من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الداهية والخطة
قال امرؤ القيس:
بدّلتْ من وائل وكندةٍ عدوان وفهما صَمّي ابنةَ الجبلِ
يقال للداهية صمّي صَمامِ مثل نظارِ وحذار. وقال ابن أحمر:
فردوا ما لديكم من ركابيولما تأتِكم صمِّي صمامِ
وقد اختلف في أصل هذا الحرف فقال الأصمعي: بنت الجبل الصدى ويقال إذا دعي على رجل بهلكة " صم صداه ". وقال أبو عبيدة: بنت الجبل هي الحصاة ويقال في المثل: صَمتْ حصاة بدم، وذلك إذا اشتدت الحرب وتفاقم الأمر كأنه كثر الدم حتى إذا وقعت فيه حصاة لم يُسمع لها صوت. وقال آخر بنت الجبل الحية الصماء التي لا تجيب الراقي وذلك أنها تكون في الجبل يقال لها: صمِّي صَمام - أي لا تجيبي، ثم شبهت الداهية بها. وقال الكميت:
إيّاكم إيّاكم وملمّةًيقولُ لها الكانون صَمّي إبنة الجبلِ
الكانون الذين يكنون عنها. وقال أيضاً وذكر داهية:
إذا لقي السفير بها وقالالها صمّي ابنةَ الجبلِ السفير
وقال سويد ابن كراع وذكر إبلا:
إذا عَرَضتْ داويةَ مدلهمةًوعرّد حاديها فرَين بها فلقا
الفلق الداهية ويقال فلان يفري الفرى إذا كان يعمل عملا محكماً، ويروى: عملن بها فلقا. وقال الشمماخ:
ومرتبةٌ لا يستقال بها الردىتلافى بها حلمى عن الجهلِ حاجز
وعوجاءُ مِجذام وامر صربمةتركَمت بها الشك الذي هو عاجز
مرتبة منزلة من ردِي فيها لم يستقل ذلك، تلافى تدارك حلمي أن أجهل، حاجز من نفسي، عوجاء خصلة عوجاء، مجذام مقطاع لا ينظَر صاحبها أن ينظر فيها إذا وقعت ولكنها تنجذم ولا تستقال وأمر صريمة يعني عزبمة، يقال ليست لفلان صربمة، والصرم القطع يقول رب أمر هكذا ليس له إلا أن يُصرَم تركت الشك فيه وعزمت
ومضيت على الصواب.
وقال العجاج:
وعاصماً سلمه من الغَدرِمن بعدِ إرهانٍ بصماء الغَبر
الغدر الجحَرة والجرَفة يقال للرجل أنه لثبت الغدر، إذا ثبت في موضع الزلقَ كما تقول ثبْت الخبار ومعناه أنجاه من الهلاك، أرِهان إثبات وإدامة يقال أرهن لهم الشراب إذا أدامه وأرهن لهم الشر إذا أدامه، وصماء الغبر داهية تبقى، والغبر البقاء. وقال لبيد:
وكل أناس سوفَ تدخل بينهمدويهيةٌ تصفرّ منها الأناملُ
صغّر دويهية والمعنى التكببر. ومثله قول أوس:
فُويقُ جبيلٍ الرأسِ لم تكنلتلُغَه حتى تكِل وتعملا
وإذا اصفرت أنامل الرجل فقد مات. ومن ذلك قول أبي زبيد:
يارِزٌ ناجذاة قد تجرَدَ الموت على مُصطلاهِ أيّ برودِ
مصطلاه أنامله لأنه إذا اصطلى اصطلى بها وبرود الموت
عليها؟، والناجذ آخر الأضراس. وقال ابن أحمر:
فلما غَسا ليلِي وأيقنت أنهاهي الأربى جاءتْ بأم حَبَوْكَرا
وأفلَّت من أخرى تقاصرَ طَيرهاعشيّةَ أدعو بالستارِ المجبّرا
الأربى وأم حبوكر داهيتان، وأفلت من أخرى أي داهية كأنها صاعقة، والطير تقاصر من حِس الصاعقة. وقال علقمة وذكر سحابة:
كأنهم صابَتْ عليهم سحابةصواعِقها لطيرهنَ دَبيب
وقال الكميت:
فأياكُم وداهيةً نآدىأظلّتكم بعارضها المخيلِ
لعلّ لبونها ستروح يوماًبَسيء قبل دِرّتها وبيل
وذا وَيقبنٍ ذكّره تمادمن الهلكاتِ بالخطبِ الجليلِ
السيء اللبن اليسير يخرج من الضرع قبل الدرة. قال زهير:
كما استغاثَ بسيءٍ فزّ غيطَلةخاف العيون فلم يُنظربه الخشَك
هذا مثل ضربه الكميت لما تأتى به من الشر وإذا كان الشيء وبيلا فكيف الدِرة، وذا ودقين يعني أمرا شديدا، يريد وإياكم وذا وَدقين ذا طرفين. ذكرّه تماد أي تمادى فصار ذكرا.
