تجاوز إلى المحتوى

من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)

الأيمان

قال الأعشى:

إني لعمرِ التي خطت مناسمهاتخدي وسيقَ إليه الباقر العثلُ

الاصمعي: خطت شقت التراب، وحطت خطأ لأن الحطاط الاعتماد بالزمام، والباقر جع بقر، والعثل الكثير. قال أبو عمرو: روى أبو عبيدة العثَل فأرسلت إليه: قد صحفَ إنما هو الغيل أي الكثير يقال ماء غيل إذا كان كثيراً، وفسره أخرى السمان يقال ساعِد غيل، والأصمعي: وجدّ عليها النافر العجُل - أي النفار من معنى، والنافر في معنى جمع، وأبو عبيدة يرويه: حطت بالحاء يعني حطاطها، وألأصمعي: خطت، وأنشد:

أرأيتُ يومَ عُكاظَ حين لقيتنىتحت العَجاجِ فما خططتَ غباري

للنابغة أي شققته. وقال عدي بن زيد:

إذ أتاني نبأ من منعملم أخفهْ والذي أعطي السِبَرِ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «طال الليل علينا واِعتكر»

أي الحسن والجمال يقال: حِبَر وسِبَر وسِبْر.

إنني والله فأقبلُ حِلفيبأبيلٍ كلما صلى جأرِ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «طال الليل علينا واِعتكر»
مُرعَعد أحشاؤه في هيكلٍشعِث لمَته وافي الشعرِ

الابيل الراهب، الهيكل الصومعة. وقال لأهل بيت النعمان:

فلا يميناً بذاتِ الوَدْع لوحدَثَتْفيكم وقابلَ قبر الماجد الزارا

ذات الودع صنم كان بالحيرة ويقال بل هي الابل التي تسير إلى مكة يعلق عليها الودع، ويقال إن مكة يقال لها ذات الودع، وواجه قبر النعمان الزار وهي الأجمة أي دفن حذاءها.

إذاَ لبؤتم بجمعٍ لا كفاءَ لهأوتاد ملْك تليد جدّه بارا

أي لو مات لغزتكم الجيوش فأقررتم أو رجعتم بجيش لا مثل له أوتاداً لملك قديم قد سقط جده أي صرتم كذلك وهو منصوب على الحال ولا مجوز أن يكون منصوباً على النداء. لأنه لا يجوز أن يدعوهم بذلك والنعمان لم يمت. أنشدني الرياشي لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي:

فان حراما لا أرى الدهر باكياًعلى شجوة إلا بكيت على عمرو

قال: حرام هاهنا واجب: قال الله ﷿ " وحرام على قرية أهلكناها " وقد يجيء بمعنى اليمين. وقال العجاج:

وربّ هذا الأثر المقسّممن عهدِ إبراهيم لما يُطسم

المقسّم المحسّن من القسام وهو الحسن، ويطسم ويطمس واحد.

بحيثُ تدلَى قدم لم تذأمِوربّ هدي كالحنيّ موذَمِ

أي الأثر بحيث دلّى قدمه لتغسل أم اسمعيل رأسه. لم تذأم لم تغب: والذام العيب وكذلك الذيم، موذم موجب. قال:

لا هُمّ ان عامرَ بن جَهمِأوذم حجّا في ثيابٍ دسمَ

وقال العجاج أيضاً:

كالخَيم في شطيّه المخيّمِحتى إذا ما حانَ فِطرُ الصوَّمِ

الخيم البيوت جمع خيمة شبهها بالخيم لعظمها، والشطي الشطوى وهي ثياب تعمل بشطا، يقول كأنها البيوت وهي في أجلتها، والمخيم الذي اتخذ خيمة.

