تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

﷽

الحمد لله ولي الحمد وأهله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وصفوته من رسله.

أما بعد: فإني تصفحت كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام فرأيته قد أغفل تفسير كثير من تلك الأمثال فجاء بها مهملة، وأعرض أيضاً عن ذكر كثير من أخبارها فأوردها مرسلة، فذكرت من تلك المعاني ما أشكل، ووصلت من تلك الأمثال بأخبارها ما فصل، وبينت ما أهمل، ونبهت على ما ربما أجمل، إلى أبيات كثيرة غير منسوبة نسبتها، وأمثال جمة غير مذكورة ذكرتها، وألفاظ عدة من الغريب فسرتها، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وقد رتبته على عشرين باباً يتفرع منها أبواب في محالها:

الباب الأول: في حفظ اللسان، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثاني: في معايب المنطق، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثالث: في جماع أحوال الرجال واختلاف نعوتهم وأحوالهم، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الرابع: في تعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض، ويتفرع منه أبواب.

الباب الخامس: في مكارم الأخلاق، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب السادس: في الجود والمجد.

الباب السابع: في الخلة والصفاء، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثامن: في المعاش والأموال، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب التاسع: في العلم والمعرفة، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب العاشر: في شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الحادي عشر: في الحوائج، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثاني عشر: في الظلم، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثالث عشر: في المعايب والذم، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الرابع عشر: في الخطأ والزلل في الأمور، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الخامس عشر: في البخل وصفاته وأشكاله، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب السادس عشر: في صنوف الجبن وأنواعه، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب السابع عشر: في مرازي الدهر، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب الثامن عشر: في الجنايات، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب التاسع عشر: في منتهى التشبيه، ويتفرع منه أبواب في معناه.

الباب العشرون: في اللقاء والنفي للناس والطعام، ويتفرع منه أبواب في معناه.

فأقول: حدثنا أبو مروان ابن حيان، قال: أخبرنا أبو عمر أحمد بن أبي الحباب قال: أنبأنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أنبأنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز وثابت بن أبي ثابت قالا: أنبأنا أبو عبيد القاسم بن سلام الخزاعي قال: هذا كتاب الأمثال وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت فيها.

ع: المعارضة هنا من الذي ورد: في المعارض مندوحة عن الكذب،

وهي الكلام الذي يفهم عنك منه خلاف ما تضمره لاحتماله معنيين، وهذا هو اللحن عند العرب، تقول: لحنت له لحناً، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره، وقد لحنه إذا فهمه، وهو الذي أراد مالك بن أسماء بن خارجة بقوله:

وحديثٍ ألذه هو مماتشتهيه النفوس يوزن وزنا

منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً، وخير الحديث ما كان لحنا أي تعرض به في حديثها وتزويه عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون.

ومن المعارض ما روي عن النبي ﷺ أنه حين هاجر إلى المدينة مخفياً لشأنه عن قريش نزل منزلاً، فمر به قوم يؤمون مكة ومعه أبو بكر، فقال لهما القوم: من أين أنتما؟ قال رسول الله ﷺ: نحن من ماء من المياه، فقال القوم: هما من بعض مياه العرب. وإنما أراد النبي ﵇ قول الله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماءٍ دافق﴾ (الطارق:) فلحن لهم بذلك ليخفى أمره، وصدق كما قال ﵇: إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً. وقال لامرأة من العرب: " إن الجنة لا تدخلها العجز " ففزعت وبكت، أراد النبي ﵇ قوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاءً، فجعلناهن أبكاراً، عرباً أتراباً﴾ (الواقعة:)، وأهل الجنة أجمعون/ شبان لا يهرمون.

وحضر باب عبد الملك بن مروان ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازياً، فقال التميمي للنميري: انظر ما أحمق هذا البازي، ففهم النميري ما أراد فقال له: نعم، وهو يصيد القطا:

أراد التميمي قول جرير:

أنا البازي المطل على نميرٍأتيح من السماء له انصبابا وأراد النميري قول الطرماح:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت قال أبو عبيد: وكان ما دعانا إلى تأليف هذا الكتاب وحثنا عليه ما روينا من الأحاديث المأثورة عن النبي ﷺ.

ع: المأثورة هي المحمولة المروية، يقال هذا الحديث مأثور عن فلان، وهو يأثره عنه أي يحمله ويحكيه، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿أو أثارة من علم﴾ (الأحقاف:) وروى الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: سمعني النبي ﷺ أحلف بأبي فقال: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " فما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً، يعني أنه لم يأثر ذلك عن غيره، أي يحيكه عنه، لئلا يجري على لسانه. وقال الأعشى:

إن الذي فيه تناويتما ... بين للسامع والآثر قال أبو عبيد: ومن أمثاله أيضاً قوله ﷺ: " مثل المؤمن كمثل الخامة من الرزع تمليها الريح مرةً هاهنا، ومرةً هاهناك، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة ".

ع: لفظ الحديث تمليها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ويروى: تفيئها؛ والخامة: الغضة من الزرع أول ما تستقل على ساق، وألفه منقلبه عن ياءٍ.

وقال أبو عبيد: هي الغضة الرطبة، وأنشد:

إنما نحن مثل خامة زرعٍفمتى يأن يأت محتصده والبيت للطرماح، أخذه ابن مناذر فقال:
وأرانا كالزرع يحصده الده؟ر فمن بين قائمٍ وحصيد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وكأنا للموت ركب مخبو ... ن سراعاً لمنهل مورود والأرزة: شجرة معروفة وهي من أصلب الخشب؛ قال أبو عبيد: وأهل العراق يسمونها الصنوبر، وإنما الصنوبر ثمر الأرز. والمجذية: الثابتة القائمة، وكل ثابت على شيء فقد جذا عليه وأجذى، قال الشاعر:

إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ... وصناجة تجذو على كل منسم والانجعاف: السقوط والانقلاع معروف، يقال جعفت الرجل: إذا صرعته؛ ومعنى الحديث، والله أعلم، أنه شبه المؤمن بالخامة التي تمليها الريح لأنه مرزأ في نفسه وأهله، وولده وماله، وأما الكافر فمثل الأرزة التي لا تمليها الريح، والكافر لا يرزأ شيئاً حتى يموت، وإن رزئ لم يوجد عليه، فشبه موته بانجعاف تلك حتى يلقى الله بذنوبه كملا؛ ويروى حتى يكون انخعافها مرة، بالخاء المعجمة، والانخعاف والانخفاع: الضعف من جوع أو مرض.

قال أبو عبيد: ومنها قوله: ﷺ حين ذكر الفتن والحوادث التي تكون في آخر الزمان، فقال له حذيفة بن اليمان: أبعد هذا الشر خير؟ فقال: " هدنة على دخن وجماعة على أقذاءٍ "؛ >. قال أبو عبيد: فقد علم أن الأقذاء إنما تكون في العين أو في الشراب، وأن الدخن إنما يكون من الدخان، فجعل ذلك رسول الله ﷺ مثلاً لنغل القلوب وما فيها من الضغائن والأحقاد.

ع: الدخن ليس في معنى الدخان كما قال أبو عبيد، وإنما الدخن فساد في القلب عن باقي عداوة، وبهذا فسر حديث النبي ﷺ، ولا مدخل هنا لاستعارة الدخان، والدخن لغة في الدخان وكذلك الدخ، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لابن صياد: " قد خبأت لك خبئاً فما هو؟ قال: الدخ. فقال رسول الله ﷺ إخسأ فلن تعدو قدرك " وكان قبض من دخان مر به بيده. وقال الداوودي: ويقال إنه خبأ له سورة الدخان.

قال أبو عبيد: ومنها حديثه ﷺ حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم " أو جمال فقد تؤول بصاحبها إذا سلك بها غير القصد إلى سوء المغبة، كما أن آكلة الخضر من الماشية إذا لم تقصد في مراعيها آل بها ذلك إلى أن تستوبله حتى تحبط منه بطونها فتهلك>.

ع: فسره أبو عبيد ولم يبين معنى الحبط، وهو داء يصيب الماشية عن كثرة أكل الكلأ حتى تنتفخ بطونها فتمرض عنه. يقال منه: حبط بكسر الباء، يحبط بفتحها، حبطاً بفتح الباء أيضاً، فهو حبط، والحبط: لقب الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وهو أبو الحبطات، قيل إنه لقب بذلك لعظم بطنه، وقيل إنه كان في سفر فأصابه مثل هذا، وقوله: أو يلم، معناه أو يدني من الموت. قال الشاعر:

وزيد ميت كمد الحبارىإذا زارت قريبة أو ملم أي مقارب للموت

قال أبو عبيد: ومنها قوله ﷺ لأبي سفيان بن حرب: " أنت يا أبا سفيان: كما قيل: كل الصيد في جوف الفرإ " أي إنك في الرجال كالفرإ في الصيد، وهو الحمار الوحشي، قال له ذلك يتألفه على الإسلام.

ع: استأذن أبو سفيان على رسول الله ﷺ فتأخر أذنه فلما دخل عليه قال: ما كدت تأذن لي حتى أذنت لحجارة الجلهتين، ويروى الجلهمتين، فقال له رسول الله ﵇ هذه المقالة استئلافاً له، وقد روي أن رسول الله إنما قال

هذا المثل لأبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب لا لأبي سفيان ابن حرب. وأصل هذا المثل فيما ذكر أبو عبيدة أن قوماً خرجوا يصيدون، فصاد أحدهم ضباً، وصاد الآخر يربوعاً، وصاد الثالث أرنباً، فجعلوا يفخرون بما صادوا وجاء أحدهم قد صاد جحشاً فقال: كل الصيد في جوف الفرا، قصور على مثال فرع وجمعه فراء بالمد على مثال فراع، قال الشاعر:

بضربٍ كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها وقد تغفل الأصمعي أبا عمرو الشيباني فقال له: ما معنى قول الشاعر:

" بضربٍ كآذان الفراء فضوله ": ... وجعل يجر يده على فراء كانوا يجلسون عليها، فقال: هي هذه، فقال له الأصمعي: أخطأت يا أبا عمرو.

قال أبو عبيد: ومنها قوله ﵇ حين ذكر الضرائر قال: " ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفيء ما في صحفتها "، فقد علم أنه لم يرد الصفحة خاصة، إنما جعلها ثلاً لحظها من زوجها (يقول: إنه إذا طلقها لقول هذه كانت قد أمالت نصيب صاحبتها إلى نفسها).

ع: يروى هذا الحديث لتكتفيء ما في صحفتها ولتكفأ ما في صحفتها، ويروى ما في إنائها، يقال: كفأت الإناء أكفؤ كفأ إذا قلبته، ويقال أيضاً

أكفأته، وكفأته أفصح، وأكفأت في الشعر لا غير، إذا قلت شيئاً مرفوعاً وآخر مخفوضاً.

وهذا حديث صحيح، رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها، ذكر ذلك في باب جامع ما جاء في القدر، والعرب تضرب انكفاء وإراقته مثلاً لخلو موضع صاحبه بذهاب أو موت، قال الأعشى:

رب رفدٍ هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشرٍ أقتال الرفد: القدح العظيم، يقول: قتلت أربابها فكانت تلك إراقتها، وقيل إنه أراد ذهبت بإبلهم فصرفت أقداحهم من اللبن.

وقال أبو قردودة يرثي ابن عمار وكان حذره صحبة النعمان بن المنذر، فقال لما قتله النعمان:

يا جفنةً كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبره وهو معنى قول امرئ القيس في أحد الوجهين:

فأفلتهن علباء جريضاًولو أدركنه صفر الوطاب

قال النمر بن تولب:

فإن ابن أخت مصغىً إناؤهإذا لم يزاحم خاله بابٍ جلد فضرب إصغاء الاناء للهضيمة والوضيعة

قال أبو عبيد: ومنها قوله ﵇ حين ذكر الغلو في العبادة فقال: " إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " يقول إن هذا الذي كلف نفسه فوق طاقتها من العبادة، بقي حسيراً كالذي أفرط في إغذاذ السير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره.

ع: أورد أبو عبيد هذا الحديث محذوف الصدر وبه يفهم معناه: روى غير واحد عن ابن المنكدر عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفقٍ ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ".

يقال: أوغل في الأرض يوغل إيغالاً إذا أبعد، ووغل بين الشجر إذا توارى يغل وغولاً، وكذلك إذا دخل بين قوم ليس منهم، وبذلك سمي الواغل وهو الذي يشرب مع القوم ولا ينفق ويقال لشربه الوغل، قال الشاعر:

إن أك مسكيراً فلا أشرب ال؟وغل ولا يسلم مني البعير
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إِن أك مسكيرا فلا أَشرب الو»

وقد يسمى الواغل أيضاً وغلاً، وقال الآخر:

فجاء بها كيما يوفي حجةنديم كرامٍ غير نكسٍ ولا وغل وقال امرؤ القيس في الواغل:
فاليوم أشرب غير مستحقبٍإثماً من الله ولا واغل وكل منقطع منبت، والبت: القطع، قال الشاعر:

فبت حبال الوصل بيني وبينها ... أزب ظهور الساعدين عذور والعذور: السيء الخلق. ومن هذا قولهم: طلق ثلاثاً بتاً امرأته.

قال أبو عبيد: ومنه قوله ﷺ: " إياكم وخضراء الدمن " قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت لسوء "؛ فقد علم أنه ليس هناك قيد، ولكنه جعل منع الايمان إياه تقييداً، ثم قال: " الحرب خدعة ".

رأينا في الحاشية على كتاب الأمثال بخط المهلبي ما صورته: قال أبو محمد سلمة من قال الحرب خدعة فمعناه أنه من خدع خدعةً فزلت قدمه عطب، فليس له إقالة، ومن قال خدعة أي أنها تخدع أهلها، ومن قال خدعة فهي تخدع، وإذا خدع أحد الفريقين صاحبه فكأنما خدعت هي.

قال أبو عبيد الله الزبيري: هي عندنا خدعة، وحدثنا قال: حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال سمعت رسول الله عليه الصلاة السلام يقول: الحرب خدعة، قلت: أتراها محكية؟ قال: نعم>.

ع: الدمن جمع دمنة وهي المواضع الذي يجتمع فيه الغنم، فتتلبد فيه أبوالها وأبعارها، وقد دمنت الغنم المكان تدميناً إذا بولت فيه وبعرت، فضرب النبي ﷺ الدمنة مثلاً لخبث المنبت، وجودة النبات مثلاً لحسن المرأة، وكانت العرب تقول في النهي عن مثل هذا المنكح: لا تنكحها حنانة ولا منانة ولا أنانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا، فعشبة الدار هي خضراء الدمن، لأن السوام من الإبل والبقر والغنم وغيرها إنما يكون مراحها بأفنية الدور، ومعنى حنانة أن يكون لها ولد من غيرك فهي تحن إليه، ومعنى أنانة أنها تئن شوقاً إلى زوجها الأول، ومعنى منانة أنها تملك عليك بمالها، ومعنى كية القفا أن زوجها يمر بالقوم فإذا وليّ قال أحدهم: فعلت بامرأة هذا، وكان من شأن امرأة هذا كذا.

قال أبو عبيد: وقال أيضاً ﷺ: " إن من البيان لسحرا ".

ع: لما سأل النبي ﵇ عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: هو مانع لحوزته، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: أما إنه قد علم أكثر مما قال: ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما إذ قال ما قال فوالله ما علمته إلا ضيق الصدر، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى. فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الانكار في عيني رسول الله، عليه أكمل التحية، قال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما ذكبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال النبي ﵊: إن من البيان لسحراً. والناس يتلقون هذا الحديث على أنه في مدح البيان ويضمنونه كتبهم على هذا التأويل، وتلقاه العلماء على خلاف ذلك: بوب مالك ﵀ في موطأ " باب ما يكره من الكلام " ثم ذكر عن زيد بن أسلم أنه قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال التبي ﵇: " إن من البيان لسحراً "، أو إن بعض البيان لسحر، وهو الصحيح في تأويله لأن الله تعالى قد سمى السحر فساداً فقال: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ (يونس:).

قال أبو عبيد: ومنها قوله في أهل الإسلام وأهل الشرك: " لا تتراءى ناراهما "

ع: أول هذا الحديث: " أنا بريء من كل مسلمٍ مع مشركٍ، لا تتراءى

ناراهما ". معناه بريء من كل مسلم يوالي مشركاً، وقوله: لا تتراءى ناراهما جملة مستأنفة منقطعة مما قبلها، ولفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام والنهي كما قال زهير:

القائلين يساراً لا تناظره ... عشاً لسيدهم في الأمر إذ أمروا أراد: لا تناظره، وجعل النهي للنار، وهو يريد أهلها، كما قال النبي ﷺ وقد نظر إلى جبل أحد: " هذا جبل يحبنا ونحبه " وهو يريد أهله. وفي هذا الحديث وجوه من التأويل، أحدهما: أن معناه لا يستوي حكماهما. وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا ناراً كان منهم بحيث يراها. وذكر بعض أهل العلم واللغة قال: معناه لا يتسم مسلم بسمة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول: ما نار بعيرك؟ أي ما سمته، ومنه هذا قولهم: نجارها نارها أي ميسمها يدل على كرمها وعتقها. قال الراجز:

قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقول: لما عرفت سماتها سقيت لكرامة أهلها وعزهم.

قال أبو عبيد: وقال ﵇: " للعاهر الحجر "، وقال: " لا ترفع عصاك عن أهلك "، فقد علم أنه لم يرد ضربهن بالعصا، إنما هو الأدب. وكذلك الحجر، إنما معناه أنه لا حق له في نسب الولد.

ع: قال النبي ﵇: " الولد للفراش وللعاهر الحجر "، والفراش: الأم، يقال للنساء: المفارش، وفلان كريم المفارش أي كريم النساء، والعاهر: الزاني، والعَهْر والعَهَر والعهارة: الزنا، وللعاهر الحجر أي الخيبة، أي لا حظ له في الولد، يقال للخائب من الشيء يريده أو لمن يدعى عليه بالخيبة: بفيه الحجر وبفيه الكثكث والأثلب، أي التراب، وقال حميد بن ثور:

جلبانة ورهاء تخصي حمارهابفي من بغى خيراً لديها الجلامد وقال آخر:

بفيك مما طلبت الترب والحجر ... قال أبو محمد: لم يرد ﵇ أن يدفع إلى العاهر حجر، وإنما يريد أنه لا شيء له إلا ما يهينه ولا ينفع، فقيل له إذا طلب الولد: الحجر لك. قال: وعلى هذا يتأول قوله ﷺ: " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " معناه: أن يقال للمادح بالباطل: بفيك التراب، وعلى معنى التغليظ عليهم، والعصا كناية عن الأدب كما قال أبو عبيد، قال الراعي يصف راعيه:

ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أقحل الناس إصبعاً يعني أنه لين عليها، رفيق بها، وهو معنى قول النبي ﷺ في أبي جهم: لا يرفع عصاه عن أهله.

وتفاخر رجلان من بني هلال يصفان النعم فقال أحدهما: والذي لا إله إلا هو ما تخذت فيها عصاً قط غير هذه منذ شببت، ولا فارقتني فما انكسرت، قال له صاحبه: تعسفت بها، والذي لا إله إلا هو ما اتخذت فيها عصاً غير يدي.

وقال الراجز:

دعها من الضرب وبشرها يدي ... ذاك الذياد لا ذياد بالعصي وقوله: " ترى له عليها إذا ما أقحل الناس أصبعاً " يعني أثراً حسناً يدل على حسن رعيته.

قال أبو عبيد وفي حديث مرفوع: " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ".

ع: هذا من حديث شعبة عن الحكم، سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل، قال: قلت يا رسول الله، إنا لنؤاخذ بما نتكلم به ؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ " قال الخليل: ويروى حصاة ألسنتهم.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.