قال أيضا يصف رجلا:
واذا خافَ منَ مَغَبّةٍ أمرحَقَبا أن يُلا قي التصديرا
كانّ بالمِقُبل المغمّض منهقبل إفراخ بيضتيْه بَصيرا
الحقب في الحقو والتصدير في الصدر، وإنما يلتقيان عند أشد سير يكون وأتعبه، يقول إذا خاف من الأمر اضطرابا عرفه قبل وقوعه وقبل ظهوره شره، وجعل له بيضتين لأن الطائر يحضِن على بيضتين.
يعرف السقبَ قبل أن يُنتج السِلتمِ أهال الجَهالة العَنقَفيرا
السقب الحوار الذكر وهو لا يحمد وإنما تحمد الإناث فصار الذكر مضروبا لكل أمر غير محمود، والسلتم والعنقفير داهيتان وإنما ينتجان بينهما القتلى. وقال يذكر خطوبا:
أَنطفت رُبدها الأسِرّة منهاواستَلجّتْ دماؤها تقطيرا
أي أدَمت فجعلتها تنطف، والربد الدواهي، والأسرّة الخطوط، واستلجّت لجت الدماء بالقطر، وتقول العرب للأمر إذا كان عظيما " المقطر من الأسّرة الدَم ". وقال:
أجيبوا رقي الآسيِ النطاسيّ وأحذوامطفّئة الرضف التي لا شوَي لها
النطاسي الحاذق، ومطفئة الرضف وهي الحجارة المحماة حتى يبرد الرضف لما يخرج من الماء والقَذر، وقوله لا شوّى لها لا برء لها جعل ذلك مثلا للداهية. وقال المرار في نحو ذلك:
على كششُفِ مطَفئة صلاهاورضف المرءَ يطفئهَ الكِشاف
أي على دواهٍ مثل هذه الكُشف التي بها هذا الداء فتحمي الحجارة ثم تجعل في رحمها فتطفأ. وقال الكميت:
إذا طرَّق الأمر بالمغلقاتِ يَتْناً وضاقَ به المهبل
وقال المذَمرِ للناتجينمتى ذمِرّت قبلي الأرجل
يقال طرقت القطاة إذا حان خروج بيضها، والمغلقات الدواهي، واليتن الذي تخرج رجلاه قبل رأسه، والمهبل أقصى الرحم، وهذا مثل ضربه للأمر العظيم ينزل، والمذمّر الذي يدخل يده في رحم الناقة ليعلم ما الجنين، سمي بذلك لأن يده تقع على مذمّرالجنين فهذا يتَن لأن يده وقعت على رجله، والمذمر الذِفَري وما يليها. وقال الجعدي:
وحيَّ أبي بكر ولا حيّ مثلهمإذا بلغ الأمر العَماش المذَّمرا
العماس المبهم الذي لا يعرف جهته، بلغ المذَّمر كما تقول بلغ الأمر المخنق. قال أبو كبير:
ورغا بهم سقب السماءِ وخُنقتمهج النفوسِ بكاربِ متزلّفِ
وتبوّأ الأبطال بعد حَزاحزهكعَ النواحز في مناخِ اَلموحِفِ
قوله رغابهم سقب السماء مثل - وأصله أن ناقة ثمود لما عقرت علا فصيلها شرفا فرغا فجاءهم الهلاك. وقال علقمة بن عبدة:
رغافوقهم سقب السماءَ فداحصَبشكّتِه لم يستلَب وسليبِ
الداحص الفاحص برجله، يقال دحّص أي فحص برجله، ومثله قول آخر:
أصابك بالثَرثار راغية السقب
والكارب الكرب، ومهَج النفوس خالصها والمهجة أيضا الدم إذا سال، متزلف يأتيه زلفة زلفة تبوأ الأبطال تهيأوا للقتال، والجزاحز الحركة للقتال، والهكع السعال، أي يبرحون؟ كما تسعل النواحز وهي التي بها السعال، والموحف وهو الموضع الذي يحِف
فيه البعير أي يضرب بنفسه الأرض ويبرك. وقال جرير:
فأولى وأولى أن أصيبَ مقلّدابفاشيةِ العدوى سريعٍ نشورها
أولى وأولى تهدد ووعيد أي كفّوا عني لا أصيبكم بَعّر، فاشية العدوى أن تفشو في الجلد فيعدى ما قرب منها، سريع نشورها يقول إذا هنئت فظنوا أنها قد برأت انتشرت أي عاد الجرب فيها وفشا وأسرع. وقال ابن مقبل:
زجرنا بني كعب فأما خيارهمفصدوا ولَلمعروف في الناس أعرفُ
وأما أناس فاستعاروا بعيرنافِقيدَ لهم بادٍ به العَرّ أسعفُ
قال الأصمعي: هذا مثل يقول طلبوا شرنا فوقع في أيديهم منه بعير أجرب. والأسعف الذي به قروح في وجهه ومشافره وهو السعف. وقال الأخطل:
كانوا ذوي إمّةٍ حتى إذا علقتبهم حبائلٌ للشيطان فابتهَروا
صكوا على شارفٍ صعبٍ مراكبهاحصّاء ليس لها هلبُ ولا وبر
إمة نعمة، ابتهروا قذفوا الناس بما ليس فيهم، صكوا على شارف صعبة - يقول حملوا على خطة شبيهة بشارف وهي المسنة من النوق ونحوه قوله:
ولولا يزيد ابن الملوك وسَيبهتجللَّتُ حِد بارا من الشر أنكدا
الحدبار الناقة الذاهبة السنام، تجللت ركبت. وقال:
وكم انقذتَني من جرورِ حبالُكموخرسا لو يرمى الفيل بلّدا
جرور بئر بعيدة القعر - مَثل ضربه للشر الذي كاد يقع فيه، والخرساء داهية. وقال العجاج:
فإن يعقّبُ درّك على ثمرٍيبرىء داءَ أو يقي إحدى الكبر
يقول إن تدركنا عقبى أي أمر يدركنا على ما ثمرنا من أموالنا يبرىء داء أي يصلح بين عشيرة أو يدفع بلية ويقي عظيمة. وأما قوله:
وعوّر الرحمن من ولّى العور
فإنه يريد أفسد الرحمن من ولاه الضلالة أي من جعله أهلا ومن ولاه الفساد، يقال عورت عليه أمره أي أفسدته. وقال كثير:
فلا تعجلي ياغزّ أن تتفهميأجاءوا بنصح أم أتوا في بحبولِ
الحبول الدواهي. وقال آخر:
لعمري لقد قلتم حبولا ومأثما
وقال صخر بن الجعد الخضري:
أليسَ حبولاً أنها لا تهيدنيوانّي كجنابٍ بها لا أهيدها
جناب غريب وهو الجانب أيضا أي فليس هذا داهية. وقال عدي بن زيد للنعمان:
سعى الأعداءُ لا يألون شراإليكَ وربّ مكة والصليب
أرادوا أن تمهّل عن كبيرٍلأسجَنُ أو لأقذَف في قليب
تمهل تفعل من قول الله ﷿ " فمهل الكافرينَ " أي دعهم فإني من ورائهم، وقوله عن كبير يعني نفسه أي عن رجل هو كبيركم ومؤدبكم ومصلح أمركم، وكان كذلك لهم، يقول تبطأ عنه فلا تداركه حتى يحبس ليموت فيلقي في حفرة. وقال:
وما طلبي سؤالاً بعد خبرنماهُ الموضعونَ إلى شَعوب
وما شأيي به والفيجُ حوليوهمي في ملماتِ الخطوب
