تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب الأول (٢)

وقال أبو عبيدة: أفرخ الروع وكل شيء إذا سكن إلا الحرب فإنه إذا قيل أفرخت الحرب فإنما راد ذكاؤها واضطرامها وتهيجها. وقال رؤبة لبلال بن أبي بردة:

وفتنةٍ كالعنت المنهاض ... أفرخ قيض بيضها المنقاض ومن حديث الشعبي أن عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بجمع قبل أن يصلي صلاة الصبح، فقلت: يا رسول الله: طويت الجبلين، ولقيت شدة، فقال: أفرخ روعك، من أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج "

وقال أبو علي الفارسي في التذكرة: معنى أفرخ روعك صار له فرخ وإذا أفرخ الطائر لأنه قد فارق الحضن، وهذا قول مقبول ومعنى حسن جميل.

وزعم ابن الأنباري أن أول من نطق بهذا المثل معاوية بن أبي سفيان قال: قلد

معاوية زياداً البصرة واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، فلم يلبث أن مات المغيرة فتخوف زياد أن يستعمل معاوية مكانه عبد الله بن عامر فكتب إليه يشير عليه باستعمال الضحاك، فكتب إليه معاوية " أفرخ روعك " قد شممنا إليك الكوفة والبصرة. فكتب إليه " النبع يقرع بعضه بعضاً " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال: والروع بفتح أوله: الفزع، والروع بضمه: الخلد والنفس.

ومن حديث عبد الله عن النبي ﵇ أنه قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.

وأما قولهم: برح الخفاء: فقال ابن دريد: أول من قاله شق الكاهن، ومعنى برح: انكشف وظهر، والبراح من الأرض ما كان بارزاً مكشوفاً، ولذلك سميت الشمس براح، اسم معدول لا يجري، قال الراجز:

هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح رباح: اسم ساق يستقي لابله، يريد أنه استقى من تلك الغدوة حتى مالت الشمس؟ وهي براح؟ للغروب، ودلوكها: ميلها، ويروى: حتى دلكت براح، يريد أنها تدلت للمغيب، فهو يحجبها عن عينه براحته إذا نظر إليها، كما قال العجاج:

والشمس قد كادت تكون دنفا ... أدفعها بالراح كي تزحلفا ويقال برح الخفاء، بكسر الراء، ومعناه زال وذهب، من قولهم: ما برحت

من مكاني أي ما زلت، وأكثر ما يستعمل في النفي، قال الله تعالى ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ (الكهف:) وقد قالوا: برح كذا أي زال. وأنشد أبو بكر:

وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقاً مجيداً منتطقاً: عليه سلاح، ومجيداً: صاحب جواد، وأنشده أبو عبيدة لخداش بن زهير على حذف لا، مقل قول الله تعالى ﴿تفتا تذكر يوسف﴾ (يوسف:) قال: ومثله لخليفة بن براز:

وتزال تسمع ما حيي؟ ... ت بهالكٍ حتى تكونه وقال أبو إسحاق الحربي في قول النبي ﵇ لعبد الله بن مسعود ليلة الجن، وخط عليه خطاً، وقال: لا تبرحن خطك، يقال: برح يبرح إذا تنحى وذهب، وبرح الخفاء: ذهب، وأبرحته أنا أي أذهبته، ويسمى الرجل الشجاع: حبل براح، هكذا ورد عن العرب أي كأنه قد شد بالحبال فلا يبرح ولا يزول.

باب إسرار الرجل إلى أخيه بما يستره عن غيره

قال أبو عبيد:: من أمثالهم في هذا " أفضيت إليه بشقوري " أي أخبرته بأمر، وأطلعته على ما أسره من غيره. قال العجاج:

جاري لا تستنكري عذيريسيري وإشفاقي على بعيري
للشاعر العجاج، من قصيدة «جاري لا تستنكري عذيري»
وكثرة الحديث عن شقوريولا تستنكري عذيري وإشفاقي على بعيري

قال الأصمعي: ومثله قولهم " أخبرته بعجري وبجري " أي أظهرته من ثقتي به على معايبي، قال أبو عبيد: وأصل العجر: العروق المنعقدة، وأما البجر فهي أن تكون تلك في البطن خاصة.

قال أبو عبيد: والعامة إذا أرادت مثل هذا المعنى قالوا " لو كان بجسدي برص ما كتمته ".>

ع: هكذا روي عن أبي عبيد: أفضيت إليه بشقوري، بفتح الشين، وهو قول الأصمعي وحده، وقال أبو زي وغيره: أبث فلان فلاناً شقوره، بضم الشين، والعذير في قول العجاج: الحال، وجمعه عذر، يقول: لا تستنكري حالي من الهرم يا جارية، ولا كثرة ما أحدث به نفسي مما يقوم في بالي من الأسرار، وذلك من أحوال الشيوخ وتهاتر الهرمى.

والعذير: في غير هذا، العذر، يقال: عذيرك من كذا أي هلم معذرتك منه، ويقال: العذير بمعنى العاذر، فعيل بمعنى فاعل، أي هلم من يعذرك من هذا.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الكتمان " الليل أخفى للويل " يقول: افعل ما تريده ليلاً فإنه أستر لسرك.

ع: أول من قال هذا سارية بن عويمر بن أبي عدي العقيلي، وسبب ذلك

أن توبة بن الحمير شهد قومه بني خفاجة وبني عوف يختصمون عند همام بن مطرف العقيلي، وكان مروان بن الحكم استعمله على صدقات بني عامر، فضرب ثور ابن سمعان بن كعب العقيلي توبة بجزر، وعلى توبة درع وبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة، فأمر همام بن مطرف بثور فأقعد بين يدي توبة فقال: خذ حقك يا توبة فقال: ما كان هذا إلا عن أمرك، وما كان ليجترئ عليّ. فانصرف توبة ولم يقتص منه، وهو يقول:

إن أمكن الدهر فسوف أنتقم ... أو لا فإن العفو أدنى للكرم ثم إن توبة بلغه أن ثوراً قد خرج في نفر من أصحابه يريد ماء بتثليث [لهم]، فتبعهم في أناس من أصحابه، حتى ذكر له أنهم عند رجل من بني عقيل يقال له سارية ابن عويمر، وكان صديقاً لتوبة، فقال توبة: لا أطرقهم وهم عند سارية، ووكل بتفقدهم رجلين من أصحابه، فقال سارية للقوم العقيليين وقد أرادوا أن يخرجوا من عنده مصبحين: " ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل فلست آمن عليكم توبة " فلما أظلم فغشيهم هناك، فلما أن رأوهم صفوا لهم رجالهم، فزحف توبة السيهم فارتمى القوم، ثم إن توبة قال لأخيه عبد الله: ترس لي فإني قد رأيت ثوراً يكثر رفع الترس عسى أو أوفق منه مرمى، فترس له ورماه توبة فأصابه على حملة ثديه فصرعه، وانهزم أصحابه، فوضعوا فيهم السلاح حتى أثخنوهم، ومضى توبة حتى طرق سارية بن عويمر من الليل فقال: إنا قد تركنا رهطاً من قومك بالسمرات من قرون بقر، فأدركوهم فواروا موتاهم واحتملوا جرحاهم، فلحق بهم سارية وقد مات ثور، وهذا اليوم جر مقتل توبة.

؟ باب الحديث يستذكر به حديث غيره

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " الحديث ذو شجون " يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أد، قال: وكان بدء ذلك أنه كان له ابنان، يقال لأحدهما سعد والآخر سعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد لوم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصاً مقبلاً قال " أسعد أم سعيد " فذهبت كلمته هذه مثقلاً. قال: ثم إن ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث بن كعب، في الشهر الحرام، إذ أتيا على مكان. فقال الحارث لضبة: أترى هذا الموضع فإني لقيت فيه فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف، فإذا هي صفة سعيد، فقال له ضبة: رني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبة، قال: فعندها قال " إن الحديث ذو شجون " فذهبت كلمته الثانية مثلاً أيضاً. ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس على ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال: " سبق السيف العذل " فذهبت كلمته الثالثة مثلاً أيضاً، ويقال إنما هو العذل، وإنما جاز في الشعر للضرورة.>

ع: قد ذكر أبو عبيد هذا المثل وأول من نطق به، وترك معنى قولهم: ذو شجون، ومعناه أن يدخل بعضه في بعض، ويجر بعضه بعضاً، مأخوذ من الشواجن فيها، وهي أودية كثيرة الشجر غامضة، يقال: أشجنت الأرض إذا كثرت الشواجن فيها، وهي الأودية، والشجون أيضاً الحاجات، واحدها شجن، قال الشاعر:

والنفس شتى شجونها ... قال ابن الأنباري: معنى قولهم: ذو شجون أي ذو فنون وتمسك وتشبك من بعضه ببعض، يقال: شجر متشجن، إذ التف بعضه ببعض، وقال النبي ﵊ " الرحم شجنة من الله "، ويقال: شجنة بالضم، قال أبو عبيد: معناه القرابة مشتبك بعضها ببعض كاشتباك العروق. قال: ثم استعملوا الشجن في معنى الحاجة والحب، لي في موضع كذا شجن أي حاجة وحب، قال:

إني سأبدي لك فيما أبدي ... لي شجنان: شجن بنجد وشجن لي ببلاد الهند ... وأنشد أبو عبيد في هذا الحديث للفرزدق:

فلا تأمنن الحرب إن استعارهاكضبة إذ قال: الحديث شجون وقبله:
وإن كنت قد سالمت دوني فلا تقمبأرض بها بيت الهوان يكون

فلا تأمنن........... ... ............... هكذا روي عن أبي عبيد " إن استعارها " بالسين والعين المهملتين، ورواه ابن الأنباري: إن اشتغارها، بالشين والغين المعجمتين، قال: يريد هيجها وانتشارها من قولهم: شغر برجله إذا أمكن. يقول: تفاجئك كما فاجأ ضبة الحارث، يريد أن قتل ضبة للحارث كان الكلام سببه، كما قال الآخر:

فإن النار بالعودين تذكىوإن الحرب يقدمها الكلام وقالوا: الحرب أولها نجوى، وأوسطها شكوى، وآخرها بلوى

ومن كتاب قاسم بن سعدان بخطه، أخبرنا طاهر قال سمعت علياً يقول: حدثني الزبير القاضي، قال حدثني مصعب، قال: بعث عامل معاوية بأحمال مال إلى معاوية، فمرت الإبل على الحسين بن علي، فأخذ منها عشرة أحمال فعزلها هذا من خقي ولقي، لي أكثر منه، فلما بلغ ذلك معاوية كتب إليه:

يا حسين بن علي ذا الأمللك بعدي وثبة لا تحتمل
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة
ليس بعدي لك من يحملهاليس بين المال والوثب عمل
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

إنما أحذر أن تبلى بمن ... عذره: قد سبق السيف الهذل ويروى عن عبيد بن شربة أنه قال: أول من قال: سبق السيف العذل، حريم بن نوفل الهمداني، وذلك أن النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان شجاعاً بطلاً، وأما سعيد فكان جواداً سمحاً ذا أحواز وصنائع، وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان، وكان أبوهم

النعمان ذا شرف وحكمة، وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه، فقال لسعد؟ وكان صاحب حرب؟ إن الصارم ينبو، واجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو، فإذا شهدت حرباً فرأيت نارها تسعر، وبحرها يزجر، وبطلها يخطر، وضعيفها ينصر، فإياك أن تكون صيد رماحها، ونطيح نطاحها، وأعلم عند ذلك أنهم ينصرون، ثم قال لسعيد، وكان جواداً: يا بني، إنه قد يبخل الجواد، ويصلد الزناد، وتجمد الثماد، وتمحل البلاد، فلا تدع أن تجرب إخوانك وتبلو أخدانك. ثم قال لساعدة: يا بني إن كثرة الشرب تفسد القلب، وتقل الكسب، وتحدث العب، فانظر نديمك، واحم حريمك، وأعن غريمك، واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح، وعليك بالقصد، فإن فيه بلاغاً.

ثم إن النعمان توفي فقال سعيد، لآخذن بأدب أبي، وأبلو أوثق إخواني في نفسي، فعمد إلى كبش فذبحه. ثم أضجعه في قبته، وغشاه ثوباً، ثم دعا رجلاً كان من أوثق إخوانه في نفسه فقال يا أبا فلان: إنما أخوك من صدقك بعهده، وحاطك برفد، وقام معك يجهده وسواك بولده، قال: صدقت. قال: إني قتلت فلاناً فما عندك؟ فقال: يا للسوأة السوءاء وقعت فيها وانغمست، فتريد ماذا؟ قال: أحب أن تعينني عليه حتى أغيبه وأجنه، قال: لست لك في ذلك بصاحب، ثك تركه وانطلق، فدعا سعيد رجلاً آخر من إخوانه يقال له حريم بن نوفل الهمداني، فقال: يا حريم ما عندك؟ قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت فلاناً، قال: فتريد ماذا؟ قال: تعينني عليه حتى أغيبه قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك؛ ثم قال؟ وعبد لسعيد عنده -: هل اطلع على هذا غير عبدك هذا؟ قال: لا. فأهوى حريم إلى العبد بالسيف فقتله، وقال " ليس عبد بأخ لك " ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت؟ إنما أردت تجربتك، قال حريم " سبق السيف العذل ".

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذكر الشيء بغيره " ذكرتني الطعن وكنت

ناسياً " قال: وأصله أن رجلاً حمل على رجل آخر ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما في يده فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال الآخر: ألا أرى معي رمحاً ولا أشعر، " ذكرتني الطعن وكنت ناسياً ". ثم كر على صاحبه حتى طعنه فقتله أو هزمه. وقد يسمى هذان الرجلان فيقال الحامل: صخر بن معاةي السلمي، والمحول عليه: يزيد بن الصعق.

قال أبو عبيد: أبو الحسن قال: أخبرني أبو محمد قال: المحمول عليه أبو ثور ربيعة بن فلان الفقعسي، حمل عليه صخر فقال له: لق الرمح، فقال: " ذكرني الطعن وكنت ناسياً " فطعنه، فأدخل حلق الدرع في بطنه، فجوي منه فمات، قال الزبير: هو صخر بن عمرو أخو الخنساء.

ع: وهم أبو عبيد فيما أورده وهمين، أما أحدهما فإنه قوله: صخر بن معاوية وإنما صخر بن عمرو بن الشريد، وأما معاوية فهو أخو صخر، ابني عمرو. والوهم الثاني قوله: ثم كر عليه حتى طعنه فقتله أو هزمه على الشك منه، وإنما طعن صخراً طعنته التي مات منها ربيعة بن ثور الأسدي بإجماع من أهل العلم بأيام العرب ومقاتل فرسانها لأنه غزا بني أسد، فالتقوا يوم الأثل فطعنه ربيعة فأدخل جوفه حلقاً من الدرع، فجوي صخر فكان يمرض قريباً من حول حتى مله أهله، فسمع صخر امرأة تسأل امرأته سلمى، كيف بعلك؟ قلت: لا حي فيرجى ولا ميت فينسى. فقال صخر:

أرى أم صخر ما تمل عيادتيوملت سليمى موضعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةعليك ومن يغتر بالحدثان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
لعمري لقد نبهت من كان نائماًوأسمعت من كانت له أذنان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
فأي امرئ ساوى بأم حليلةفلا عاش إلا في شقا وهوان
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة
أهم بأمر الحزم لو ستطيعه" وقد حيل بين العير والنزوان "

فللموت خير من حياةٍ كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان فلما طال عليه البلاء. وقد نتأت قطعة لحم مثل اليد من جنبه قالوا له: لو قطعتها لرجونا لك أن تبرأ فقال: شأنكم. وأشفق عليه بعض أهله فنهاه فأبى وقال: الموت أهون علي مما أنا فيه، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فيئس من نفسه، وسمع أخته خنساء تسأل عنه كيف صبره فقال:

أجارتنا إن الخطوب تنوبعلى الناس، كل المخطئين تصيب
فإن تسأليهم كيف صبري فإننيصبور على ريب الزمان صليب
كأني وقد أدنوا إليّ شفارهممن الصبر دامي الصفحتين نكيب
للشاعر صخر بن عمرو السلمي، اقرأ القصيدة

أجارتنا لست الغداة بظاعن ... ولكن مقيم ما أقام عسيب ثم مات. وقال غير أبي عبيد: إن الذي حمل عليه صخر، وعلة الجرمي.

؟ باب العذر يكون للرجل ولا يمكنه أن يبديه

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " رب سامع خبري لم يسمع عذري "

أقدر أن أوسع الناس عذراً.

قال الزبير: عذراً، وهي للجماعة واحدتها عذرة.

ومن هذا قول أكثم بن صيفي " رب ملوم لا ذنب له "، يقول: قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه، وهم لا يعرفون حجته وعذره، فهو يلام، وكذلك قول الآخر " كل أحد أعلم بشأنه " يقول: إنه لا يقدر على إظهار أمره كله وإبدائه، ومنهم قولهم " لعل له ... (الخ) ".>

ع: قال أبو زيد: مثل لهم " رب سامع عذري لم يسمع قفوتي " يقال قفوته أقفوه قفوة وقفواً إذا قرفته بشر، يضرب مثلاً لمن يعتذر من شيء لم يعلم منه فيكون اعتذاره من ذلك الشيء تسميعاً بنفسه.

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " لعل له عذراً وأنت تلوم "

ع: هذا صدر بيت شعر لمنصور النمري، قال:

لعل له عذراً وأنت تلوموكم من ملوم وهو غير مليم

غير مليم: أي لم يأت ما يلام عليه، قال الله تعالى ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ (الصفات:.

؟ باب الاعتذار في غير موضع العذر

قال أبو عبيد: وروي عن إبراهيم النخعي أنه اعتذر إليه رجل فقال: قد عذرتك غير معتذر،: إن المعاذير يشوبها الكذب.

ع: يريد قد عذرتك وأنت ممسك عن عذرتك غير معتذر فكأنه كان عنده أعذر قبل أن يعتذر فلذلك قال: إن المعاذير يشوبها الكذب. وقد قال الشاعر:

إذا اعتذر الجاني محا الذنب عذرهوكل امرئ لا يقبل العذر مذنب وقال آخر:

إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائباً ... إليك ولم تغفر له فلك الذنب وقال محمود الوراق في معنى قول النخعي:

إذا كان وجه العذر ليس ببينٍ ... فإن أطراح العذر خير من العذر قال أبو عبيد: وقال مطرف بن الشخير: المعاذر مكاذب، قلت: والمحفوظ عن العرب: دعوا المعاذر فإن أكثرها مفاجر.

؟ باب التعريض بالشيء يبديه الرجل وهو يريد غيره

: كان رجل نزل بقوم ليلاً، فأضافوه وغبقوه، فلما فرغ قال: إذا صبحتموني غداً فكيف آخذ في حاجتي؟ فقيل عند ذلك " أعن صبوح ترقق "، والصبوح: هو الغداء، والغبوق هو العشاء، وإنما أراد الضيف بهذه المقالة أن يوجب عليهم الصبوح، فصار مثلاً لكل من كنى عن شيء وهو يريد غيره.

وقد روي هذا المثل عن عامر الشعبي أنه قال لرجل سأل عمن قبل أم امرأته

فقال: " أعن صبوح ترقق "، حرمت عليه امرأته.

قال أبو عبيد: ظن الشعبي؟ فيما أحسب؟ أنه أراد غير القبلة فكنى بها عن ذاك؟ فيما أحسب -.

وقال أبو زيد والأصمعي في مثل هذا " يسر حسواً في ارتغاء " قال الأصمعي: وأصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة ولا يريد غيرها فيشربها، وهو في ذلك ينال من اللبن، والارتغاء هو شرب الرغوة، يقال منه: ارتغيت ارتغاء.>

قال أبو عبيد: ومن التعريض قولهم " إياك أعني واسمعي يا جارة " ويروى عن بعض العلماء أن المثل لشهل بن مالك الفزاري قاله لأخت حارثة بن لام الطائي.

ع: إنما نهشل بن مالك؟ وقيل سهل بن مالك - وليس في العرب شهل بالشين إلا شهل بن شيبان، وهو الفند الزماني.

وكان من خبر نهشهل بن مالك هذا أنه خرج يريد النعمان بن المنذر فمر ببعض أحياء طي، فسأله عن سيد الحي، فقيل له: حارثة بن لام، فأم رحله فلم يصبه شاهداً، فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة حتى يلحق حارثة، فنزل، فأكرمت مثواه، وأحسنت قراه. ورآها خارجة من خباء إلى خباء فرأى جمالاً بهره وكمالاً فتنه، وكانت عقيلة قومها، وسيدة نسائها، فجعل لا يدري كيف يعلمها بما في نفسه منها ولا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباؤ يوماً وجعل ينشد:

يا أخت خير البدو والحضارةكيف ترين في فتى فزاره

أصبح يهوى طفلةً معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جاره فعرفت أنه يعنيها فقالت: ما هذا بقول ذي عقل أريب، ولا ذي رأي مصيب، ولا أنف نجيب. فأقم ما أقمت مكرماً، وارحل إذا رحلت مسلماً، فاستحيا وقال: يا سوأتاه ! قالت: صدقت. وارتحل وأتى النعمان فحباه وأكرمه فلما رجع نزل على أخيها؟ حارثة بن لام؟ فتبعته نفس الجارية، وكان جميلاً مقبولاًن فأرسلت إليه: إن كانت بك في حاجة فاخطبني إلى أخي فإني سريعة إلى ذلك، فخطبها وتزوجها، وسار بها إلى أهله.

؟ باب حمد الإنسان قبل اختبار

أنشد أبو عبيد في هذا الباب:

لا تمدحن امرءاً حتى تجربهولا تذمنه من غير تجريب

ع: وبعده:

فرب خدن وإن أبدى بشاشتهيضحي على خدنه أعدى من الذيب

وإن مدحك من لم تبله صلف ... وإن ذمك بعد المدح تكذيب ؟ باب دعاء الرجل لصاحبه بالخير في الغيبة وغيرها

قال أبو عبيد:: يقال في مثل هذا للقادم من سفر: " خير ما رد في أهل ومال " أي جعل الله ما جئت به خير ما قدم به الغئب.

ع: قال سلمة: الذي رويناه في هذا أن مجيئك بنفسك خير ما رد في أهلك ومالك.

قال أبو عبيد:: ومن الدعاء قولهم " عرفتني نسأها الله " أي أخر الله في أجلها، وأطال عمرها. قال: وكان أصله أن رجلاً كانت له فرس، فأخذت منه ثم رآها بعد ذلك في ايدي قوم فعرفته فحمحمت حين سمعت كلامه، فقال عند ذلك هذه المقالة. ثم قال: وقال غير الأصمعي: هذا المثل لبيهس الذي يعرف بنعامة وكان طويل الرجلين فرأته امرأته: بليل فقالت: نعامة والله، فقال: عرفتني، نسأها الله.

ع: لبيهس هذا أمثال جمة وكلمات حكمة سيورد منها أبو عبيد جملة، على ما كان فيه من اللوثة، وفي شأنه يقول المتلمس:

في حذر الأيام ما حز أنفه ... قصير ولاقى الموت بالسيف بيهس واختلف في المعنى الذي لقب به نعامة فقيل: لقب بذلك لطول ساقيه، وقيل بل لقب نعامة لصممه، لأنه كان أصم أصلخ، والنعام صم لا تسمع فيما تزعم العرب وتذكره في أشعارها، وقيل إنما سمى نعامة بقوله:

لأطرقن حصنهم صباحاوأبركن بركة النعامه فسمي نعامة، وهو من بني فزارة

وذكر علاقة الكلبي عن عبيد بن شرية أن هذا لمثل لرجل من العرب كانت له فرس قد ترببها وتألفها، فبعثه طليعةً فمر بروضة فأعجبته والعدو قريب منه لا يراهم، فنزل، فخلع لجام فرسه، وحل عنها ترعى، فبينا هو كذلك إذا طلعت عليه الخيل دوائس فأسروه، وطلبوا الفرس فسبقتهم، ولم يقدروا عليها فعجبوا من جودتها وقالوا: إن دفعتها إلينا نفاد نفسك بها، فدعاها فأجابت. فقال " عرفتني نسأها الله " فأرسلها مثلاً.

قال أبو عبيد: >، ومن دعائهم " بلغ الله بك أكلأ العمر " أي أقصاه، قال الزبير أكلأ لعمر: أحفظ العمر، يقال للرجل: كلأك الله أي حفظك الله، قال الشاعر:

كلاك الله حيث عزمت وجهاً ... وحاطك في المبيت وفي المقيل ع: ليس ما قال الزبير بالوجه الجيد ولكن وجهه ومعناه: بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده، وكلأ الشيء يكلأ إذا تأخر، ومنه النهي عن الكالئ بالكالئ وكلأ بمعنى حفظ صحيح، وليس له هاهنا وجه.

قال أبو عبيد: ويقولون للرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك من اموره " عيل ما هو عائله " أي غلب ما هو غالبه..

ع: وقال يعقوب في كتاب الدعاء: " عيل ما عاله " وقال أبو نصر عن الأصمعي: عال الأمر يعول عولاً إذا اشتد وتفاقم، وأنشد للنابغة:

لقد عالني ما سرها وتقطعت ... لروعاته مني القوى والوسائل ويروى: لروعته مني القوى، ويروى: لقد سرها ما عالني: أي لقد سر هذه القبائل ما عالني من موت النعمان بن الحارث بن أبي شمر المرثي بهذه القصيدة.

ما عالني يقول: ما اشتد علي وعلني.

ع: قال الحربي: ومنه قولهم: عالت الفريضة أي ارتفعت. وروى ابن جريج عن ابن عباس قال: الفرائض لا تعول، ويقال معنى عالني: أثقلني، والقولان متقاربان. وقال النمر:

وأحبب حبيبك حباً رويداًفليس يعولك أن تصرما أي ليس يثقل عليك صرمه؛متى أحببت>

قال أبو عبيد:: ومن أمثالهم في الدعاء " نعم عوفك " وتأويله: نعم بالك وشانك ونحو هذا، قال: وكان بعض الناس يتأول العوف: الفرج فذكرته لأبي عمرو فأنكره.

ع: العوف: الحال والبال كما ذكر أبو عبيد صحيح، يقال: بات فلان بعوف خير، وبعوف سوء أي بحال خير، وانفرد أبو عمرو بإنكار ما أنكر لأنه جهله، وهذا الدعاء إنما يدعى به للمتزوج.

روى الحكم عن سلمة بن جنادة الهذلي: كان الفتى من هذيل إذا كان يوم أسبوعه، دخل على سنان بن سلمة، قال أبي: فدخلت عليه يوم أسبوعي وعلي ثوبان موردان، فقال: نعم عوفك، فقلت: وعوفك فنعم، فالعوف في هذا الحديث الفرج، في قول جميعهم. والعرب تقول " لقي عوف توفاً " فالعوف فرج الرجل، والتوف فرج المرأة، والعوف أيضاً: الضيف، والعوف أيضاً عن

أسماء الأسد، والعوافة ما ظفر به ليلاً، والعوف: شجر طيب الريح. قال الشاعر:

فلا زال حوذان وعوف منورسأتبعه من خير ما قال قائل قال أبو عبيد

ومنه قولهم " بالرفاء والبنين " وقد فسرناه في غريب الحديث.

ع: قال أبو زيد: الرفاء والمرافاة: الموافقة وأنشد:

ولما أن رأيت أبا رويم ... يرافيني ويكره أن يلاما فقولهم بالرفاء، دعاء بالاتفاق وحسن الحال، ومنه رفء الثوب يقال: رفأته أرفؤه، ورفوته أرفوه، قال أبو خراش:

رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم قال الحسن: تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل له بالرفاء والبنين، فقال، قال رسول الله ﵊: " إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك

الله لك وبارك عليك ".

قال الأصمعي: الرفاء على معنيين، يكون من الاتفاق وحسن التأليف، ومنه رفأت الثوب، ومعناه ضممت بعضه إلى بعض ولاءمت بينهما، قال ابن هرمة:

بدلت من جدة الشبيبة والأبدال ثوب المشيب أردؤها ...

ملاءة غير جد واسعة ... أخيطها تارةً وأرفوها والوجه الآخر: أن يكون الرفاء من الهدوء والسكون، يقال: رفوت الرجل إذا سكنته، وأنشد بيت أبي خراش: [رفوني وقالوا ...].

وقال أبو زيد: الرفاء من المرافأة وهي الموافقة، واحتج بقول الشاعر: ولما أن رأيت أبا رويم ... البيت.

وقال اليماني: الرفاء: الماء.

قال أبو عبيد:: ومن دعائهم بالخير قولهم " هنيت ولا تنكه " أي أصبت خيراً ولا أصابك الضر.

ع: هكذا روي عن أبي عبيد " هنيت " بفتح الهاء، والمعروف هنأني الطعام، وهنئته، بضم الهاء وكسر النون، وهنئته بتشديد النون وكذلك رواه الأصمعي وغيره " هنيت "، ولا تنكه أيضاً؟ بفتح التاء؟ وفي تنكه قولان: أحدهما أنه أراد ولا تنك من النكاية، ووقف بالهاء، وقيل إنما أراد ولا تنكأ

فأبدل من الهمزة هاء، يقال نكيت العدو نكاية، ونكأته نكأ، ونكأت القرحة، بالهمز لا غير.

قال أبو عبيد: ومن دعائهم في موضع المدح " هوت أمه؛ وهبلت أمه " ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:

هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً ... وماذا يرد الليل حين يؤوب ع: يرثي كعب بهذا الشعر أخاه أبا المغوار، واسمه هرم، وقوله: ما يبعث الصبح غادياً، يريد من ذكراه والحزن عليه، لأنه وقت الغارات وحمايتهم من العاديات. وقوله: وماذا يرد الليل يعني من ذكراه أيضاً لأنه وقت الضيفان وطروقهم للقرى، وهذا كقول الخنساء:

يذكرني طلوع الشمس صخراوأذكره لكل غروب شمس إنجاز الموعد والوفاء به

قال أبو عبيد:. رووا عن عوف بن النعمان الشيباني أنه قال في الجاهلية الجهلاء: لأن أموت عطشاً أحب إليّ من أن أكون مخلافاً لموعدة.

وقال سلمة: هي عندي " الموعد " بغير هاء.

ع: والموعدة جيد، قال الله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبي إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ (التوبة:). فالموعدة اسم للعدة، والموعد بلا هاء يحسن أن يكون مصدراً، وأن يكون ظرف زمان ومكان، وأحسن ما ورد في إنجاز الموعد، قول عوف بن محلم:

ذكرت مواعيد الأمير ابن طاهرومثل العطايا في الاكف عداته

وزكيت ما لم أحوه من عطائه ... فكنت كمن حلت عليه زكاته قال أبو عبيد: وقال الحارث بن عمرو بن حجر الكندي " أنجز حر ما وعد "

ع: قال الأصمعي: أراد، لينجز حر عدته، على معنى الأمر لا على

معنى الخبر. وقد ذكر أبو عبيد خبر المثل ذكراً ناقصاً وتمامه أن الحارث بن عمرو آكل المرار دل صخراً على ناس من أهل اليمن فأغار عليهم وملأ يديه وأيدي أصحابه من الغنائم، فأراد صخر قومه على أن يعطوا الحارث ما جعل له فأبوا ذلك عليه، وفي ريقة ثنية متضايقة يقال لها: شجعات، فلما دنا صخر منها، سار حتى وقف على رأسها وقال: " أوفت شجعات بما فهين " فقال حمزة ابن جعفر بن ثعلبة بن يربوع: والله لا نعطيه من غنيمتنا شيئاً. ثم مضى في الثنية فحمل عليه صخر بن نهشل فقتله، فلما رأى ذلك الجيش اجتمعوا ودفع إلى الحارث بن عمرو خمس الغنيمة، وقال في ذلك نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل:

ونحن منعنا الجيش أن يتناوبواعلى شجعات والجياد بنا تجري

حبسناهم حتى اقروا بحكمنا ... وأدي أنفال الجيوش إلى صخر قال أبو عبيد: وروي عن عبد الله بن عمرو أنه كان وعد رجلاً من قريش أن يزوجه ابنته، فلما كان عند موته أرسل إليه فزوجه وقال: كرهت أن ألقى الله بثلث النفاق.

ع: إنما قال ذلك لأنه هو الذي روى عن النبي ﷺ: ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وهذا من صحيح الحديث خرجه البخاري ومسملم وغيرهما

من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه أبو إسحاق الحربي قال: حدثنا ابن نمر عن أبيه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: أربع من كن فيه كان منافقاً: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر، فزاد هذه الرواية رابعة، وجعل الحديث موقوفاً على عبد الله غير مرفوع. وأصل النفاق اختلاف السر والعلانية، وهكذا كان المنافقون على عهد رسول اله ﵊، ومن كانت فيه واحدة من هذه الخلال المذكور فقد أسر خلاف ما أظهر.

فراغ

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.