تجاوز إلى المحتوى

من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

بقية (المجلس الثامن والسبعون)

وغطاها كما يغطي السحاب السماء وقد فعلت العرب ذلك في أشعارها ولا سماه لذلك سحاباً جعله يستسقي فيسقى مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهي في الجو وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسحاب الساقي عال عليها. فأما استسقاء الطير فجار على العرب في استعارة هذه اللفظة تعظيماً لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة يطلب أن يفك أخوه شأس من الأسر يخاطب

بذلك ملك الشام.

وفي كل حي قد بنعمةوحق لشأس من نداك ذنوب

وأصل الذنوب الدلو العظيمة، وقيل للنصيب ذنوب في قوله تعالى: (فإنَّ للَّذينَ ظلموا ذنوباً مثلَ ذنوبِ أصحبهمْ) لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوباً وهذا ذنوباً. وقال رؤبة:

يا أيها المائح دلوي دونكماأني رأيت الناس يحمدونكما

وهما لم يستقيا في الحقيقة ماء وإنما استطلق أحدهما أسيراً وطلب الآخر عطاء ولذلك قال أبو تمام:

... بعقبان طير في الدماء نواهل.

والنهل لا يكون إلا من المشروب دون المطعوم وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى فغيره وألطف فجاء كالمعنى المخترع قال:

يفدى أتم الطير عمرا سلاحهنسور الملا أحداثها والقشاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»
وما ضرها خلق بغير مخالبوقد خلقت أسيافه والقوائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وذكر الطير في مواضع أخر فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال:

يطمع الطير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ومن المستحسن ما قيل أيضاً في هذا المعنى قوله في وصف جيش:

وذي لجب لا ذو الجناح أمامهبناج ولا الوحش المثار بسالم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش والعقبان فوقه تسايره

فتخطف الطير أمامه. وقال أبو العلاء المعري: يقول إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج لأن الرماة كثرة في الجيش وإن ثار الوحش أدركوه فأخذوه.

وقول أبي العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرماة أوجه لأن الشاعر أراد تفخيم الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحش ثم قال:

تمر عليه الشمس وهي ضعيفةتطالعه من بين ريش القشاعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم»

أراد أن الجيش ارتفع غباره فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير التي تتبعه لتصيب من لحوم القتلى، ثم قال:

إذا ضوءها لا من الطير فرجةتدور فوق البيض مثل الدراهم

وذكر أبو نصر بن نباتة الطير قواد زيادة أبدع فيها فقال:

ويوماك يوم للعفاة مذللويوم إلى الأعداء منك عصبصب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
إذا حومت فوق الرماح نسورهأطار إليها الضرب ما تترقب
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقال:

وإنك لا تنفك تحت عجاجةتقطع فيها المشرفية بالطلا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
إذا يئست عقبانها من خصيلةرفعت إليها الدراعين على القنا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

الخصيلة كل لحمة فيها عصب والطلا الأعناق. وقول أبي تمام

إذا ظللت عقبان أعلامه ....

يقال للراية عقاب وتجمع عقباناً. (آخر المجلس).

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.