يقول ما لي أسأل وقد عرفت الأشياء وخبرتها، ونماه رفعه، والموضعون أصله من الإيضاع في السير وإنما أراد السعاة، وشعوب هي المنية، وما شأني به أي وما همي بالسؤال، والفيح الحرس يقال هم فيج وهو فيج - الواحد والجمع سواء، ويقول ما أصنع
بهذا السؤال، والذي هو همّ إليّ اليوم ما أتوقع من ملمات الخطوب - يعني القتل. قال أبو عمرو ما شأني به من شئت أي ما أشاء به. وقال:
ألا تلكَ الثعالب قد تَوالتْعليّ وحالفَتْ عرجا ضباعا
لتأكلني فمّر لهنَّ لحميوأفرقَ من جذاري أو أتاعاَ
الثعالب والضباع أعداؤه. فمر من المرارة يقال مر الشيء وأمرّ يقول صار لحمي في أفواهها مرا حتى سلحت من حذاري وقاءت وأضمر هاهنا، أراد فكلها افرق وأتاع. وقال كثير يمدح:
وشعثاءُ أمرِ قد برّت بين غالبِتلافيّتها قبل التنافي فلمّتْ
وأبرأتها لم يجرحْ الكلم عظمَهاَولو غبتُ عنها ربّعت ثم أمَتْ
ربعت شجت مربعة، وأمت من الآمّة وهي التي تبلغ أمّ الدماغ. وقال آخر:
تزاكها من إبل تراكهاألا ترى الموتَ لدى أوراكِها
أغير على إبل قوم فلحق أصحاب الإبل فجعلوا لا يدنو منها أحد إلا قتلوه، فقال الذين أغاروا على الإبل هذه المقالة. وقال آخر وذكر إبلا:
إذا تمطيْنَ على القياقيلا قيْن منه أذِني عناق
يعني داهية. وقال أوس:
أم مَن لحيّ أضاعوا بعض أمرهمبين القسوطِ وبين الدين دَلدال
خافوا الأصْيلة واعتلّتْ ملوكهموحمّلوا من أذى غُرم باثقال
القسوط الجور يقال قسط السلطان إذا جار، والدين والطاعة. يقول هم بين الطاعة والمعصية فهم يفرقون، دَلدال متذبذبين، وخافوا الأصيلة خافوا أن يستأصلوا. وقال:
هل سرَّكم في جمادي أن نصالكمإذ الشقاشقُ معدولٌ بها الحَنَك
اوسرّكم إذ لحقنا غز فخركمبأنكم بين ظهري دِجلة السمكُ
قال كان هذا في جمادي، يقول أسّركم أنا سلم لكم في هذا الوقت؟ وذلك أن بني عامر لما قتلوا بني تميم يوم جبَلة قالوا: لم يبق منهم إلا يسير فغزوهم فنستأصلهم، فغزوهم يوم ذي نَجَب فقتلتهم تميم، وقوله " إذ الشقائق معدول بها الحنك " يرشد إذ تهدرون، والشقشقة أبدا تكون من جانب، وقوله إذ لحقنا غير
فخركم - يقول: لحقنا ملحقا ليس كما تفخرون، يقول أسركم أنكم سمك فتقتلون. وقال رؤبة:
إذا الأمور أولعتْ بالشخزِوالحربُ عسراء اللقاحِ المغزى
الشخز الطعن، يريد أن الأمور تطعن هاهنا وهاهنا، والمزى التي لا تنتج إلا بعد بطء، يقال شاة مغزية وأتان مغزية. وقال ذو الرمة:
رباع أقبّ البطنِ جأب مطرّدبلحييه صكّ المغزيات الرواكلِ
عسراء اللقاح يقول تلقح لقاحا عسرا، وإنما يريد أن الحرب لا تكاد تنقطع. وقوله:
أترِفن يشدخن العِدى بالخَبز
أترفن أعطين ما أردن، والخبز الوطء. وقال المخبل:
هلا تسلى حاجةً غرضَتْعلَق القرينة حبلها جذمُ
الجذمة القطعة من الحبل وإذا كان الحبل هكذا قربت
القرينتان، يقول فهذه الحاجة قد قربت كما قربت هذه القرينة لما كان حبلها جذما. وقال رؤبة:
وحاجة أخرِجَتْ من أمرِ لبكأخرجتها من بين تصريحٍ وَلَكَ
تدحىَ الرومّى من يّك لَبِك
لبك مختلط، واللك نحو منه، يقول كانت الحاجة بين أمر مختلط وبَين تصريح فأخرجتها بتحد كتحدي هذا الداعي إلى البراز واحدا لواحد. وقال
يا حكم الوارث عن عبدِ الملكِأوديت إن لم تحبُ حبو المعتنكِ
المعتنك البعير الذي يقطع العانك وهي الرملة الضخمة وربما حبا فيها الجمل وعليه حمله حتى يقطعها فيشتد عليه المشي فيها فيبرك على ركبتيه ثم يعتمد، فيقول: أوديت إن لم تعتمد في حاجتي كاعتماد هذا البعير في العانك. وأما قوله:
ما بعدنا من طلب ولادَرَك
فإنه يريد: أنك لا تضع معروفك عند أحد هو أحق به منا. وقال العجاج
والشَحط قطاع رَجاء من رَجاإلا احتضار الحاج من تجوجا
الشحط البعد، يقول: إذا بعدت ممن تحب انقطع رجاؤك منه إلا أن تكون حاضرا لحاجتك أي قريبا منها. يقال تجوّجت حاجة طلبتها. وقال الشماخ:
وإني عداني عنكُما غيرَ ما قِتٍنواران مكتوبٍ على بغاَهما
أي حاجتان عسرتان، والنوار النُفور. وقال لبيد يصف خطة:
فأصبحت أنى تأتها تبتئس بهاكلا مركبيها تحتَ رحلكَ شاجر
يقول من حيث أتيتها لزمك بأسها وشاجر ناب بك، وقوله:
فإن تتقدم تغش منها مقدماعظيا وإن أخرت بالكفل فاجر
الكفل الحويّة، فاجر مائل والفجور منه لأنه عدول عن الحق وقال الكميت:
وما غيب الأقوام عن مثل خطةتغيّب عنها يومَ قيلتْ أريبها
ولاعن صفاةِ النيقِ زِلّت بنا علىّترامى به أطوادها ولهوبها
يقول تلك الخطة أشد من صفاة النيق، واللهِب ما بين الجبلين. وقال أبو زبيد:
إلي: إليكَ عِذرة بعد عذرةٍفقد يبالغ الشرّ السديل المشهرُ
يريد يبالغ الشر المشهر السديل، يعني ستر الملك يريد أن الشر إذا جاء لم يمنع من سرداق الملك ولم يهبهم فكيف من دونهم. وقال الفرزدق
أبا مَعقلِ لولا حواجز بينناوقُربي ذكرناها لآل المجبّر
إذا لركبنَا العام حدَ ظهورهمعلى وقُر أندابه لم تغَفّرِ
أندابه جروحه لم تغفر لم تيبس وتجلب. وقال طرفة:
وأنا امرؤ أكوى من القَصر البادي وأغشى الدَهَم بالهم
القصر داء يأخذ في العنق فلا يقدر صاحبه أن يلتفت، يقول من كان معرضا عني كأن به قصرا داويت ضغنه. وقال ابن حِلزة لعمرو بن كلثوم:
أيها الناطق المرّقش عناعند عمرو وهلْ لذاكَ بقاء
لا تخلنا على غَراتكَ إناقبل ما قد وَشى بنا الأعداءُ
روى أبو عمرو: المقرّش، وقال: هو المحرش، وقوله: وهل لذاك بقاء - أي أنه كذب فإذا نظر فيه بطل. لا تخلنا لا تحسبنا جازعين لأغرائك الملك بنا فإنا قد مر بنا من سعاية الأعداء ما لا نجزع معه من وِشايتك.