أجازَ منا جائز لم يوقَمِلقصفةِ الناس من المحرنجمِ
للشاعر العجاج، من قصيدة «يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي»

أجاز منا يريد تقدمنا يريد دفع جائز نافذ، يقال جاز وأجاز لغتان، يوقم يرد يقال وقَمه يقمه أي رده، يريد أن دفعة الحج كانت لنا، وقصفة الناس دفعتهم يقال انقصف الناس إذا اندفعوا،

والمحرنجم المجتمَع. وقول بشر بن أبي خازم وقد أقسم:

وبالأدم ينظرن الحليل

وقال بعضهم الحليل حيث يحل لهم النحر، وقيل: ان يحل الناس من إحرامهم ثم يركبونها فهي تنتظر ذلك. قال الفِرزدق:

ولا خير في مال عليه اليةولا في يمين غير ذات مخارم
للشاعر جرير، من قصيدة «لا خير في مستعجلات الملاوم»

مخارم أي طرق جمع مخرم. وقال رؤبة:

ولاتني أيدٍ علينا تضبَعبما أصبناها واخرَى تطمع

تضبع تمد أضباعها وهي أعضادها بالدعاء علينا، ومنه قول الآخر وهو عمرو بن شأس:

نذود الملوك عنكم وتذودناولا صلح حتى تضبعونا ونضبعا

أي تمدون إلينا أضباعكم بالسيوف. وقال عمرو ذو الكلب:

منت لكَ أن تلاقيني المناياأحادَ أحادَ في الشهرِ الحلالِ
للشاعر ذو الكلب الهذلي، اقرأ القصيدة

هذا دعاء، منت لك أي قدرت لك الأقدار لقائي وحدَين في الشهر الحلال. وقال العجاج وذكر مرضة دعا الله فيها:

هو الذي أبصرَ ليلاً لَمعتيبالكف إذ مسك بالمصوّتِ

وحالت اللأواء دون نشغتي

اللمعة الدعاء بالاصبع أو بالكف، والمصوت موضع الصوت، يقال للرجل يغشى عليه ثم يفيق نشَغ، أي حالت اللأواء وهي الشدة دون إفاقتي. وقال آخر القلاخ بن حزن:

أبعدهن الله من مناقإن هن أنجين من الوثاق

بأربع من كذب سماق

السماق الخالص أي بأربع أمان بها فيخلون عني وأنجو وقال الشماخ وذكر أهل بيت امرأته:

يقولون لي يا احلفَ ولست بحالفٍأخادعهُم عنها لكيما أنالها

يريد يقولون لي يا هذا احلف مثل: ألا يا اسلمى وألاّ يسجدوا اخادعهم عن اليمين لكيما أردها عني فلما عيل صبري حلفت.

ففرجت همَ الصدرِ عني بحلفةٍكما شقَّت الشقراءُ عنها جلالَها

أي كما وطئت فرس شقراء على جلالها فخرجت منها وكذلك خرجت انا من هذه اليمين، أبو عمرو: " كمثل جواد قدّ عنها جلالها " أبو عبيدة و " كقدك عن متن الجواد جلالها ".

وقال يذكر امرأته في أول هذا الشعر:

وكنت إذا زالتْ رحالة سابحٍشمِتّ به فقد لقيتُ مثالَها

هذا مثل ضربه لامرأته حين طلقها وهي الرحالة. وقال ابن أحمر:

فإما زال سرج عن مَعدًفأخلِق بالحوَادثِ أن تكونا

المعدان ما وقع عليه السرج من جنبي الفرس أي ان بنت بالطلاق، يقول الشماخ كنت أشمَت بمن طلق امرأته فقد أتيت ذلك. وقوله يعني الشماخ:

أغدو القِمِصى قبل عَيرٍ وما جرىولم تدرِ ما خبري ولم أدرِ مالَها

القمصي عدو الأتان، وقبل عير وما جرى قبل أن يأتيها الفحل وقبل جريه إليها، وما جرى بمعنى ولم يجر، يقول نفرت امرأتي مني ولم تدر ما لحالها عندي كنفر هذه الأتان من الفحل حين نظرت إليه من بعيد لما تخوّفت طلبه لها. وقال لبيد لامرأته:

دعي اللوم أو بيني كشِق صديع

الصديع ثوب يشق نصفين يقول فارقيني كما فارق هذا النصف النصف الآخر.

وقال الأعشى لامرأته:

وبِيني فانَ البيْنَ خير من العصاوأن لاتزالي فوقَ رأسكَ بارقه
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي بيني فإنك طالقه»

يقول بينك خير لك من العصا ومن أن لا تزال فوق رأسك لائحة من السيوف، والبارقة لمعها. قال المرقش الأصغر:

تنجّد عمرو حلفةً فأطعتُهفنفسَكَ ول اللومَ إن كنت لائماً

تنجد أي وثب على حلفة، والنجد ذو الجرأة من الرجال. وقال النابغة:

فإن كنتَ لاذاً الضغن عني منكّلاولا حلفي على البراءةِ نافع
حلفتُ فلمْ أتركْ لنفسكَ رِيبةَوهلْ يأثمن ذو أمة وهو طائع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

قالوا كيف يقول: ولا حلفي على البراءة نافع - ثم يقول حلفت فلم أترك لنفسك ريبة؟ قال بعضهم - لا - في قوله: ولا حلفي،

حشو والمعنى: إن كنت لا تكذب الساعي بي إليك ولا تنكله ويميني على البراءة تنفعني فإني أحلف وهل يأثم ذو أمة أي ذو دين واستقامة وهو طائع لم يجبر، وقوله:

وذلك أمر لم أكنْ لأقولَهولو كبلت في ساعدي الجوامعُ

يقول لو حبست حتى أغل لم أكن لأقول ماَ بلغك. وقال عدي بن زيد في قصة الزباء وقصير:

فردته بضعفَي ما أتاهاولم تكبلْ على المالِ يمينا

لم تكبل لم تعقد على المال بأن تحلف لا يخرج مالي هذا اليوم من يدي إليك.

وقال ساعدة بن جؤية:

ينيلان بالله المجيدِ لقد ثوَىلدي حيث لاقى زينها ونصيرها
للشاعر ساعِدَة الهذلي، اقرأ القصيدة

أي يحلفان، وقال كثير:

فما وجدوا منكَ الضريبةَ هدّةهَياراً ولا سقطَ الألية أخرما

هياراً أي تنهار أي لم يجدوك ضعيفاً، ولا سقط الألية الكذاب الحلف، أخرما - أي لا تنخرم أليتك فتذهب باطلا، والأخرم لا يثبت على رأي واحد، وهدة منهدة مسترخية. وقول آخر: تفرقتم لا زلتم قرن واحد يقول لا زلتم ضعفاء لا تقاومون إلا واحداً. العداوة والبغصاء قال الشاعر:

ومولي كأن الشمسَ بيني وبينهإذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه

يقول: لا أقدر أن أنظر إليه من بغضه فكأن الشمس بيني وبينه. وقال الفرزدق:

وما خاصمَ الأقوامَ من ذي خصومةٍكورهاءِ مشنوءٍ إليها حليلها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فإني كما قالت نوار إن اجتلت»

تراها إذا اصطفّ الخصومُ كأنهاترى رفقةً من ساعةٍ تستحيلها يقول هي طامحة الطرف عن زوجها لا تنظر إليه من بغضه فكأنها تنظر إلى رفقة من بعد تستحيلها، يقال: إستحل الشخص أي انظر هل يزول. وقال آخر:

يتقارضون إذا التقوا في موطنٍنظرآَ يزيلُ مواطىء الأقدامِ

من قول الله ﷿ " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ". آخر:

ومولى كداءِ البطنِ لا خيرَ عندةلمولاه إلا أن يعيبَ الأدانيا

جعله كداء البطن لأنه لا يدري ما هو وما هاجه ولا كيف يتأتى له. وقال ابن أحمر:

أرانا لا يزالُ لنا حيمٌكداءِ البطن يلاّ أو صُفارا
يعالج عاقراَ عاصَتْ عليهليلقّحها فنتجها حواراً
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم تسأل بفاضحة الديارا»

عاصت عليه التوتْ، يقول يطلب من الشر ما لا يكون ولا يقدَر عليه.

ويزعم أنه نازٌ علينابشِرّته فتاركَنا تبارا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم تسأل بفاضحة الديارا»
كحجةِ أم شعلٍ حين حجتْبكلبتِها فلمْ ترمِ الجمارا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم تسأل بفاضحة الديارا»

أي حلف أن ينالنا بشرته فيهلكنا كما حجت أم شعل في الجاهلية بكلبتها وهي مدلة بنفسها تظن أنها ترجع فماتت فلم تدرك الحج.

نُدارئه كما أنقاء وهبِيساعدها وتنهمرُ انهِمارا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألم تسأل بفاضحة الديارا»

أنقاء جمع نقا أي ندارىء هذا الرجل كما تدارىء الرمل أي يتناثر. وقال الكميت:

لما رآه الكاشحونَ من العيون على الحنادر
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «لما رآه الكاشحون»

الكاشحون الأعداء سموا بذلك لأنهم يخبأون العداوة في كشوحهم، والحنادر نواظر العيون واحدها حندورة وحندرة، أي رأوه كأنه على أبصارهم من بغضه. وقال زهير:

تلجلج مضغةَ فيها أنيضأصلّت فهي تحت الكشحِ دأءُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
بسأتٍ بنيئها وجوِيتْعنها وعندي لو أردت لها دواء

ورواه الأصمعي " غصِصت بنيئها وبشمت منها، وعندك " يقول أخذت هذا المال فأنت لا تأخذه ولا ترده كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتلعها ولا يلقيها، والأنيض اللحم الذي لم ينضج والأناضة والنهوءة خلاف النضج وإذا لم ينضج فهو أثقل لأنه لا يستمر فيريد أن تريد أن تسيغ شيئاَ لم يدخل حلقك أي تظلم ولا تترك والظلم، أصلّت أنتنت فهي مثل هذا الذي أخذت فإن حبسته فقد انطويت على داء، يقال: صلّ اللحم وأصلّ وفيه صلول وإصلا ل.

وأنشد الأصمعي للحطيئة:

ذاك فتى يبذل ذا قِدرهلا يفسد اللحم لديه صلول
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «قلت لها أصبرها صادقا»

غصصت بنيئها يقول المال الذي أخذته كمضغة نيئة غصصت بها وبشمت منها، وعندك لها دواء لو شئت في رد المال إلى أهله. آخر:

فلا توعدونا بالجيادِ فإننالكم مضغةٌ قد لجلجتْ فأمرّتْ
للشاعر حذيفة الهذلي، اقرأ القصيدة

ويروى نجنجت والمعنى أنها رددت في الفم، والجياد الخيل. أمرّت صارت مرة، والمعنى أنكم لا تسيغوننا ولا تقدرون علينا، وقال جرير:

ونبئتْ غسّانُ بن واهصةٍ الخصييلجلجُ مني مضغةً لا بحيرها

واهصة الخصي شادختها أي تشدخها لتلين فتأكلها، ولا يحيرها لا يسيغها فردها إلى جوفه. وقال العجاج:

وقد وغَظْناها اتقاءَ المأثمِفجعلوا العتابَ حرق الأرّم

أي جعلوا عتاينا، ويقال هو يعُلك على الأرم، ويحرق على الأرم إذا صرف بنابه وأوعد، والأرّم أقصى الأنياب. وقال الهذلي المعطل:

وفهم بن عمرو يعلونَ ضريسَهمكما صرفَتْ فوقَ الجُذاذ المساخن

ضرس وضريس مثل كلب وكليب وعبد وعبيد ومعز ومعيز، والجذاذ حجارة فيها ذهب، والمساحن واحدها مسحنة وهو حجر يدق به حجارة الذهب. وقال المرار بن منقذ العدوى:

وحشوتُ الغيظَ في أضلاعهِفهو يمشي حظلاناً كالنقرِ
للشاعر المرار بن منقذ، من قصيدة «مثل عداء بروضات القطا»

النقر من النقرة وهو داء يأخذ الغنم في بطون أفخاذها وفي جنوبها فإن أخذها في أفخاذها طلعت وإن أخذها في جنوبها انتفخت بطونها وحظلت المشي أي كفّت بعض مشيها.

وقال آخر أبو خراش الهذلي:

رأيتُ بني العَلّاتِ لما تضافروايحوزونَ سهمي دونهم في الشمائل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

بنو العلات الذين ليسوا لأم واحدة، تضافروا تعاونوا، يحوزون يجعلون وهذا مثل يقول ينزلونني بالمنزلة الخسيسة كقولك في ضده: فلان عندي باليمين أي بالمنزلة العليا.

وقال الأعشى:

أرى رجلاً منهم أسيفاَ كأنمايضّم إلى كشحيةِ كفاً مخضباَ

أسيف غضبان، كأن هذا الرجل قطعت يده فغضب لذلك وعادة بكل إنسان إذا أرسل يده ولم يستعملها أن يقفها على كشحه: وأما قوله: كفا - واحدا وهما كشحان فذلك لضمه يديه جميعا وإن كانت المقطوعة واحدة ولم يَخف اللبس لقرب المعنى من الفهم وإحاطة العلم بأن كفا واحدة لا تضم إلى الكشحين، ومثل هذا كثير في الكلام، مخضب بالدم. آخر:

وفينا وإن قيل أصطلحْنا تضاغُنكما طرّ أو بار الجراب على النَشْرِ

النشر الكلأ إذا جف ثم أصابه مطر واخفرّ وهو داَء كله إذا أكلته الماشية، يقول: نحن وإن ظهر الصلح ففي قلوبنا غير ذاك كما أن هذه الجراب أكلت النشر فطّرت أوبارها وحسن ظاهرها وفيه من الداء ما فيها. ومثله قول زفر بن الحارث:

وقد ينبت المرعى على دِمَنِ الثريوتبقى حَزازات النفوس كما هيا

المرعى إذا نبت على الدمن فهو أخبث المرعى. أي فكما أن ظاهر

هذا المرعى حسن وداخله رديء فكذلك نحن ومثله.

ولا يغرّنك أضغان مزمّلةقد يضرب الدبر الدامي بأحلاس

أي تستر هذه الأحقاد كما تستر هذه بالأحلاس وتحتها الداء، ومثله للكميت.

ولم أحلَس على جُلَب

وقال معقل بن خويلد:

أبا معقل إن كنتَ أشّحت حلّةأبا معقلِ فانظر بنبلكَ من ترمي
للشاعر مَعقِل الهذلي، اقرأ القصيدة
أبا معقلٍ لا توطئَنكم بغاضَتيرؤوس الأَفاعي في مراصدِها العُرْمِ

يقول إن كنت أعطيت جاها وقدرا فانظر لمن تعرض، وأشحت ووشحت سواء، لا يحملنك بغضي على أن تقتل نفسك وتهلكها، والعُرم الرقط يقال شاة عرماء، مراصدها حيث ترصُد.

فودِّع خليلإِ لا يزال كأنهعلى الوّدِ والبغضاء ريشة غاربِ

إذا دبر البعير جعلوا في دَبرته ريشة فتحركها الريح فإذا رآها الغراب لم يقع على الدبرة، يقول هو يتلون لي. وقال آخر من ضبة:

لا تجعلونا إلى مولى يحلّ بناعقدَ الحِزامِ إذا ما لبِدنا مالا

أي إذا رآنا في شر أعان علينا. وقال آخر:

يا رب مولي حاسد مباغضعلّى ذي ضغنٍ وضبٍ فارضِ

له قُروء كقروء الحائض

فارض ضخم، قال الله ﵎ " لا فارض ولا بكر " قروء أي أوقات تهيج فيها عداوته يقال: رجع فلان لقرئه أي لوقته. قال الهذلي مالك بن الحارث:

كرهت العقر عقر بني شليلإذا هبّتْ لقارئها الرياَح
للشاعر مالك بن الحارث، اقرأ القصيدة

أي لوقتها. وقال زيد الخيل:

وأسلَم عرسه لما التقيْناوأيقنَ أننا صهْب السِبالِ
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

يقال للأعداء صهب السبال وسود الأكباد، ويقال أن الأصل في الصهب أن العجم صهب السبال وكانوا لهم أعداء فكثر حتى قيل للأعداء ممن كانوا وكيف صهب السبال.

وقال الأعشى:

فما أجشِمت من إتيانِ قومهم الأعداءُ فالأكباد سود
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا يا قتل قد خلق الجديد»

يقال عدو أسود الكبد أي أحرفت كبدَه شدة العداوة. وقال العجاج:

فقأ أكبادهم المرارا

يقول احتثت أكبادهم غيظاَ فانشق منه المرار. وقال طفيل:

فذوقوا كما ذقنا غداةَ محْجرِمن الغيظِ في أكبادنا والتحوّبِ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

التحوب التوجع يقال: بات مجيبة سوء من هذا، ولا يقال حيبة صدق. وقال النابغة:

أتاكَ امرو مستعلنٌ ليَ بغضةله من عدوّ مثل ذلك شافع

مستعلن مظهر، والبغضة والبغض مثل الذلة والذل وَالقِلة والقل، شافع أي معه ثان، يقول أتاك رجل من أعدائي معه آخر مثله.

وذلك ذنبٌ لم أكن لأقولهولو كُبلتْ في ساعدي الجوامع

الجوامع الأغلال الواحدة جامعة، يقول لم أكن لأقوله ولو حبست وقال:

لاتقذفني بركنٍ لا كفاءَ لهولو تأثفكَ الأعداءُ بالرِفَدِ

يقول لا ترميني بناحية لا مثل لها في الشر، ولو تأثفك الأعداء أي احتشوك وصاروا من جوانبك بمنزلة الأثافي من القدر، والرفد التعاون يرفد بعضهم بعضاً علّى عندك ويسعون بي.

لا أعرفنك أن جدّت عداوتناوالتمس النصر منكم عوضَ تحتَمل

تحتمل قال عروة بن الورد:

ألا إن أصحاب الكنيفِ وجدتُهمهم الناس لما أخصبوا وتمولوا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم»

قال الأحمر: يقول وجمدتهم مثل سائر الناس في الغدر وكانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه، وفي الناس الرفع أيضاً. وقال النابغة للنعمان:

فمن عصاك فعاقبْه معاقبةًتنهى الظلومَ ولاتقعد على ضَمدِ
إلاّ لمثلكَ أو من أنتَ سابقهسبقَ الجوادِ إذا استولى على الأمدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

قال الأصمعي: لا تقعد على غيظ وغضب إلا لمثلك في حالك أو لمن فضلك عليه كفضل السابق على المصلّى فأما من دون ذلك فأمض إرادتك فيهم. وقال له:

فإن أك مظلوماً فعبد ظلمتهوإن تكُ غضباناً فمثلكَ يعتَبُ

يريد إني غير ممتنع من ظلمك إن كنت ظلمتني كما لا يمتنع العبد من فعل سيده، وإن تك غضباناً فلك العتبى أي لك الرجوع إلى ما تحب. وقال:

ولكنني كنت امرءاً إلى جانبٌمن الأرضِ فيه مسترادٌ ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهمأحكّم في أموالهم واقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

يقول اجعلني كهؤلاء القوم الذين صاروا إليك وكانوا مع غيرك فاصطنعتهم وأحسنت إليهم ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه يقول: فأنا مثلهم صرت عنك إلى غيرك فاصطنعَني وأحسن إليّ فلا ترني مذنباً إذ لم تر أولئك مذنبين. وقال الأعشى:

ألست منتهياً عن نحت أثلتناولستَ ضائرها ما أطت الإبل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
كناطح صخرة يوماً ليفلقهافلم يضرها وأوهى قرنَه الوعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

أثلتنا شجرتنا وإنما يريد عزنا، وقيل أثلتنا أصلنا، يقال مجد مؤثل أي فو أصل، والوعل إذا اشتد قرنه أتى صخرة فنطحها يريد بذلك تجريب قرنه. يقول: فأنت في الذي ترومه منا كالوعل ونحن صخرة. وقال المرار يصف ناقة:

هذي الوَآة كصخرة الوعِل وقال الأعشى:

صرمت ولم أصرمكم وكصارمأخ قد طوى كشحا وأبّ ليذهبا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»

أب تهيأ وتشمر للذهاب والأبابة إسم من ذلك. وقال:

وزعمتَ أنك مانعحقا فلا تعطى اصطبارَه
حتى تكون عرارةمنا فقد كانت عراره
ولقد علمت لتشربنببعض ظلمك في محاره

اصطبارة أي لا يعطيه صبراً عليه وأصل الصبر حبس النفس على الحق، والعرارة الشدة، والمحارة الصدفة أي نوجرك كرهاً كما يوجَر الصبي. وقال الكميت:

أضحت عداوتهم إياي إذركبوا بحرَى نزار بهم منفّشة القِرَب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أضحت عداوتهم إياي إذ ركبوا»

بحرى نزار يريد ربيعة ومضر أراد ركبوا بحرى نزار على قِرَب قد نفخت فانفشت الريح من القرب فغرقوا، وهذا مثل. وقال الحارث بن حلزة:

إن إخواننا الأراقم يغلون علينا في قولهم إحفاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»
زعموا أن كل من ضرب العيرمَوال لنا وأنا الوَلاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

يغلون يرتفعون في القول وكذلك الغلو في كل شيء هو الارتفاع وجواز القدر، إحفاء إلحاح واستقصاء في مساءتنا كما يحفَى الشيء ينتقَص منه، ومنه يقال أحفيت شاربي أي استأصلته، وقيل أصل هذا كله الحفى، قال أبو عبيدة سألت أبا عمرو بن العلاء عن البيت، يعني الثاني فقال: ذهب والله الذين كانوا يحسنونه ولكنا نرى معناه: إن إخواننا يضيفون إلينا ذنب كل من أذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عيرا ويجعلونهم موالى لنا - والموالى الأولياء وبنو العم، ويقال إنه عني بالعير كليب وائل سماه عيرا لأنه كان سيداً والعير سيد القوم، يقول كل من قتل كليبا أو أعان على قتله جعلوه مولى لنا وألزمونا ذنبه، وقال أبو مالك: العير الوتد سماه عيراً

لنتوّه من الأرض مثل عير النصل وهو الناتىء في وسطه، يقول: كل من ضرب وتداً في الصحراء فأذنب إلى الأرقم ألزمونا ذنبه. وفيه قول رابع - العير جبل بالمدينة، منه أن رسول الله ﷺ حرم ما بين عير إلى ثور، أي كل من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه، وأنا الولاء أي أهل الولاء، ولم يقل الأصمعي فيه شيئاً.

أجمعوا أمرهم عشاء فلما أصبحواأصبحت لهم ضوضاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «معلقة الحارث بن حلزة اليشكري»

يريد أجمعوا أمرهم ليلا على أن يصبحونا بالذي اتفقوا عليه من تهمتنا فلما أصبحوا جلّبوا، ويروى: أجمعوا أمرهم بليل، وهذا كقول القائل: هذا أمر دبّر بليل. لم وقال العجاج:

يا عمربن معمر لا منتظَربعد الذي عدا القروصَ فحزر

لا منتظر أي لا انتظار بعد هذا الذي مرق فجاوز القدر، يقال للرجل إذا أفرط وعدا قدره: عدا القارص فحزر، مثل، وأصله في اللبن، والقارص الذي يَحذي اللسان، والحازر الحامض. واشتغروا في دينهم حتى اشتغر فقد تكبّدت المناخ المشتهَر تشغروا انتشوا حتى اشتغر الدين أي انتشر، تكبّدت المناخ أي

نزلت وسطه وأصله من الكبد أي نزلت منزلاً مشهوراً وأنظر ما تفعل.

النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الوعيد والبيان والخطابة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.