تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب الثالث

في جماع أحوال الرجال واختلاف نعوتهم وأحوالهم

؟ باب المثل في الرجل البارع المبرز في الفضل

قال أبو عبيد: من أمثالهم في " ما يشق غباره " وأصله في الخيل، قال: وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن قصير بن سعد اللخمي، وكان نهى جذيمة الأبرش أن يصير إلى الزبى فعصاه حتى إذا صار في سلطانها ندم فقال له قصير عند ذلك: اركب فرسي هذا فانج عليه " فإنه لا يشق غباره " فذهبت كلمته مثلاً. ومنه قول النابغة الذبياني لزرعة بن عمرو بن الصعق:

أعلمت يوم عكاظ حين لقيتنيتحت العجاج فما شققت غباري

ع: كثير من العلماء يغلط في جذيمة المذكور فيظنه جذيمة الوضاح، وهو غيره، وجذيمة الوضاح سمي بذلك لوضوح لونه، وهو ابن الحارث بن زرعة بن ذي غيمان بن أخنس بن كبرال بن أصبح بن زيد بن قيس بن صيفي بن زرعة، وهو حمير الأصغر، وهذا نسب عال قديم جداً، والزبى بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوثر؟ بالثاء المثلثة؟ بن غريب بن مازن ابن لأي بن عملية بن هوثر بن العمالق. وهؤلاء عمالقة حمير الذين خرجوا حرجاً من البغي في الحرم لما حاربت قنطورا جرهماً فلحقوا بالشام فتملكوا بها، وأما جذيمة الأبرش فهو ابن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي، كان به نمش وبرص، وهو من ملوك الحيرة، وأول من ملكها من الأزد أبو مالك ثم أخوه عمرو بن فهم ثم ابنه جذيمة بن مالك الأبرش هو الذي ناصب عمرو بن الظرب أبا الزبى فظفر به وقتله، فلم تزل بنته تنصب له الحبائل وتطعمه في نكاحها وترغبه في ملكها مجموعاً إلى ملكه، وقصير ينهاه ويحذره مكرهاً ويذكره وترها، فأبى إلا اتباع هواه في شأنها والنهوض إلى دار سلطانها وذلك بتدمر فلما صار ببقة وكانت الفرز ما بين المملكتين شاور رجاله في المضي لنيته والاستمرار لطيته، فكلهم صوب ذلك إلا قصيراً فإنه استمر على نهيه عنه، قال نهشل بن حري بن ضمرة:

ومولى عصاني واستبد بأمرهكما لم يطع بالبقتين قصير وقال عدي بن زيد:
دعا بالبقة الأمناء يوماًجذيمة ينتحي عصباً ثبيناً
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «دعا بالبقة الأمناء يوما»

فطاوع أمرهم وعصى قصيراً ... وكان يقول؟ لو نفع - اليقينا فلما صار جذيمة في بلاد الزبى قال القصير: ما الرأي؟ قال " ببقة تركت الرأي " فذهبت مثلاً. وقال له: ستلقاك الخيول فإن صارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أحاطت بك فالقوم غادرون، فاركب العصا " فإنه لا يشق غباره " فإني راكبه ومسايرك عليه، فلقيته الخيول والكتائب فأحاطت به وحالت بينه وبين العصا، ونظر الأبرش إلى قصير على ظهر العصا فقال " ويل أمه حزماً على ظهر العصا " فأرسلها مثلاً، فلما وصل جذيمة إلى الزبى كشفت له عن شوارها وقد ضفرت شعرته فقالت: يا جذيمة أشوار عروس ترى؟ قال: ما أرى إلا شوار لخناء.

فأمرت الزبى بفصاده في طست ذهب، تفاؤلاً أن ثأره قد ذهب، وقد قيل لها: إن سقط من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه فلما ضعفت يده سقطت فقطر أمه في غير الطست.

وقال سويد بن أبي كاهل:

وأبو مالك الملك الذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع وخلف جذيمة في ملكه عمرو اللخمي؟ ابن أخته؟ ولم يكن لجذيمة ولد، وهو الذي يقال له فيه " شب عمرو عن الطوق " فانتقل ملك الحيرة من الأزد إلى لخم، فقال قصير لعمرو تأهب واستعدد ولا تطل دم خالك. ولم يزل قصير يعمل الحيلة ويزاول المكيدة؟ في خبر طويل؟ حتى أدرك عمرو بثأر خاله.

والزبى على وزن فعلى مقصور وقد رد العلماء فيه لأنه تأنيث زبان؟ الاسم المستعمل؟ فأما زباء ممدود فإنما تأنيث أزب ولم يستعمل اسماً وإنما هو صفة للكثير شعر البدن، وإذا وصفت الداهية بالشدة قيل داهية زباء. والشاهد لما

قلناه قول عدي بن زيد:

فأضحت من مدائنها كأن لم ... تكن زبى لحاملة جنينا وقال أبو عبيد في البيت الذي تقدم إنشاده للنابغة: فما شققت غباري، قال: ويروى: فما حططت غباري، قلت: وهذا يروى بالحاء والخاء فما خططت غباري؟ بالخاء المعجمة؟ معنى شققت، أي لم تلحق بغباري حتى تدخله فتشقه بدخولك فيه أو تحطه بلحاقك بي، ومن رواه بالحاء المهملة فإن معناه لم يرتفع غبارك فوق غباري فتحطه، وذكر ذلك ابن السيرافي.

قال أبو عبيد: ومن ذلك [قولهم] " جري المذكي حسرت عنه الحمر " أي كمات يسبق الفرس القارح الحمر. وقال زهير:

فضل الجياد على الخيل البطاء ولا ... يعطيك ذلك ممنوعاً ولا نزقا ع: يمدح زهير هرم بن سنان، وقبل البيت:

ليث بعثر يصطاد الرجال إذاما كذب الليث عن أقرانه صدقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

فضل الجياد................. ... .......................

ويروى: ممنوناً ولا نزقا.

قال أبو عبيد: وقال قيس بن زهير لحذيفة بن بدر: " جري المذكيات غلاب ".

ع: قوله غلاب أي كأنها تغالب الجري مغالبة. ويروى: غلاء أي مغالاة في السير. ولما تراهن قيس بن زهير العبسي وحمل بن بدر الفزاري؟ لا حذيفة ابن بدر كما قال أبو عبيد؟ فأرسلا فرسيهما: فرس قيس داحس، وفرس حمل الغبراء وقيل غير ذلك، فلما أحضرا خرجت الغبراء على داحس فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس. فقال قيس " رويداً يعدوان الجدد " فأرسلها مثلاً، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس إلى الغبراء فقال قيس " جري المذكيات غلاب " فذهبت مثلاً، وهذا الرهان جر الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، والله تعالى أعلم.

؟ باب الرجل النابه الذكر الرفيع القدر

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما يوم حليمة بسر ". وكان هشام بن الكلبي يخبر أنها حليمة بنت الحارث بن أبي شمر الغساني. وكان من حديثها أن أباها وجه جيشاً إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم طيباً في مركن فطيبتهم.

ع: الحارث هذا هو الحارث الأعرج ويكنى أبا جبلة، وكان المنذر ابن ماء السماء [اللخمي] غزاه في مائة ألف فرأى الحارث أنه لا قبل له به، فأعمل الحيلة

والمكيدة في أمره، فبعث إليه غلام من أبناء العرب فيهم لبيد بن ربيعة وبعث معهم هدايا وأظهر أنه حباء للمنذر وأن الحارث قد بخع بطاعته، فأحاطوا برواقه، فلما استنام إليهم وغفل، وثبوا عليه فقتلوه وجالوا في متون خيلهم، فنجا أكثرهم وحمل الحارث على العسكر فحطمه، وكانت حليمة بنته قد دلته على هذا الرأي ونبهته على هذه المكيدة فنسب ذلك اليوم إليها. ويقول من لا علم له إنها طيبت المائة الغلام، والملوك لا تمتهن حرمهم هذا الامتهان، بل السوقة تأنف من ذلك وتأباه، فكيف الملوك؟

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيه: " وهل يخفى على الناس النهار ".

ع: هذا عجز بيت للقتال وهي أبيات، قال:

أنا ابن المضرحي أبي سليلوهل يخفى على الناس النهار

علينا سبره ولكل فحلٍ ... على أولاده منه نجار يقول: يلوح علينا كرم نجارنا وشبه آبائنا. قال أبو زيد: السبر ما عرفت به لؤم دابة من كرمها، وأصله من قولهم: سبرت الجرح إذا عرفت مقداره بالميل وهو السبار. وفي الحديث أن أبا بكر قال للنبي ﵊ في حديث الهجرة: لا تدخل الغار حتى أدخله فأسبره قبلك.

؟ باب الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إن البغاث بأرضنا يستنسر " والبغاث: الطير الذي يصاد، واحدته بغاثة. وقال الزبير: البغاث ذكر الرخم، قال الشاعر:

كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر ع: حكى أبو حاتم هذا المثل عن الأصمعي " إن البغاث؟ بكسر الباء؟ بأرضنا تستنسر "؟ بالتاء؟ فقال: هكذا قاله الأصمعي، وذكر ذلك أبو علي في البارع.

وقول الزبير: البغاث ذكر الرخم، قول غريب، وإنما البغاث كل ما يصاد من الطير، والجوارح منها كل ما صاد، والرهام ما لا يصيد ولا يصاد كالخطاف والخفاش، وقول الشاعر: كأن بني مروان إذ يقتلونه، يعني قتل عبد الملك بن مروان لعمرو بن سعيد بن العاص.

قال أبو عبيد: فإن أرادوا أن كل من ناوأنا ذل عندنا قالوا: " لا حر بودي عوف " يقول: كل من صار بناحيته خضع وذل، وذكر عن المفضل خبره.

ع: الذي ذكر أبو عبيد عن المفضل خلاف ما رواه أكثر العلماء وذلفك أن مروان القرظ بن زنباع العبسي الذي يقال فيه: " أعز من مروان القرظ " غزا بكر بن وائل فقصوا أثر جيشه، فأسره رجل منهم يقال له زهير بن أمية بن جشم بن تميم الله بن ثعلبة وهو لا يعرفه فأتى به أمه، فلما رأته يسوق أسيره قالت: إنك لتختال بأسيرك كأنك قد جئت بمروان القرظ. فقال لها مروان: وما ترتجين من مروان؟ قالت: كثرة فدائه، قال: وكم مبلغ رجائك من فدائه، قالت: مائة بعير. قال مروان: لك عندي مائة بعير على أن تؤديني إلى خماعة بنت عوف ابن محلم. قالت: ومن لي بالإبل، فأخذ عوداً من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى خماعة فبعثت به إلى أبيها. ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان وكان عليه واجداً. فقال عوف لرسول الملك: إن خماعة بنتي قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن لا يعفو عنه أو يضع كفه في كفه. فقال عوف: على أن يكون كفي بين أيديهما. ثم حمله إليه على هذه الشريطة، فعفا الملك عنه وقال: " لا حر بوادي عوف ". ووهم أبو عبيد فيما أورده فقال: إن الذي كان يطلبه المنذر بالذحل زهير بن أمية وإنما المطلوب بذلك مروان القرظ، وأسره زهير بن أمية.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العزة قولهم " تمرد مارد وعز الأبلق " وكان المفضل يقول: هذا المثل للزبى الملكة وكانت سارت إلى مارد، حصن دومة الجندل، وإلى الأبلق، حصن تيماء، فامتنعا عليها فعندها قالت " تمرد مارد وعز الأبلق ".

ع: هذا الحصنان كانا للسموأل بن عاديا، وكان مارد مبنياً بحجارة

سود، والأبلق مبني بحجارة سود وبيض فلذلك سمي الأبلق. ودومة الجندل بضم الدال؟ قال أبو بكر ابن دريد: وأصحاب الحديث يقولون بفتحها، وهو خطأ. وقد حكاه غيره؟ وهو على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي من مصر.

؟ باب الرجل الصعب الخلق

الشرس الطبيعة، الشديد اللجاجة

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " لتجدن فلاناص ألوى بعيد المستمر " قال: المفضل فيما بلغني عنه يذكر أن المثل للنعمان بن المنذر، قاله في خالد بن معاوية السعدي، ونازعه رجل عنده فوصفه النعمان بهذه الصفة، فذهبت مثلاً.

ع: الذي نازع خالد بن معاوية بنو غنم، وهو غنم بن دودان بن أسد، وسنذكر خبره بعد هذا إن شاء الله تعالى.

وهذا المثل في رجز لأرطاة بن سهية مشهور، قال:

إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت العين من غير عور
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «إذا تخازرت وما بي من خزر»
ألفيتني ألوى بعيد المستمرأبذى إذا بوذيت من كلب ذكر
أحمل ما حملت من خيرٍ وشروهي طويلة

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " ما بللت منه بأفوق ناصل " وأصله السهم المكسور الفوق، الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك في الرجال.

ع: لم يفسر أبو عبيد قولهم: بللت، يقال: بللت به؟ بكسر اللام؟ أبل، وقال أبو نصر: بللت به فأنا أبل به إذا ظفرت به. قال ابن أحمر:

فبلي إن بللت بأريحيمن الفتيان لا يضحي بطينا وأنشد أيضاً:

ولو ببني ذبيان بلت رماحنا ... لقرت بهم عيني وباء بهم وتري وقال غيره: بلت بمعنى منيت بهم، وعلقتهم، يقال فيه: بلت تبل بلالةً وبلولا، ويقال أيضاً: بللت بفلان بلالةً: منيت به.

قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " وما تقرن بفلان الصعبة " أي أنه يذل من ناوأه.

ع: الذي قاله الأصمعي وغيره في هذا المثل " بفلان تقرن الصعبة ".

وهو الصحيح لا غير، وكذلك رواه الأصمعي، أي أن صعاب الأمور تراض به وتذل بتدبيره كما قال:

إذا القوم قالوا من فتىً لعظيمةٍ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى قال أبو عبيد: عن الأصمعي: ومثله " لقد كنت وما يقاد بي البعير ".

ع: قال محمد بن حبيب: أول من قال هذا المثل سعد بن زيد مناة من تميم وهو الفزر، وكان له بنون: هبيرة وعبشمس وصعصعة أبو عامر بن صعصعة وأمه الناقمية، فكبر سعد حتى كان لا يطيق ركوب البعير، ولا يملك رأسه إلا أن يقاد به فقال يوماً وصعصعة يقوده: " لقد كنت وما يقاد بي البعير ". قال المخبل:

كما قال سعد إذ يقوم به ابنه ... كبرت فجنبني الأرانب صعصعا وكان سعد كثير الشاء فقال يوماً لابنه هبيرة: يا بني، اسرح في معزاك، فقال: " لا أرعاها حتى يحن الضب في آثار الإبل الصادرة " فقال لعبشمس: ارعها، قال: " لا أرعاها سبعين خريفاً " فقال لصعصعة: ارعها، فقال: لا أرعاها ألوة أخي هبيرة "؟ أراد يمين أخي هبيرة؟ فذهبت أقوالهم أمثالاً. فغضب سعد وكظم على ما نفسه ثم ذهب بشائه إلى سوق عكاظ والناس مجتمعون، فنادى: ألا إن هذه معزاي فلا يحل لأحد أن يدع أخذ شاة منها ولا يحل

لرجل أن يجمع بين ساتين، فانتهبها الناس.

وحكى الكلبي أنه قال: من أخذ منها واحدة فهي له ولا يحل لأحد أن يأخذ منها فزراً، وهو الاثنان، فبهذا لقب الفزر وضرب به المثل فقيل: " لا أفعل ذلك معزى الفزر " أي حتى تجتمع. قال شبيب بن البرصاء:

ومرة ليسوا نافعيك ولن ترىلهم مجمعاً حتى ترى غنم الفزر وقال السعدي:
وقد أنهب المعزى فبرت يمينهوما ضر سعداً ماله المتنهب وقد تقدم في اشتقاق الفزر غير هذا

؟ باب الرجل النجيد يلقى قرنه في البسالة والنجدة

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " الحديد بالحديد يفلح " قال الشاعر:

قومنا بعضهم يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد ع: لما خرج الوليد بن طريف الشيباني الشاري على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله، فقال الشاعر، وهو بكر بن النطاح:

وائل بعضها يقتل بعضاًلا يفل الحديد إلا الحديد
لو تلقى الوليد غير يزيدلغدا ظاهراً عليه الوليد
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

ورثته أخته فارعة بنت طريف على ما يأتي ذكره بعد هذا.

قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " النبع يقرع بعضه بعضاً " وهذا المثل لزياد قال في نفسه وفي معاوية.

ع: كان زياد على البصرة والمغيرة بن شعبة على الكوفة. فتوفي المغيرة فخاف زياد أن يولي معاوية مكانه عبد الله بن عامر - وكان لذلك كارهاً؟ فكتب إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة ويشير عليه بولاية الضحاك بن قيس مكانه، ففطن له معاوية وعلم ما أراد فكتب إليه: قد فهمت كتابك فأفرخ روعك أبا المغيرة، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة، قد ضممناها إليك مع البصرة. فلما ورد الكتاب على زياد قال: " النبع يقرع بعضه بعضاً " يثبت بذلك زياد نسبه في بني حرب وأنه ومعاوية من نجار واحد يفهم كل واحد منهما غرض صاحبه ومغزاه. والنبع من أفضل العيدان وأصلبها، وأكرم القسي ما كان من النبع؟ انتهى.

؟ باب الرجل تكون له نباهة الذكر ولا منظر عنده

قال أبو عبيد: [قال الكسائي]: من أمثالهم في هذا " أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ". قال أبو عبيد: كان الكسائي يدخل فيه " أن " والعامة لا تذكر فيه " أن " ووجه الكلام ما قال الكسائي.

قال: وأخبرني [ابن] الكلبي أن هذا المثل إنما ضربوه للصقعب بن عمرو النهدي، قاله فيه النعمان بن المنذر، وهذا على معنى من قال: قضاعة من معد لأن نهداً من قضاعة.

ع: حذف " أن " من المثل أشهر عند العلماء، فيقولون: تسمع بالمعيدي؟ بضم العين؟ وتسمع؟ بنصبها؟ على إضمار أن، وأكثرهم أيضاً يقول: لا أن تراه.

والصقعب لقب واسمه جشم بن عمرو، والصقعب: الطويل.

وقول أبي عبيد: وهذا على معنى من قال قضاعة من معد يريد لقولهم أن تسمع بالمعيدي، وضرب مثلاً أول ما نطق به لنهدي، ونهد من قضاعة. وأهل العلم بالنسب مجمعون على أن معد بن عدنان ولد من المعقبين أربعة: قضاعة وقنصاً وإياداً ونزاراً. فصارت قضاعة إلى اليمن وقالوا:

نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... نحن بنو قضاعة بن حمير النسب المشهور فير المنكر ... والصقعب هذا هو الذي يضرب به المثل فيقال " أقتل من صيحة الصقعب " وزعم ابن النحاس فيما رواه عن رجاله أنه صاح في بطن أمه صيحة سمعت، وأنه صاح بقوم فهلكوا عن آخرهم.

قال أبو عبيد: وأما المفضل فحكي عنه أن المثل للمنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة التميمي، وكان سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه فقال " أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " قال فقال شقة: إن الرجال ليسوا

بجزر تراد منهم الأحجام: " إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه ".

ع: إنما قال له شقة بن ضمرة: أيها الملك إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك يستقى بها الماء، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن قال قال ببيان، وإن صال صال بجنان. ويروى: وإن صمت صمت بجنان، فأعجب المنذر ما سمع منه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة. ومن ولده نهشل بن حري بن ضمرة بن ضمرة شاعر مجيد.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نباهة الذكر من غير قديم قولهم: " نفس عصام سودت عصاماً.

ع: هو عصام بن شهبر حاجب النعمان الذي يقول له النابغة الذبياني:

فإني لا ألام على دخولولكن ما وراءك يا عصام وبعد الشطر الذي أنشده:

وعلمته الكر والإقداما ... وصيرته ملكاً هماما فكل من كان لخارجية ليس له قديم فشرف بنفسه قيل له عصامي.

وقال المأمون لرجل سمعه يفخر وهو ناقص: أنت عظامي لا عصامي؛

أراد المأمون قول الشاعر:

نفس عصام سودت عصاماًوقول الآخر:
إذا ما الحي عاش لعظم ميتفذاك العظم حي وهو ميت وقال أبو الطيب:
إذا لم تكن نفس النسيب كأصلهفماذا الذي تغني كرام المناصب وقال البحتري:
إن النجابة لا يكون تمامهالنجيب قوم ليس بابن نجيب وقال الصابي:
وأحق من نكستهبالصغر من درجاته

من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته قال أبو عبيد: [و] من أمثالهم في الدميم الذي لا منظر له غير أن فيه خصالاً محمودة " هو قفا غادر شر " وذكر خبره.

ع: ويروى " هي قفا غادر شر " لأن القفا يؤنث ويذكر، وكذلك اللسان والمتن والإبط والعاتق والعنق والضرس، فأما الذراع عند بعضهم فيجوز فيها التذكير، ولا يرى ذلك سيبويه ولا يجيزه، والقفا مقصور وقد يمد، قال الشاعر:

قفاؤك أحسن من وجهه ... وأمك خير من المنذر وقفا غادر في موضع نصب على الحال أراد هو شر إذا كان قفا غادر أو إذا صار قفا غادر أي قبح المنظر مع قبح المخبر شر، فهو مبتدأ وشر خبره، وقفا غادر في موضع نصب على الحال، كما تقول: زيد قائماص أحسن منه جالساً. ويحتمل أن يكون " هو " ضمير الأمر والشأن فهو مبتدأ وما بعده جملة في موضع الخبر عنه والتفسير له، أي الأمر الصحيح قفا غادر شر من قفا واف. ويجوز أيضاً على هذا التقدير " هي " على معنى القصة، كما قال تعالى ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ (الحج:).

قال الأصمعي: والمثل لعبيد بن شجنة، قاله في الجاهلية، وقال غيره: المثل لأبي حنبل جارية بن مر الطائي - كان من حديثه أن امرأ القيس نزل به ومعه أهله وماله وسلاحه ولأبي حنبل امرأتان جدلية وثعلية، فقالت الجدلية: رزق الله أتاك، لا ذمة له عليك ولا عقد ولا جوار، فكله وأطعمه قومك. وقالت الثعلية: رجل تحرم بك واستجارك فأرى أن تحفظه وتقي له ماله. فقام أبو حنبل إلى جدعة من الغنم فاحتبلها وشرب لبنها ثم مسح بطنه وقال:

لقد آليت أغدر في جداعوإن منيت أمات الرباع

لأن الغدر في الأقوام عار ... وأن الحر يجزأ بالكراع فقالت الجدلية: ما رأيت كاليوم قفا واف، فقال: " هو قفا غادرٍ شر ".

؟ باب الرجل ذي الدهاء والأرب

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا " إنه لهتر أهتار وإنه لصل أصلال " وأصله من الحيات. شبه الرجل بها.

ع: أما قولهم: هتر أهتار، فإن العرب تقول: فلان هتر أهتار إذا وصف بالنكر أو الدهاء، والهتر: العجب، قال أوس بن حجر:

يراجع هتراً من تماضر هاترا ... وقال اللحياني: يقال إنه لصل أصلال، وضل أضلال؟ بالضاد المعجمة؟ والصل من الحيات: التي لا يبل سليمها، قال الشاعر:

والحية الصل لا تغررك هدأتهفكم سليم وموقوذ لنكزته وقال ابن أخت تأبط شراً:

مطرق يرشح موتاً كما أطرق أفعى ينفث السم صل ... وأما قولهم ضل أضلال؟ بالضاد؟ فمعناه أنه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي من حيث يأتيه ولا يتجه معه لوجه يخلصه منه. وذلك من قولهم: أرض ضل إذا ضللت سالكها، وضل الشيء إذا خفي وغاب وبذلك فسر قوله تعالى ﴿أإذا ضللنا في الأرض﴾ (السجد:) وقيل: معناه إذا هلكنا، وإذا قالوا: فلان ضل؟ بالضم؟ فإنما به المنهمك في الضلال، وهو ضل بن ضل.

فأما شطر بيت أوس بن حجر فإن صلته:

ألم خيال موهناً من تماضراهدوا لم يطرق من الليل باكرا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ألمً خيال موهِناً من تُماضرا»

وكان إذا ما التم منها بحاجة ... يراجع هتراص من تماضر هاترا التم: أي ألم، يقول: إذا ألم به الخيال عاوده الخبال فاضطرب لبه.

وقال ابن الأعرابي: الهتر والهتر؟ بالكسر والضم؟ ذهاب العقل.

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا أيضاً " إنه لداهية الغبر ".

قال الحرمازي للمنذر بن الجارود:

داهية الدهر وصماء الغبر ... ع: قال محمد بن حبيب: الغبر: الماء الذي قد غبر زماناً غير مورود ولا يقربه أحد من أجل هذه الحية.

يقول الحرمازي لابن الجارود في سنة أصابتهم:

أنت لها منذر من دون مضر ... [أنت لها منذر من بين البشر] داهية الدهر وصماء الغبر ... قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " فلان أعلم من حيث تؤكل الكتف ".

ع: معناه أن لحم الكتف إذا أكل من أعلاه تناثر، وإذا أكل من قبل

الغضروف لم يتأت لآكله، وقيل: إن آكل الكتف إذا أمسك منها بطرف الغضروف ربما سقطت فتربت، وإذا أمسكها بالطرف الذي فيه الحق أمن ذلك، فيضرب مثلاً لمن حرب الأمور ودرى مآخذها وعلم مواردها ومصادرها. قال ابن الأعرابي: للكتف مأتى، إذا قشرتها من أسفلها جامعتك وإذا قشرتها من أعلاها تقطع لحمها، وأنشد لأوس بن حجر:

أم دلكم بعض من يرتاد مشتمتي ... فأي أكلة لحمٍ تؤكل الكتف يقول: أنا أعلم كيف أنالكم، والإكلة: الحال التي يؤكل عليها مثل الجلسة والركبة، وأنشد:

إني على ما ترين من كبريأعلم من حيث تؤكل الكتف ؟ باب الرجل الفهم العالم بمغمضات الأمور

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إنه لنقاب " والنقاب: الرجل الفطن الذكي الفهم، ومنه قول أوس بن حجر:

كريم جواد أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب ع: قولهم نقاب أصل هذه الصفة من التنقيب في البلاد والتجريب للأمور.

ومن كلامهم في المجرب الداهي " فلان قد ركب ظهري البر والبحر، وعرف حالي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر "، وقال بعض البلغاء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات ويجوب الفلوات ويحالف الأسفار ويقتات القفار ويصل الليلة باليوم ويعتاض السهر من النوم. وقال أبو الأشعث: النظر كالسيف والتجارب كالمسن. وقيل: مرآة العواقب في يدي ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف نفسه بالتنقيب وشدة التجريب:

سلي هل عمرت القفر وهو سباسبوغادرت ربعي من ركابي سباسبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أأيامنا ما كنت إلا مواهبا»
وغربت حتى لم أجد ذكر مشرقوشرقت حتى قد نسيت المغاربا وقال ايضاً
خليفة الخضر من يربع على وطنفي بلدة فظهور العيس أوطاني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما اليوم أول توديع ولا الثاني»

بالشام أهلي وبغداد المنى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني وكذلك قولهم " فلان باقعة " إنما أصله من حلول البقاع وتطلع البلاد وأهلها.

وقول أوس: أخو مأقط، المأقط: موضع الحرب ومكان رحاها، وقوله: نقاب يحدث بالغائب، يصفه بالذكاء وجودة الحدس وإصابة الظن، كما قال في صفته في موضع آخر:

الألمعي الذي يظن لك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.

وقال بلعاء بن قيس:

وأبغي صواب الظن أعلم أنهإذا طاش ظن المرء طاشت مقادره وقال آخر:
بصير بأعقاب الأمور إذا التوتكأن له في اليوم عيناً على غد وقال شاعر عصره:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهىإلى قول قوم أنت بالغيب عالم [وقال ابن الرومي:

كمال وافضال وبأس ونجدة ... وظن يريه الغيب لا رجم راجم] وقال عمر بن الخطاب ﵁: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه.

وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلا اختلاف الظن، ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأهمل.

قال أبو عبيد: ويقال في نحو منه " إنه لعض " قال القطامي:

أحاديث من عاد وجرهم ضلة ... يورثها العضان زيد ودغفل ع: العض: الرجل المنكر الداهية، وأصله من العض على النواجذ، يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. وفي تحريض علي رضي الله تعالى عنه لأصحابه يوم صفين: عضو على النواجذ من الأضراس فإنه أبر للسيوف

على الهام. والنواجذ أقصى الأضراس وآخرها نباتاً، وهي أربعة، ناجذ في أقصى كل فك. والعرب تسمي الناجذ سن الحلم حتى قالوا: نبت حلمه إذا نبت ناجذه، قال الشاعر وهو النمر بن تولب:

على أنها قالت عشية زرتها ... هبلت ألم ينبت لذا حلمه بعدي وكذلك تسميها الفرس خوذدندان. وزعم قوم أن النواجذ إنما هي الضواحك واحتجوا بحديث النبي ﷺ: أنه ضحك حتى بدت نواجذه، وأقصى الأضراس لا تبدو عند أشد الضحك، فكيف والرسول ﷺ إنما كان ضحكه تبسماً. ومنه قولهم: قد نجذت فلاناً الخطوب إذا أحكمته التجارب. وقال الحارث بن وعلة:

الآن لما ابيض مسربتي ... وعضضت من نابي على جذم ويروى في بيت القطامي: أحاديث من عاد وجرهم جمة. ويروى يثورها وينورها. ومعنى ضلة: لا يهتدى لها. قالت السلكة أم السليك:

ليت شعري ضلةًأي شيء قتلك

ومعنى يشورها: يبعثها من مكامنها، ويبرزها من مظانها، ومعنى ينورها: يبين وجوهها ويكشف ما استتر منها، مأخوذ من النور الذي يجلو الظلمات. وزيد أحد بني هلال بن ربيعة وهو الكيس النمري وكان من أعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة وكان عالماً بأنساب العرب.

وقبل البيت:

ألا عللاني كل حي معللولا تعداني الشر والخير مقبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فإنكما لا تدريان أما مضىمن العيش أم ما قد تأخر أطول أحاديث من عاد وجرهم جمة

قال أبو عبيد: وقال أعرابي لعيسى بن عمر " شهدت عليك بالفقه ".

ع: يريد بالفقه هنا الفطنة من قولهم قد فقه الرجل عنه إذا فهم وفطن لمراده، يقال منه قد فقه؟ بكسر القاف؟ يفقه؟ بفتحها -. وقوله شهدت عليك يريد: شهدت لك. وفي حديث مولد النبي ﵊: ثلاث يشهدن عليه منها أنه طلع نجمه البارحة، ومنها أن اسمه محمد، ومنها أنه ولد في صيابة قومه: يعني يشهدن له، ذكر ذلك أبو محمد بن قتيبة.

؟ باب الرجل الجزل الرأي الذي يستشفى برأيه

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " عنيته تشفي الجرب ".

ع: هكذا قال أبو عبيد، تشفي الجرب؟ بفتح الجيم والراء؟ فيكون انتصابه على إسقاط حرف الصفة، فلما سقط أوصل الفعل فنصب وإنما هو تشفي من الجرب. والذي رواه غيره " عنيته تشفى الجرب " ورواه قوم تشفي الجرب.

قال أبو عبيد: ويقال في مثل هذا " إنه نهاض ببزلاء " ومنه قول الشاعر:

إني إذا شغلت قوماً فروجهم ... رحب المسالك نهاض ببزلاء ع: وقولهم " إنه لذو بزلاء " فسره العلماء على وجهين. قالوا: البزلاء: الرأي الجيد الذي ينشق عن الصواب. مأخوذ من بزل ناب البعير إذا انشقت عنه لثته. قال الراعي:

من أمر ذي بدوات لا تزال له ... بزلاء يعيى بها الجثامة اللبد ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيهاً بالبازل من الإبل الذي كملت سنه واستوفى قوته. والوجه الثاني: أن البزلاء الداهية العظيمة يقال: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقاً للشدائد.

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم [في هذا] قولهم:

" لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما " وذكر خبره وأنه يقال في عامر بن الظرب العدواني، ويقال في أكثم بن صفي، ويقال أول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني:

ع: البيت الذي أنشده للمتلمس جرير بن عبد المسيح الضبعي، سمي المتلمس بقوله:

فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس وذكر الرواة فيمن قرعت له العصا رابعاً لم يذكره أبو عبيد وهو عمرو بن حممة الدوسي، وهو من حكام العرب وكهانها وذوي الرأي منها، وقيل إن الذي كان يقرع للرابع منهم المجن.

وبعد بيت الملتمس:

ولو غير أخوالي نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما وكان الملتمس قد نشأ في أخواله؟ بني يشكر؟ حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل عمرو بن هند الحارث بن قتادة بن التوأم اليشكري عن نسب الملتمس فقال: أواناً يزعم أنه من ضبيعة أضجم، وأواناً يزعم أنه من بني يشكر فقال عمرو: ما هو إلا كساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك الملتمس فقال في ذلك هذه الكلمة، وفيها:

أحارث إنا لو تشاط دماؤنا ... تزايلن حتى ما يمس دم دما ؟ باب الرجل يصيب بالظنون حتى كأنه يرى الظن عياناً

قال أبو عبيد: من أمثالهم [في هذا] " إنه لألمعي "، وأنشد بيت أوس بن حجر وقد تقدم إنشاده.

ع: اشتقاق الألمعي من اللمعان كأن الأمور تلمع له وتبين، وكأن مغيبها يشف له ويظهر.

قال أبو عبيد: ويروى في حديث مرفوع: لم تكن أمة إلا وفيها محدث

فإن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر بن الخطاب.

ع: ويروى من طرق مختلفة عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون؟ وفي رواية: رجال يكلمون؟ من غير أن يكونوا أنبياء. فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر. ويروى: لم تكن أمة إلا وفيها مروعون فإن يكن في هذه الأمة مروع فإنه عمر بن الخطاب.

المروع: الذي يلقى الصواب والحق في روعه إلهاماً من الله تعالى. من ذلك أن سارية بن زنيم كان في جيش للمسلمين في بعض ثغورهم فألقى الله تعالى في روع عمر وهو يخطب بالناس بالمدينة أن العدو قد نهد إلى المسلمين، واشتد الخطب عليهم، وكان المسلمون بحضرة جبل، فقطع عمر الخطبة ونادى: يا سارية الجبل الجبل. فأسمع الله سارية، وانحاز بالمسلمين إلى الجبل فتخلصوا. وقد قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله، لو تطوقنا بين الصفا والمروة فأنزل الله ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (البقرة:)، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة فقلت: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ عنزلت هذه الآية (التحريم:) ؟ رواه

حميد عن أنس عن عمر.

وقد تقدم من ذكر الإصابة بالظن قبل هذا ما أغنى عن الإعادة.

قال أبو عبيد: ومن هذا مقالة عمرو بن العاص وقد اعتزل الناس آخر خلافة عثمان، فلما بلغ حصره ثم قتله قال: أنا أبو عبد الله " إذا حككت قرحةً أدميتها ".

ع: المعروف من الرواية في هذا: إني إذا نكأت قرحة أدميتها. وكان سبب حقد عمرو بن العاص على عثمان ﵁ أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري كان من فرسان قريش المعدودين فيهم، وكان على ميمنة عمرو بن العاص في افتتاحه مصر وفي حروبه كلها هنالك، فلما عزل عثمان عمراً عن مصر ولاها عبد الله بن سعد؟ وكان أخا عثمان من الرضاعة أرضعت أمه سبع وعشرين، فاعتزل عمرو بن العاص بفلسطين وجعل يطعن على عثمان ويؤلب عليه ويسعى في إفساد أمره ولا يألو في ذلك جهداً، فلما بلغه قتل عثمان [﵁] قال: أنا أبو عبد الله إني إذا نكأت قرحة أدميتها.

قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا " الأمور تشابه مقبلة ولا يعرفها إلا ذو الرأي؛ فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل ".

ومن قول الشاعر:

تشابه أعناق الأمور بوادياً ... وتظهر في أعقابها حين تدبر ع: ومن هذا قول الشاعر وهو يبين الغرض فيه:

لا يحذرون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا يقول: بعد إدباره، وهذا هو الرأي الدبري عندهم وهو الذي لا يظهر إلى صاحبه إلا بعد إدباره الأمر، وأحسن من البيت الذي أنشده أبو عبيد وأسير ي الأمثال قول الشاعر:

تبين أعجاز الأمور مواضيا ... وتقبل أشباهاً عليك صدورها ؟ باب الرجل المجرب الذي قد جرسته الأمور وأحكمته

قال أبو عبيد: قال أبو زيد والأصمعي جميعاً في مثل هذا " إنه لشراب بأنقع " أي أنه معاود للخير والشر. قال: وأخبرني بعض علمائنا أن ابن جريج قاله في معمر بن راشد.

ع: قال أبو محمد: الصحيح في تفسير هذا المثل أن الطائر إذا كان حذراً منكراً لم يرد المياه التي يردها الناس لأن الأشراك تنصب بحضرتها وإنما يرد

المناقع التي في الفلوات. والأنقع: جمع نقع وهو الماء المستنقع.

وقال طاهر بن عبد العزيز: حدثنا الكشوري عبيد بن محمد حدثنا محمد ابن عبد الله بن القاسم أخبرنا عبد الرزاق عن رباح بن زيد قال: سألت ابن جريج عن آية وقلت إن معمراً أخبرني بكذا فقال: " إن معمراً شرب العلم بأنقع ". قال عبد الرزاق: الأنقع الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء.

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ويقال في نحو منه " فلان مؤدم مبشر ". وهو الذي قد جمع ليناً وشدة مع المعرفة بالأمور. قال: وأصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة باطنه وهو الذي يلي اللحم، والذي يردا به أنه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة.

ع: اختلف العلماء في الأدمة والبشرة فقال الأصمعي ما ذكره أبو عبيد، وقال أبو زيد: البشرة باطن الجلد، وقال ابن الأعرابي: البشرة والأدمة جميعاً ظاهر الجلد. نقل ذلك عنهم ثابت بن عبد العزيز. وقال أبو حاتم أيضاً في معنى المثل يقال: " إنما امرأة فلان المؤدمة المبشرة " يراد به التامة في كل وجه، وقال ابن الأعرابي: هي التي حسن منظرها وصح مخبرها، نقل ذلك عنه أبو علي.

؟ ؟ باب الرجل الذي قد حنكته السن مع الحزامة والعقل

قال أبو عبيد: وذكر رهان قيس [وحذيفة؛ قال: و] حذيفة القائل في هذا الرهان: خدعتك يا قيس، فقال قيس: " ترك الخداع من أجرى من المائة ".

ع: قد تقدم ذكري لهذا الرهان وأن المشهور عند العلماء أن الرهان بين قيس وحمل بن بدر؟ لا حذيفة أخيه؟ وقوله: من أجرى من المائة، يريد: مائة غلوة، والغلوة من موقف الرامي إلى مسقط سهمه، يريد أن من أرسل من مائة غلوة فقد كشف أمره ولم يخادع.

قال الأصمعي: وأصل ذلك أن أحد المخاطرين في غبراء وداحس قال لصاحبه: الغاية على حكمي، قال: نعم، قال: فالغاية مائة، قال: تخدعني ؟ قال " ترك الخداع من أجرى من المائة ".

قال أبو عبيد: قال حارثة بن سراقة الكندي حين منعوا الصدقة أيام الردة:

؟؟؟؟ يمنعها شيخ بخديه الشيب ... لا يحذر الريب إذا خيف الريب فامتدح هاهنا بالسن، وقال آخر في طعنة طعنها:

فلم أرقه إن ينج منها وإن يمتفطعنة لا غس ولا بمغمر
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «عشية غادرتُ الحليس كأنه»

فالغس: اللئيم، والمغمر: الذي لا تجارب له ولا سن.

ع: قوله أيام الردة: هكذا رويت بالكسر، وقال أبو جعفر ابن النحاس سمعت الأخفس يقول: أختار الفتح في ذلك لأن العرب لم يكن ارتدادها إلا مرة، فالفتح أجود.

وقوله: فامتدح هاهنا بالسن: للعرب في ذلك مذهبان: فإذا أرادوا الحزامة وحسن التدبير في الحروب وثبات الأقدام والوطأة إذا اشتدت الخطوب، فإنما يذكرون أهل السن والتجربة، لأنهم أهل الحفائظ والاستبصار وهم أجدر بالحياء من الأغرار ولذلك قال علي بن أبي طالب؟ ﵁؟ رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.

وقال أبو الطيب:

سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد وإذا أرادوا شدة المسارعة وحدة المضاربة والإعراض عن ذكر العواقب واطراح ذلك بجابن، ذكروا أهل الشباب والفتوة، كما قال عامر بن الطفيل للنبي ﷺ: والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً. فأما قول قطري:

ولقد أراني للرماح دريةًمن عن يميني مرةً وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دميأكناف سرجي أو عنان لجامي
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام فإنه يحتمل معنيين: أحدهما ظاهر جلي، والثاني غامض خفي. أما الجلي فإنه يقول إنه انصرف جذع البصيرة مستمر المريرة لم يفل عزمه ولا ضعفت نيته بما أصيب من جسمه من الخيل الذي كملت سنه وتناهت قوته، وأما المعنى الخفي فإنه يقول: ثم انصرفت وقد أصبت؟ أي قتلت أعدائي ونكيت؟ ولم أصب أي لم ألف على هذه الحال، أي لم ألف جذع البصيرة قارح الإقدام بل ألفيت قارح البصيرة جذع الإقدام لأن بصيرة القارح المجرب المنجذ هي التي لا تستحيل ولا تضطرب. وأما بصيرة الجذع أي الصبي فلا تثبت ولا تدوم، وألفيت جذع الإقدام أي شديده ماضيه، لا ينثني ولا يردعه شيء على نحو ما قدمان من مذهب من ذكر الشباب وأهل الغرارة في الحروب. ويعضد هذا المعنى على [المعنى] الأول الجلي ويؤيده أنه يستحيل أن يقول: ولم أصب أي لم ينل مني وهو قد قال قلبه:

حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكناف سرجي أو عنان لجامي فهذا نقض وإبرام ونفي وإيجاب وسوفسطانية صحيحة. والحجة للقول الأول أنه أراد بقوله: لم أصب: لم أقتل أي انصرفت وقد قتلت فيهم وسلمت منهم كما تقول: أصيب فلان يوم كذا أي قتل، يريدون: أصيبت نفسه، كما قال النبي ﷺ لجيش الأمراء: أميركم زيد فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فعبد الله ابن رواحة، فأصيبوا كلهم. وحجة أصحاب المقالة الثانية: وكيف يسوغ له أن يقول ولم أقتل وهو ينشد شعره ويخاطبهم بلفظه. والعرب تقول: أصيب

فلان، في كل ما يكره أن يناله. قال الله تعالى ﴿ما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ (الحديد:) وقال: ﴿الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (البقرة:).

وقول الشاعر الذي أنشده أبو عبيد:

فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت.......... (البيت) الشاعر [هو] زهير بن مسعود، وقبل البيت:
عشية غادرت الحليس كأنهعلى النحر منه لون برد محبر
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «عشية غادرتُ الحليس كأنه»
جمعت له كفي بلدنٍ يزينهسنان كمصباح الدجى المتسعر
للشاعر الأعسر الضبي، من قصيدة «عشية غادرتُ الحليس كأنه»

فلم أرقه.............. ... ....................... كانت العرب تزعم أن الرجل إذا طعن آخر فنفث عليه الطاعن ورقاه، أن المطعون يبرأ من طعنته، قال عنترة:

فإن يبرأ فلم أنفث عليهوإن يفقد فحق له الفقود وقال آخر، وهو ثعلب بن عمرو الشيباني:
فأتبعته طعنةً ثرةًيسيل على النمحر منها صبيب
فإن ينج منها فلم أرقهوإن قتلته فجرح رغيب

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نعت الرجل الحازم " إذا تولى عقداً أحكمه " ومنه قول الشاعر:

وما عليك أن يكون أزرقا ... إذا تولى عقد شيءٍ أوثقا ع: هذان الشطران للأحنف بن قيس، والعرب تكني بالزرقة عن اللؤم، يقول: وما عليك أن يكون لئيماً ولكنه إذا تولى عقداً أحكمه.

وقال الشاعر في زرقة اللئيم:

لقد زرقت عيناك يابن مكعبرٍ ... كذا كل ضبي من اللؤم أزرق وقال الشماخ، وقيل أخوه مزود، يرثي عمر بن الخطاب [﵁]

وما كنت أخشى أن تكون وفاتهبكفي سبنتى أزرق العين مطرق ؟ باب ذكر الغيران الدافع

عن حرمته مع ذكر ما يخاف من الفتنة فيهن

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.