تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب الثالث (٣)

وقال الشاعر في هذا المثل:

ترى الفتيان كالنخلوما يدريك ما الدخل
وكل في الهوى ليثوفيما نابه فسل
وليس الشان في الوصلولكن أن يرى الفصل وأنشد أبو علي لهند بنت الخس:
وقالت قولة أختيوحجواها لها عقل

ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل يعني بأختها عثمة بنت مطرود المذكورة. حجوى: فعلى من المحاجاة.

؟ باب [ذكر] أخلاق الناس في اجتماعهم وافتراقهم

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: يقال في أمثالهم " لن يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا ". قال الأصمعي، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما أشد ما هجا القائل:

سواسية كأسنان الحمار ... ع: قد فسر أبو عبيد قولهم: فإذا تساووا هلكوا أنه يعني به تساويهم في الشر حتى لا يكون فيهم خير.

وقوله: سواسية كأسنان الحمار، هذا عجز بيت لا أدري صدره ولا رأيته، وإنما المحفوظ:

سواء كأسنان الحمار فلا ترىلذي شيبةٍ منهم على ناشئ فضلا وسواسية جمع سواء على غير قياس

وفي نحو هذا المعنى قول أعرابي يهجو بني جوين من طيء:

ولما أن رأيت بني جوينٍجلوساً ليس بينهم جليس
يئست من التي أقبلت أبغيلديهم، إنني رجل يئوس

إذا ما قلت أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس يقول: هؤلاء قوم لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم، وهذا من أقبح الهجاء.

قال أبو عبيد: ومثله قولهم " هم سواء كأسنان المشط ".

ع: أما قولهم: كأسنان المشط؛ فإنه يقع على كل استواء في أي حال كان.

قال الشاعر:

أناس هم المشط استواءً لدى الوغى ... إذا اختلف الناس اختلاف المشاجب وقال أبو عبيد: قال أبو زيد، ومن أمثالهم في هذا أيضاً قولهم:

" الناس إخوان وشتى في الشيم ... وكلهم يجمعهم بيت الأدم " [قال: ومعناه أنهم وإن كانوا مجتمعين بالشخوص والأبدان فإن شيمهم وأخلاقهم مختلفة، وقوله " بيت الأدم " قالوا: هو الأرض، وقالوا: آدم، إليه يلتقون في النسب، وقالوا: بيت الاسكاف فيه من كل جلد رقعة].

ع: قال أبو علي: بيت ا>م، يريد القبة بباب الملك يجتمعون فيها فتجمع من كل قبيل ومن كل أمة، وهذا تفسير على اللفظ، وهو أصح ما قيل فيه.

وقال أبو زيد: يقال إخوة وأخوة وإخوان وأخوان، قال: وسمعت من العرب مثلاً " القوم أخوان وشتى في الشيم " بضم الهمزة.

قال أبو عبيد: وإذا جاء القوم كلهم قالوا: " جاووا قضهم بقضيضهم ".

ع: ويقال: قضهم بقضيضهم بالنصب، والقض والقضض: الحصى الصغار، وأقض الطعام: إذا كان فيه حصى صغار، وقض المضجع، وأقض: إذا خشن، والقضاض والقضيض: صخر يركب بعضه بعضاً مثل الرضاء، فكأنه قال: جاء القوم صغارهم وكبارهم.

؟ باب الرجلين يكونان متساويين في خير أو شر

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التساوي بين الاثنين: " هما زندان في وعاء " ولا يكاد يوضع في المدح، إنما هذا في موضع الحساسة والدناءة.

ع: لا أعلم وجهاً لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتأولوا فيه قولهم: اللئيم مزند، والتزنيد أيضاً التضييق، يقال: بئر مزندة أي ضيقة.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الرجلين يسقطان [متساويين " وقعا] كعكمي عير ".

ع: إنما يقال ذلك في الرجلين إذا اصطرعا فوقعا معاً، لم يصرع أحد منهما صاحبه، هكذا قال أبو علي في البارع.

؟ باب الرجلين يكونان

ذوي فضل غير أن لأحدهما فضيلة على الآخر

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " مرعى ولا كالسعدان " ومثله " ماء ولا كصدى " يضرب للرجل يحمد شأنه ثم يصير إلى أكثر منه وأعلى [وحكي عن المفضل أنه كان يخبر عن المثلين فقال: الأول منهما لامرأة من طيء وكان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان مفركاً، فقال لها: أين أنا من زوجك الأول، فقالت: " مرعى ولا كالسعدان " والمثل الآخر للقذور بنت قيس بن خالد الشيباني وكانت زوجة لقيط بن زرارة التميمي ثم تزوجها بعد رجل من قومها فقال لها: أنا أجمل أم لقيط؟ فقالت: " ماء ولا كصداء " أي أنت جميل ولست مثله، قال المفضل: وصداء ركية لم يكن عندهم أعذب من مائها، وفيها يقول ضرار السعدي:

وإني وتهيامي بزينب كالذي ... يطالب من أحواض صداء مشربا ع: كان أبو العباس محمد بن يزيد يقول: " ماء ولا كصداء " على مثال صدعاء. وحكى أبو بكر: ماء ولا كصيداء بالياء. وقال الخليل: منهم من يضم أول صدا فيقول: صدى.

وبعد البيت الذي أنشده أبو عبيد لضرار، وهو ضرار بن عتبة السعدي:

يرى دون برد الماء هولاً وذادة ... إذا شد صاحوا قبل أن يتحببا وأنشد ابن الأعرابي وابن السكيت في صداء:

وإني وهجراني عوادة بعد ماتشغب أهواء الفؤاد المشاعب

كصاحب صداء الذي ليس رائياً ... كصداء ماءً ذاقه الدهر شارب قال يعقوب: كانوا مجتورين في ربيع، فلما جاء القيظ وصاروا إلى محاضرهم تشعبت أهواؤهم أي تصرفت، وإنما سميت صداء لطيب مائها وأن من شربه صده عن غيره ولا يستمرئه.

وقال أبو عبيد: إن المثل المضروب في صداء للقذور بنت قيس بن خالد.

: سميت المرأة قذور بصفتها وهي التي تجتنب الأقذار كما قيل متحرج للذي يجانب الحرج، ومتأثم للذي يجانب الإثم، ومتهجد للذي يتجنب الهجود، وهو النوم، ومتحنث للذي يتجنب الحنث ويتوخى البر، وكان يقال دابة ريض للتي لم ترض وهي الصعبة، ولها نظائر في الكلام.

وقال أبو بكر: ناقة قذور: عزيزة النفس لا ترعى مع الإبل ولا تبرك معها، وبها سميت المرأة قذور.

وذكر محمد بن يزيد أن ابنة هانئ بن قبيصة كانت تحت لقيط بن زرارة ابن عدس، فلما قتل عنها تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا، فقال لها: ما استحسنت من لقيط؟ قالت: كل أموره حسن، ولكني أخبرك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشى، فرجع وبقميصه نضح من دم صيده، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني كنت مت ثمة، قال: ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمها إليه وقال: أين أنا من لقيط: قالت: " ماء ولا كصداء " وزنها فعلاء، وموضع اللام همزة، عن الأصمعي وأبي عبيدة. هكذا قال محمد بن يزيد.

وقال ابن الأعرابي عن المفضل: إن زرارة بن عديس بن زيد بن عبد الله ابن دارم بن مالك بن حنظلة رأى ابنه لقيطاً يوماً مختالاً، فقال: والله إنك لتختال كأنك قد أصبت ابنة قيس بن خالد ذي الجدين ومائة من هجائن المنذر بن ماء السماء، فقال لقيط: إن الله علي أن لا يمس رأسي غسل ولا أشرب خمراً حتى أجيء بابنة قيس بن خالد وبمائة من هجائن المنر، وأبلي في ذلك عذراً، وسار حتى أتى قيساً؟ وكان سيد ربيعة؟ وكان على قيس يمين أن لا يخطب إليه أحد علانية إلا أصابه بشر. فلما أتاه لقيط وجده جالساً في نادي قومه فسلم عليه وعليهم وخطب إليه ابنته. فقال له: من أنت؟ قال: أنا لقيط بن زرارة. فقال: ما حملك على أن تخطب إليّ علانية؟ قال: لأني قد علمت أني إن أعالنك لا أشنك، وإن أناجك لا أخدعك. قال: كفء كريم، لا جرم والله لا تبيت عندي عزباً ولا محرماً. وأرسل إلى أم الجارية: إني قد زوجت لقيط بن زرارة القذور بنت قيس، فاصنعيها حتى يبيت بها، ففعلت وساق عنه قيس، وابتنى لقيط، وأقام فيهم ما شاء أن يقيم. ثم احتمل بأهله إلى المنذر، فذكر له ما قال أبوه، فأعطاه مائة من هجانه فانصرف إلى أبيه بابنة قيس وهجائن المنذر. فلما قتل عنها لقيط تزوجها رجل من قومها، وذكر باقي الحديث كحديث محمد بن يزيد وقو أبي عبيد.

وحكي عن المفضل أنه كان يخبر أن المثل الأول لامرأة من طيء، وكان تزوجها امرؤ القيس بن حجر فقال لها: أين أنا من زوجك الأول، ولم يسمه، وهو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد؟ وقيس هو ذو الجدين سمي بذلك لأنه كان ذا جد عند الملوك وجد في الحرب؟ وقيل: إنما سمي ذا الجدين لأنه أسر أسيرين شريفين كان لهما فداء كير، ولم يأسر أحد في زمانه أشرف منهما ولا أكثر فداء، فسمي ذا الجدين، قال الشاعر:

أيا ابنة عبد الله وابنة مالكويا ابنة ذي الجدين والفرس الورد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإني لست آكله وحدي
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أيا ابنة عبد الله وابنة مالك»

قصياً كريماً أو قريباص فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي اشترط الكرم في القصي، لأن قريبه لا يكون إلا كريماً.

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم " فتى ولا كمالك "، قال الأصمعي: ولا أدري من مالك.

ع: قال محمد بن يزيد: هو مالك بن نويرة، وقال غيره: هو مالك بن قيس بن زهير.

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في تفضيل بعض أهل الفضل على بعض " في كل شجر نار واستنجد المرخ والعفار " وقال غيره: واستمجد المرخ والعفار: يعني اتخذا من النار ما هو حسبهما، يقال: أمجدت الدابة علفاً إذا أكثرت لها منه.

ع: روى طاهر: " واستمجد المرخ والعفار " أي اخترهما على سائر الزناد، وفضلهما.

ومن روى " استنجد "؟ بالنون؟ فمعناه: قوى واستكثر من النار، قال أبو علي: استمجد بالميم لا غير.

وقال الأعشى:

زنادك خير زناد الملوك ... صادف منهن مرخ عفارا وقال أبو زيد: يقال " اقدح بدفلى في مرخ " فإنهما أسرع الخشب وريا، يضرب مثلاً للرجل الكريم الأبوين وهو أيضاً كريم.

وقال أبو بكر: ومن أمثالهم " اقدح بعفار أو مرخ، ثم اشدد إن شئت أو أرخ ". وقال الراجز:

" أرخ يديك واسترخإن الزناد من مرخ " ؟ باب الرجل يعجب بالفضيلة تكون فيه

ولا يعرف فضل غيره عليه

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " كل مجر في الخلاء يسر " وفسره، ومعناه ظاهر.

ع: قال أبو الطيب، فنظم هذا المثل بأحسن لفظ:

وإذا ما خلا الجبان بأرضٍطلب الطعن وحده والنزالا ؟ باب مساواة الرجل صاحبه فيما يدعو إليه

قال أبو عبيد: قال ابن الكبي: من أمثالهم: " أنصف القارة من راماها "، قال هشام: والقارة عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة، سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم.

ع: قال أبو عبيدة: ويروى " أنصف القارة من راداها " والمراداة: المراماة، يقال: رادأته بالحجر وراديته؟ يهمز ولا يهمز؟ إذا رميته. والهون ابن خزيمة؟ بفتح الهاء؟ مشتق من الشيء السهل من قولهم: مر على هونه أي على سكون وهدء، أما الهون؟ بالضم؟ فالهوان، من قوله تعالى ﴿أيمسكه على هون﴾ (النحل:).

وقال أبو بكر: إنما سموا القارة لأن القارة أكمة سوداء فيها حجارة، وكان بعض بني كنانة؟ وهو الشداخ؟ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم:

دعونا قارة لا تنفرونافنجفل مثل إجفال الظليم وهم اليوم في اليمن، وينسبون إلى أسد

وزعموا أن رجلين التقيا، أحدهما قاري والآخر من حي غيرهم فقال القاري: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك، وإن شئت راميتك، فقال الآخر: قد اخترت المراماة، فقال القاري: وأبيك لقد أنصفتني، ثم أنشأ يقول:

قد أنصف القار من راماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها ... ثم انتزع القاري بسهم فشك فؤاده، وكانوا رماة الحدق.

؟ باب المساواة في التكافؤ والأفعال

قال أبو عبيد: قال مؤرخ: من أمثالهم في هذا " أضيء لي أقدح لك " ويقال: أكدح لك، أي كن لي أكن لك.

ع: قوله أقدح لك، هو من قدح النار، ويريد بقوله: أضئ لي: أسرج لي إذا احتجت، أقدح لك ناراً إذا احتجت. فأما من روى أكدح لك. فإن معناه أسعى لك، وكدح الرجل لمعيشته: سعى واكتسب. وقوله تعالى ﴿إنك كادح إلى ربك كدحاً﴾ (الانشقاق:) أي عمله الذي يعمل من خير وشر لنفسه.

وقال أبو زيد، قال العقيلي: إذا طلب الرجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها قال: أضئ لي أقدح لك، أي بين لي أجبك.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المكافأة " إنما يجزي الفتى ليس الجمل " قالها لبيد في شعره.

ع: قال لبيد:

" فإذا أقرضت قرضاً فاجزهإنما يجزي الفتى ليس الجمل "
" وإذا رمت رحيلاً فارتحلواعص ما يأمر توصيم الكسل "
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»
" واكذب النفس إذا حدثتهاإن صدق النفس يزرى بالأمل " وهذه كلها أمثال

قال أبو عبيد: من أمثالهم في المكافأة " هذه بتلك فهل جزيتك ".

وحكى عن المفضل أنه كان يخبر عن قائله أنه يزيد بن المنذر، قاله لعمرو ابن فلان، وهما من بني نهشل في فعلة فعلها به عمرو فجزاه يزيد بمثلها فقال هذه المقالة.

ع: كانت عند عمرو بن جابر بن سلمى بن جندل بن نهشل امرأة له معجبة جميلة، وكان ابن عمه يزيد بن المنذر بن سلمى بها معجباً، فدخل عمرو

ذات يوم بيته فرأى منه ومنها شيئاً كرهه، فطلق المرأة، فمكث يزيدبن المنذر ما شاء الله لا يقدر أن ينظر في وجه عمرو من الحياء، ثم أغير عليهم فركب عمرو فيمن ركب فصرع، وتنازلوا عليه ليأسروه، ورآه يزيد بن المنذر، فحمل عليهم، فصرع بعضهم وأخذ فرس عمرو فاستنقذه، وقال: اركب فانج. فلما ركب، قال: " هذه بتلك، عمرو، فهل جزيتك ".

قال أبو عبيد: في بعض الحديث المرفوع " من أزلت إليه نعمة فليكافئ عليها، فإن لم يقدر فليظهر ثناء حسناً ".

ع: وقد روى مكحول عن عروة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ كثراً ما يقول: ما فعلت أبياتك؟ فأقول: أي أبيات يا رسول الله؟ فيقول في الشكر، فأقول نعم قوله:

إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفهيوماً فتدركه العواقب قد نمى
للشاعر السموأل، من قصيدة «إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه»
يجزيك أو يثني عليك وكل منأثنى عليك بما فعلت فقد جزى

إن الكريم إذا أردت وصاله ... لم يلف رثاً حبله واهي القوى فيقول: يا عائشة، إذا حشر الله الخلائق يوم القيامة فرأى العبد من عباده

اصطنع إليه آخر من عباده معروفاً فيقول: عل شكرته؟ فيقول: يا رب، علمت أن ذلك كان منك فشكرتك، فيقول: لم تشكرني إذا لم تشكر الذي أجريت ذلك على يديه.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.