تجاوز إلى المحتوى

من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

وأقول إن "إن" ليست من الحروف التي تنصب الأحوال كما تنصبها كأن نحو كأن زيداً

محاراً أسد لما في كأن من التشبيه الذي ضارعت به الفعل ولكن ويجوز أن يكون قوله "إخواناً" حالاً من المضمر في الظرف الذي هو خبر إن لأنه ظرف تام والظروف التوامُّ تنصب الأحوال لنيابتها عن الاستقرار والكون فالتقدير إن المتقين مستقرون في جنات، وجاز أن يكون "إخواناً" حالاً من هذا الضمير على ضعف وذلك لبعد الحال منه لأن مجموع هذه الآيات تشتمل على ثلاث جمل الأولى أن المتقين في جنات. والثانية ادخلوها بسلام. والثالثة ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ. فإن جعلت إخواناً حالاً من الواو في "أدخلوها" فهي

حال مقدرة لقوله (على سررٍ متقابلين) لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر وإنما يكون ذلك بعد الدخول فالتقدير مقدرين التقابل على سرر. وإن جعلت الحال من المضمر في "آمنين" فحسن. وإن جعلتها من الضمير الذي هو الهاء والميم في "صدورهم" فالحال من المضاف إليه ضعيفة وقد بسطت القول في هذا النحو فيما تقدم ولكن يجوز ويحسن أن يكون قوله "إخوانا" حالاً من هذا الضمير شيئان أحدهما قربه منه والآخر أن المضاف الذي هو الصدور بعض المضاف إليه فكأنه قيل ونزعنا ما فيهم من غل، فليس هذا المضاف كالمضاف في قول تأبط شراً

سلبت سلاحي بائساً وشتمتني

فاعرف الفرق بين الحالين.

وقال في قوله ﷿ في سورة مريم: (ثمَّ لننزعنَّ من كلِّ شيةٍ أيُّهمْ أشدُّ) ذهب يونس إلى أن (أيُّهم) رفع بالابتداء لا على

الحكاية ويعلق الفعل وهو "لننزعنّ" فلا يعمله في اللفظ. ولا يجوز عليق مثل لننزعن عند سيبويه والخليل وإنما يجوز أن يعلق أفعال الشك وشبهها مما لم يتحقق وقوعه.

قلت: اختصاصه بالتعليق أفعال الشك وشبهها مما لم يتحقق وقوعه خطأ لأن أفعال العلم ولها في تحقق الوقوع القدم الراسخة، فمما علق فيه الماضي منها عن لام الابتداء قوله تعالى: (ولقدْ علمواْ لمنِ اشتراهُ مالهُ في الآخرةِ منْ خلاقٍ) ومما علق فيه المستقبل منها عن الاسم الاستفهامي قوله: (ولتعلمنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً). هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب على أنني لم أبالغ في تتبعها وإنما ذكرت هذه الردود على هذه الأغاليط لئلا يغتر بها مقصر في هذا العلم فيعول عليها ويعمل بها والله ولي التوفيق للصلاح في كل ما أنويه واعتمده بمنه وطوله.

مما دقق فيه أبو الطيب قوله:

لا يستكنُ الرعبُ بين ضلوعهيوماً ولا الإحسان أن لا يحسنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وأقول إن الإحسان في اللغة على معنيين الأول نظير الإنعام ونقيض الإساءة ويتعدى فعله بحرف خفض إما إلى أو الباء، تقول: أحسنت إليه كما جاء: (وأحسن كما أحسنَ اللهُ إليكَ)، وإن شئت: أحسنت به كما (جاء في التنزيل أيضاً): (وقدْ أحسنَ بي إذْ أخرجني منَ السِّجنِ)، وكذلك نقيضه تقول: أسأت إليه وأسأت به، قال كثير:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةٌلدينا ولا مقليَّةٌ إنْ تقلَّتِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «تمنيتها حتى إذا ما رإتها»

والثاني أن يكون الإحسان بمعنى إجادة العمل، يقال: هو يحسن كذا، إذا كان عارفاً به حاذقاً له وفعله يتعدى بنفسه كما ترى، ومنه التنزيل: (وهمْ يحسبونَ صنّعاً)، وقال امرؤ القيس:

وقد زعمت بسباسةُ اليومً أننيكبرتُ وأن لا يحسنُ اللهوَ أمثالي

وقال الراجز: قد قارعتْ معنٌ قراعاً صلبا=قراعَ قومٍ يحسنونَ الَّضربا فقول أبي الطيب: "أن لا يحسنا" معمول الإحسان فكأنه قال: ولا يستكن بين ضلوعه أن يحسن أن لا ينعم، ومثله قول الآخر:

يحسنُ أن يحسنَ حتى إذارامَ سوى الإحسان لم يحسنِ

المعنى يجيد أن ينعم حتى إذا ما رام سوى الإنعام لم يجد ما رامه. ومن قيله:

منًى كنَّ لي أنّ البياضَ خضابُفيخفى بتبييض القرونِ شبابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لياليَ عند البيضِ فواديَ فتنةٌوفخرٌ وداكَ الفخرُ عندي عابُ

منًى مبتدأ وإن كان نكرة وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها

بجملة تتضمن اسماً معرفة كقولك: امرأة خاطبتني، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف إلى معرفة كقولك: رجل خلفك، قال الهذيل بن مجاشع:

ونارُ القرى فوقَ اليفاع ونارهممخبأةٌ بتُّ عليها وبرنسُ

البت الكساء الغليظ. وإنما ضعف الابتداء بالنكرة لأن النفس تتنبه بالمعرفة على طلب الفائدة وإذا كان المخبر عنه مجهولاً كان المخبر حقيقياً بإطراح الإصغاء إلى خبر من لا يعرفه. وحدُّ الكلام إذا كان المبتدأ منكوراً وتضمن خبره اسماً معروفاً أن يقدم الخبر كقولك: لزيد مال لأن الغرض في كل خبر أن يتطرق إليه بالمعرفة فيصدر الكلام بها وهذا موجود هاهنا لأنك وضعت زيداً ومجروراً لتخبر عنه بأن له مالا قد استقر له فقولك: لزيد مال في تقدير: زيد ذو مال فالمبتدأ الذي هو مال هو الخبر في الحقيقة وقولك: لزيد هو المبتدأ في المعنى، وقوله: متى كن لي، مفيد لأن في ضمن الخبر ضمير المتكلم وهو أعرف المعارف، ولو قال: منًى كنَّ لرجل لم يحصل بذلك فائدة لخلوه من اسم معروف فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير.

وقوله: أن البياض خضاب منقطع من أول البيت وتحتمل أن الرفع والنصب فالرفع على إضمار مبتدأ كأنه (قال إحداهن أن البياض خضاب لأنه) قد أخبر بأن ذلك كان في أيام حداثته وريعان شبيبته بقوله: ليالي

عند البيض فوادي فتنة، الفود: معظم شعر اللمة مما يلي الأذنين. وأما النصب فعلى إضمار تمنيت لدلالة منى عليه كما أضمر نتبع في قوله تعالى: (فلْ بلْ ملَّةَ إبراهيمَ)، وكإضمار أشدد في قول أحيحة بن الجلاح:

ألا أبلغ سهيلاً أنني ما عشت كافيكاحيازيمك للموتِ فإن الموت لاقيكا

فإن قيل أن التمني مما لم يثبت كالرجاء والطمع فلا يقع على أن الثقيلة لأنها للتحقيق فهي أشبه بأفعال اليقين وإنما يقع التمني وما شاكله على أن الخفيفة لأنها تخلص الفعل للاستقبال فهي أشبه بالطمع والرجاء والتمني من حيث تعلقت هذه المعاني بما يتوقع، ومنه قول لبيد:

تمنّى ابنتايَ أنْ يعيشَ أبوهماوهل أنا إلا من ربيعةَ أو مضرْ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

فيل لا يمتنع وقوع التمني على أن الثقيلة كما لم يمتنع وقوع (وددت) عليها ووددت وتمنيت بمعنى واحد، فمن ذلك في التنزيل: (وتودُّونَ أنَّ غيرَ ذاتِ الشوكة تكونُ لكمْ)، ويدلك على أن وددت وتمنيت معناهما واحد قوله تعالى: (يومئذٍ يودُّ الَّذينَ كفرواْ وعصواْ

الرَّسولَ لوْ تسوَّى بهم الأرضُ) والمعنى: لو يجعلون والأرض سواء كما قال: (يومَ ينظرُ المرءُ ما قدَّمتْ يداهُ ويقولُ الكافرُ يا ليتني كنتُ تراباً) وهذا استدلال أبي علي.

ويجري مجرى التمني فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: (وأخاف أن يأكله الذئب)، وجاء (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله)، ومثل تمنيت اشتهيت، قال أبو تمام:

مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعةغداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»

وجاء صريح التمني في قول الآخر:

ما روضةٌ إلا تمنَّتْ أنّهالك مضجعٌ ولخطِّ قبرك موضعُ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأس ابن بنت محمد ووصيه»

ويجوز أن تكون (ممنى) منصوبة نصب الظروف والجملة التي هي كان واسمها وخبرها نعت لها فتتصل أن بما قبلها كأنه قال: في منى كن لي أن البياض خضاب أي في جملة منى كما قالوا: أحقاً أنك ذاهب، وأكبر ظني انك مقيم، يردون: في حق وفي أكبر ظني. وإذا أردت

معنى الظرفية في (منى) فلك في أن مذهبان: فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيين رفع بالظرف يرتفع عند سيبويه بالظرف ارتفاع الفاعل، وقد مثل ذلك بقوله: غداً الرحيل، وأحقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب قال: حملوه على: أفي حق أنك ذاهب، قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقاً أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب، وأكبر ظني أنك ذاهب.

وإذا كان هذا مذهب سيبويه مع من ذكرناه فالمنية تقارب الظن، فيحسن أن تقول: أكبر مناي أنك ذاهب فتنصب (أكبر) بتقدير (في)، وأنشد سيبويه في ذلك للأسود بن يعفر:

أحقاً بني أبناء سلمى بن جندلِتهددكم إيايَ وسطَ المجلسِ

وأنشد:

أحقاً أن جيرتنا استقلوافنيتنا ونيتهم فريقُ

في أبيات أخر، فهذا أحد المذهبين.

والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع اسم الحدث بالابتداء ويخبر بالظرف المتقدم، حكى ذلك عنه سيبويه في قوله: وزعم الخليل أن (التهدد) ههنا، يعني في بيت الأسود، بمنزلة:

الرحيل بعد غد وأن (أن) بمنزلة وموضعها كموضعه. انتهت حكايته عن الخليل وأقول: إن اعترض معترض وقال: كيف تحكمون على أن المفتوحة بالابتداء والعرب لم تبتدئ بها؟ فالجواب: أنهم لم يبتدئوا بها لئلا يعرضوها لدخول إن المكسورة عليها، وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد لأنهما بمعنى واحد فكراهيتهم لدخولها على أن مع تقارب لفظيهما واتفاقهما في العمل والمعنى أشد فلما ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء لأن إن المكسورة لا تباشرها إذا دخلت على الجملة كقولك: إن من الصواب أنك تنطلق، ومثل قوله: أحقاً أن جيرتنا استقلوا، (ومنْ آياتهِ أنَّكَ ترى الأرضَ خاشعةً) على المذهبين.

قال أبو العلاء المعري في تفسير قوله: منًى كنَّ لي ... البيت: لو إن هذا الكلام في غير الشعر لكان ثبوت الألف واللام في (شباب) أحسن لأنه مضاه لقولهم: المشيب، وكانت العرب في الجاهيلة إذا اتفق لها مثل هذا آثرت دخول لام التعريف وإن قبح في السمع، وأكثر ما يجيء في شعر امرئ القيس فمنه قوله:

فان أمسِ مكروباً فيا ربَّ بهمةٍكشفت إذا ما اسودَّ وجهُ الجبانِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرتُهُ فَشَجَاني»

فقد أساءت الألف واللام والوزن عند السامع وآثرها قائل البيت على الحذف ولو حذف لكان الحذف أحسن في الغريزة ولكن دخول الألف واللام أثبت في تمكين اللفظ، وكذلك قوله:

فلما أجنّ الشّمسَ عني غؤورهانزلت إليه قائماً بالحضيضِ

وأقول: إن اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس أو تكون عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير فكونها لتعريف الجنس في مثل قوله: وجه الجبان، وكونها عوضاً من تعريف الإضافة في مثل قولك: حسن الوجه، الأصل: حسن وجهه فلما حذفت الهاء من وجهه عرفته باللام، ولو قلت: حسن وجهٍ، جاز على ضعف لأنه قد علم أنك لا تعني من الوجوه إلا وجه المذكور، فحق شباب في بيت المتنبي أن يكون معرفاً باللام عوضاً من تعريف الإضافة إلى الضمير من حيث كان مراده، شبابي فدخول اللام ههنا لو استعمل أقلق الوزن إلا أنه كان يكمل المعنى واللفظ على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد قيل: رب زحاف أطيب في الذوق من الأصل.

قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول شيبي هذا منى كن لي قديماً وإنما كنت أتمنى المشيب ليخفي شبابي. والقرون الذوائب واحدها قرن.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الحادي والثمانون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.