وعَلونا الشناءةِ ينمينا حصون وعزةٌ قعساء
قبل ما اليومُ بيصتْ بعيونِ الناسِ فيها تعيّط وإباء
علونا ارتفعنا على بغض الناس إيانا وغيظنا لهم بما يرون من ثبات عزنا ومكاننا من الملك، القعساء الثابتة الدائمة ويقال المتمنعة، بيضت هذه العزة عيون الناس وأقحم الباء كما قال الآخر وهو الراعي:
هن الحرائر لا باتٍ أحمرةسود المحاجرِ لا يقرأنَ بالسورِ
التعيط الامتناع والإباء من قولهم تعيطت الناقة واعتاطت إذا امتنعت من الفحل فلم تحمل، الأصمعي: تعيط ارتفاع من قوله.
في رأسِ عيطاءٍ من خلقاءِ مشرفة
وكأن المنون ترِدى بنا أرعن جونا ينجاب عنه العماء
مكفهراً على الحوادثِ لا ترته للدهرِ مؤيد صمّاء
تردي بنا ترمي بنا يقال ردى يدِي ردْيا والمرادة حجر يرمى به، يقول كأنها ترمي برميها لنا جبلا فلا تؤثر فينا ولا تضرنا كما لا تؤثر في الجبل، ينجاب يشنق، والعماء سحاب رقيق، يقول هذا الجبل من طوله ترى الغيم إنما تراه أبدا دونه، ويروي: أصحَم صّمٍ، يريد جبل جبال والأصحم في لونه ويروى: أصحم عصم، أي جبل
وعول، مكفهر متراكب بعضه على بعض، ممتنع على الحوادث، والرتو النقصان من قولك: رتوت الدرع إذا قصّرت من طولها عند القتال فرفعتها بالعرى. وقال لبيد:
فخمة ذفراء ترتَى بالعرىقردما نيا وتَركا ِكالبصل
ورتوت القوس إذا شددت وترها وقصرت منه، ويقال أصابه مصيبة فما رتت في ذراعه أي ما كسرته، ويكون رتا في غير هذا يقال أكلت أكلة فرتت فؤادي - أمسكته، مؤيد داهية قوية شديدة وهو عن الوأد وهو الثقل، صماء لا جهة لها. وقال رؤبة:
وجامع القطرين مطْرخمّبيّض عينيه العمى المعمّى
أي ورب جامع القطرين - وهو مثل، وذلك أن الناقة إذا لقحت زمّت برأسها وشالت بذنبها فاستكبرت، فقال: ورب مستكبر كاستكبار هذه الناقة قد أصابه كذا، مطرخم مستكبر ومثله مصْلخِمّ. وقال سلامة بن جندل:
اما الخلا والمسح إن كان نيةعلىّ فإني غير خال وماسح
ومستهزع خالا ولؤمَ خليقةصعقت بشر والأكف لواقح
الخالي الذي يلقي الخلا والماسح الذي يمسح الضرع، ويروى ومهتزِع أيضا، وهو الذي يسرع في اللوم، والخال الكِبر، واللواقح المرتفعة وإذا رفع يده للضرب فيده لاقحة. وأصل هذا أن الناقة إذا حملت شالت بذنبها. وقال امرؤ القيس:
ألاهل أتاها والحوادث جمةبأن امرأ القيس بن تمِلكََ بيقرا
الأصمعي: بيقر هاجر من أرض إلى أرض. غيره: بيقر أقام بالعراق. غيره بيقر: أعيا.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع