والنكيثة بلوغ الأمر يقال بلغت نكيثة البعير إذا جهدته في السير، وقال طرفة:
وقربت بالقربى وجدّك إننيومتى يك أمر للنكيثة أشهد
ويروى: الاقحام، في نظام، أي في نظام من القول، والذام والذيم العيب. وقال طرفة:
وتضد عنك مخيلة الرجل العريض موضحة عن العظم
بحسامِ سيفِكَ او لسانكَ والكلم الاصيل كأرغب الكَلْمِ
الكلم جمع كلمة والكلْم الجرح وأرغب أوسع، وهو مثل قول امريء القيس:
ولو عنْ نثا غيره جاءنيوجرحُ اللسانِ كجرحِ اليدِ
والعريض المتعرض للشر، والمخيلة الخيلاء، موضحة شبحه توضح عن العظم. وقال النابغة:
يصدّ الشاعرُ الثنيان عنيصدودَ البَكر عن قرم هجانِ
أثرت الغي ثم نزعتُ عنهكما حاد الأزَب عن الطعانِ
الثنيان الذي يعد ثانيا من الشعراء ويقال هو الشاعر ابن الشاعر يقول لا يقوى على مهاجاتي كما لا يطيق البكر القرم فيصد عنه، أثرت الغي أي هيجت الشر ثم تركته، كما حاد الأزبّ وهو الكثير وبر الحاجبين والعينين، والطعان حبل يشد به الهودج وقال:
وأي الناسِ اغدر من شآمله صردان منطلق اللسانِ
الصُرَدان عرقان يكتنفان اللسان، وقال شآم لأن النابغة كان بالشأم. وقال الكميت:
ولو جّهزث قافية شروداًلقد دخلت بيوتَ الأشعرينا
ولارتحلتَ مّن العريان نضواًغنياً عن رحالةٍ منطفِينا؟
يريد العريان بن الهيثم وكان على شرط الحجاج، لارتحلت القافية من هذا الرجل أي لركبتْ منه بعيرا نضوا وكان غنيا أن يركب حتى يدبر ظهره - شبهه ببعير دبر إذ هجاه.
وأنشد الأصمعي:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهمكمزوِ الدبا في العرفج المتقاربِ
يريد أن كلامهم عجلة. ونحو منه قول آخر:
كأن بني رألانِ إذ جاء جمعهمفراريج يلقي بينهنَ سويقُ
شبههم بذلك لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم. وقال ابن أحمر:
ولم أختلس بين الشقاشقِ حجةًوقد وَقعَتْ بالقرِ إلا تلاقيا
يريد شقاشق الخطباء شبه ذلك بشقشقة البعير وقد وقعت الحجة بمستقرها، أي لا تدرك بعد وقوعها.
وقال ذو الرمة يهجو قوما
كأن أباها نهشل أو كأنهملشقشقةٍ من رهطِ قيسٍ بن عاصمِ
الشقشقة أصله الذي يخرجه البعير من لهاته فضربه مثلا أي كأنهم للخطباء من رهط قيس بن عاصم. وقال ابن أحمر يصف خطيبا:
إذا نفرجتْ عنه سمادير حلقةٍوبردان من ذاك الخلاج المسهمِ
أتانا طموحُ الرأسِ عاصبٌ رأسَهفمن لكً من امرِ العماسِ الملوّمِ
السمادير الغشى وممن اكتنفه من الناس، والخلاج ضرب من البرود يشبه الوشى، أتانا رافع رأسه من الكبر، والعماس الذي لا يتجه له ولبابه، والملوّم الذي لا يزال يأتي بما يلام عليه. وقال الراعي:
وخصمٌ غضاب ينفضونَ لحاهمكنفضِ البراذين الغِراث المخاليا
هذا مثل قول الأعشى:
أتاني كريم ينفضُ الرأسَ مغضباً
وقال زهير:
وذي نعمة تممتَها وشكرتُهاوخصم يكادُ يغلب الحق باطِلَه
دففتُ بمعروفٍ من القولِ صائبٍإذا ما أضّل القائلين مفاصله
هذا من قولهم فلان يصيب المفصل إذا أصاب المقطع. وقال الحارث بن حلزة:
إرمي بمثلِه جالَت الجنّفاْبت لخصمها الأجلاء
نسبه إلى إرم عاد في قدم ملكه، وقيل في حلمه، جالت كاشفت وهو فاعلت من المجالاة وهي المكاشفة، والجن دهاة الناس وأبطالهم، يقال: ما هو إلا جني إذا كان عاقلا بطلا، يقول بمثل عمرو بن هند كاشفت الدهاة الناس فرجعوا وقد فلج خصمهم على من خاصمهم، والأجلاء جمع ممدود وهو الأمر الواضح البارز. قال آخر:
شيخ لنا كاللَيث من باقي إرم
وقال ابن مقبل:
وكنا إذا ما الخصمُ ذو الضغنِ هرَّناقد عنا الجموح واختلعنا المعذرا
المعذر سن الفرس الذي عليه العذار والفرس إذا خلع عذاره لا يعدو وهذا مثل أي نقطع الخصم، ومثله له.
وخلعي عذار الخطيب اللسن
وقال آخر الدبيري:
أو رجل عن حقهم منافد
أي يخامم حتى ينفد حجة صاحبه ويبقى هو.
وقال آخر:
ومَنطق خُرِّقَ بالعَواسلِلذّكَوشي اليمنة المراجل
قال الأصمعي: هذا مثل قول الآخر وهو عامر بن جوَين الطائي ويروى لأبي قردودة.
يا جفنةً كازاء الحوضِ قد هدمواومنطقاً مثلَ وشي اليمنة الحبره
أي قتل صاحبها فكفئت. وقال عمرو بن الإطنابة:
فإنكم وما ترجونَ شطريمن القولِ المرغّي والصريح
شطري نحوي، والمرغي أصله في اللبن وهو الذي عليه الرغوة، والصريح الخالص جعلهما مثلا للقول المستور المعرض به، والقول الظاهر المكشوف. وقال النابغة:
أتاكَ بقولٍ لهله النسجِ كاذباولم يأتكَ الحقَ الذي هو ساطع
ويروى: هلهل، يقال لهله الثوب وهلهله إذا ارقه، ومنه سمي المهلهل لأنه أول من هلهل الشعر أي أرقه، ويروى: الذي هو ناصع. وقال ابن أحمر:
إذا جاءَ منهم قافل بصحيفةٍيكون عناءَ ماينبق عانيا
وتعرفُ في عنوانِها بعضَ لحنِهاوفي جوفها صمعاء تبلي النواصِيا
قافل راجع، ينبّق يسطر. قال الأصمعي في قول امرىء القيس.
وحدَثَ بأنْ زالتْ بليل حمولهمكنخل من الأعراضِ غير منبقِ
قال ليس على سطر واحد، وعناء عان مثل موت مائت، وعنوانها ما ظهر من قولها، ومنه عنوان الكتاب أي ظاهره، ولحنها قصدها من قول الله ﷿ " ولتعرفهم في لحن القول "، وفي جوف الصحيفة صمعاء أي داهية، تبلي النواصي أي تشيبها.
وقال ابن أحمر وذكر نساء:
تعاورْنَ الحديثَ وطبّقتهكما طبقتَ بالنعلِ المثالا
طبقته أصابت مفصله وعينه، يقال قطعه طوابيق أي مفصلا مفصلا. وقال المرار:
أنا الخزَمي حلخلّي الناس بينيوبين الهدر بذخا أو بليعا
يقول عرفوا فضلي فخلوا بيني وبين ما أفتخر به، بذخا عاليا من المجد، والبليع من الكلام ما فتح به الفم وسوّغه قائله لم ينازع فيه. وقال العجاج:
بمنطقٍ لو أنني أسبنيحيات هضبٍ جئنَ أو لوانيّ
أرقى به الأروى دنوْن مني
أسنّى أسهل وأرفق كأنه يفتح، يقال ظل يسنّي فلانا حتى أدرك حاجته. وقال العجاج أيضاً:
فقلت قولاً ليس بالمشاخسِوالجِد مضّا على التغامسِ
المشاخس المختلف يقال تشاخس أمر بني فلان أي اختلف. َ ومنه قول الطرماح:
وشاخس فاه الدهر حتى كأنهمنمّس ثيران الكريصِ الضوائنِ
أي خالف بين أسنانه، والتغامس التعامي والتغافل، يقول الجد من القول يمضي وان تعاميت. وقال عدي بن زيد يذكر منازعا له.
أطحطحه حتى أضل حخيفهويسرعُ فيه النافذاتُ البواضعا
أطحطحه أرمي به فأذهبه، والجخيف الكبر والعظمة، أبو عمرو: الجخيف الصخَب يقال جخف علينا أي فخر، والبواضع التي تبضع لحمه أي تقطعه.
فكيفَ ترونَ السعي أسأر قِيلهعلى نقبِ الوجوه سواد براقعا
السعي في المجد أبقى القيل به أي الافتخار، يقول ترك قولي على وجوهكم براقع سودا.
أراهم بحمد الله بعد جخيفِهمغرابهم اذ مسّه الفَتر واقعا
قال يكون الرجل كثير الصخب ثم يفتر فيقال قد فتر غرابه ووقع غرابه.
وقال كثير يمدح رجلا:
ولكن بلوا في الجدِ منكَ ضريبةبعيداً ثراها مسمهراً وجينها
إذا جاوزوا معروفها أسلمتُهمإلى غمرة لا ينظر العَومَ نونها
ضريبة طبيعة، بعيدا ثراها ضربه يقول إنك بعيد الغور، والمسمهر الغليظ الصلب، والوجين ما غلظ من الارض، إذا جاوزوا معروفها معروف الطبيعة أي تركوا المقاربة وقعوا في غمرة من الماء يهلك فيها النون وهو السمكة، والعوم السباحة. وقال يمدح:
له عهد ودٍ لم يكذَّبْ يزيّنهردَي قول معروفٍ حديثٍ ومزمنِ
ردى قول معروف زيادة قول، يقال أردي وأربي عليه، ومنه قول الحطيئة:
تضمنها بنات الفحل عنهمفأعطوها وما بَلغَتْ رداها
وقال كثيّر لعمر بن عبد العزيز وذكر أباه:
ذكرتُ عطاياه وليستْ بحجةٍعليكَ ولكن حجة لك فاتْن
يقول: عطايا أبيك ليست توجب عليك أن تعطيني مثلها ولكنها حجة لك إن فاخرت، فاتّن إفتعل من ثنيّت أي بدأ هو فكن أنت ثانيا. وقال له:
له في شيمتانِ منهما أنَسيّةووحشيةٌ إغراقها النهي معجلُ
فراعهما منه فانهما لهوانهما منه نجاةٌ ومحفل
أنسية ووحشية واحدة تؤنس وأخرى يستوحش منها وهو كقولك حلو ومر، إغراقها من أغرقت في الأمر، والنهي الزجر عن الشيء والنهي عنه، والنجاة مثل النجوة وهو الموضع المرتفع الذي لا يبلغه السيل، والمحفل مجرى السيل، يقول فيهما عطب وسلامة. وقال:
حليم كريم ذو أناةٍ وأربةٍبصير إذا ما كفة الحبل جرّت
الأربة العقدة، والكفة كفة الصَائد وهو حبل يديره، يقول هو بصير إذا خودع ونصب له ليختل مثل الحبالة التي تنصب للصيد.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع