من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
الفرق بين التشبيه والتمثيل
وإذ قد عرفت الفرق بين الضّربين، فاعلم أن التشبيه عامّ والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كلّ تشبيه تمثيلا، فأنت تقول في قول قيس بن الخطيم:
وقد لاح في الصّبح الثريّا لمن رأىكعنقود ملّاحيّة حين نوّرا
«إنّه تشبيه حسن»، ولا تقول: «هو تمثيل»، وكذلك تقول: «ابن المعتزّ حسن التشبيهات بديعها»، لأنك تعني تشبيهه المبصرات بعضها ببعض، وكلّ ما لا يوجد الشبه فيه من طريق التأوّل، كقوله:
كأنّ عيون النّرجس الغضّ حولهامداهن درّ حشوهنّ عقيق
وقوله:
وأرى الثّريّا في السّماء كأنّهاقد تبدّت من ثياب حداد
وقوله:
وتروم الثّريافي الغروب مراما
كانكباب طمرّكاد يلقى اللّجاما
وقوله:
قد انقضت دولة الصيام وقدبشّر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثريا كفاغر شرهيفتح فاه لأكل عنقود
وقوله:
لمّا تعرّى أفق الضّياءمثل ابتسام الشّفة اللّمياء
وشمطت ذوائب الظّلماءقدنا لعين الوحش والظّباء
داهية محذورة اللّقاءويعرف الزّجر من الدّعاء
بأذن ساقطة الأرجاءكوردة السّوسنة الشّهباء
ذا برثن كمثقب الحذّاءومقلة قليلة الأقذاء
صافية كقطرة من ماء وما كان من هذا الجنس ولا تريد نحو قوله:
اصبر على مضض الحسود فإنّ صبرك قاتله
فالنّار تأكل نفسهاإن لم تجد ما تأكله
وذلك أن إحسانه في النوع الأول أكثر، وهو به أشهر.
وكل ما لا يصحّ أن يسمّى «تمثيلا» فلفظ «المثل» لا يستعمل فيه أيضا، فلا يقال: «ابن المعتزّ حسن الأمثال»، تريد به نحو الأبيات التي قدّمتها، وإنما يقال:
«صالح بن عبد القدّوس كثير الأمثال في شعره»، يراد نحو قوله:
وإنّ من أدّبته في الصّباكالعود يسقى الماء في غرسه
حتّى تراه مورقا ناضرابعد الذي أبصرت من يبسه
وما أشبهه، مما الشبه فيه من قبيل ما يجري في التأوّل، ولكن إن قلت في قول ابن المعتز:
فالنار تأكل نفسهاإن لم تجد ما تأكله
إنه «تمثيل»، فمثل الذي قلت ينبغي أن يقال، لأن تشبيه الحسود إذا صبر
وسكت عنه، وترك غيظه يتردّد فيه بالنار التي لا تمدّ بالحطب حتى يأكل بعضها بعضا، مما حاجته إلى التأوّل ظاهرة بيّنة.
فقد تبيّن بهذه الجملة وجه الفرق بين «التشبيه»، و «التمثيل». وفي تتبّع ما أجملت من أمرهما، وسلوك طريق التحقيق فيهما، ضرب من القول ينشط له من يأنس بالحقائق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع