من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
الوصف والتشبيه (٢٠)
وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض في الحب والبغض أما المدح، قال الرقاشي لما قيل له: إنك تكثر ركوب الحمير، قال: لأنها أكثر مرفقا قيل له: وما ذلك قال: لأنها تستدل بالمكان على اختلاف الزمان، وهي اقل المراكب داء، وأيسر دواء وأسلمها صريعا وأحفظها مهوى، وأقربها مرتقى، وأقلها جماحا، واشهرها فارها، يزهي به راكبه، وقد تواضع بركوبه ويكون مقتصدا وإن أسرف في ثمنه.
وأما الذم فإن أعرابية سئلت عنه فقالت لعنه الله لا يذكي ولا يزكي إن أطلقته ولى، وإن ربطته أدلى، عظيم الحرارة بطيء في الغارة لا تقرى به الدماء، ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء وقال جرير بن عبد الحميد: لا يركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يديك وإن كان بليدا أتعب رجليك.
وكتب الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المعري رسالة يرد فيها على من عاب حمارا، وكيف يعاب الحمار، وله نسب في الصالحين عريق، ومجد في الأولين وريق وباتخاذ المكرمين إلى البتول، وابن البتول ﷺ مطية، وبأنه كان للعزيز ﵇ آية، وقد اختير للمطهمة بعلا، وارتضى لها قرينا وشكلا، أم كيف يذم، وأعلى أمد الجواد كان أثاره، وأشرف مقام العرب للمعرب شق العبارة، ومن محاسن الأوصاف فيه قول أحمد بن طاهر من أبيات:
شية كأن الشمس فيها أشرقتوأضاء فيها البدر عند تمامه
وكأنه من تحت راكبه.... إذاما لاح برق لاح تحت غمامه
ظهر كجري الماء لين ركوبهفي حالتي أتعابه وجماحه
سفهت يداه على الثرى فتلاعبتفي جريه بسهوله وأكمامه
عن حافر كالصخر إلا أنه..أقوى وأصلب منه في استحكامه
ما الخيزران إذا انثنت أعطافهفي لين معطفه ولين عظامه
عنق يطول بها فضول عنانهومحزم يغتال فضل حزامه
وكأنه بالريح منتعل وماجري الرياح كجريه ودوامه
أخذ المحاسن آمنا من عيبهوحوى الكمال مبرأ من ذامه
ولأبي القسم علي بن الحسن الباخرزي من أبيات يرثي بها جمارا:
يواري بأجواف السباع مهملجمتى أتذكر قوته اتسخط
مسرة محزون وقرة ناظروجمال أعياء وراحة ممتط
وجواب آفاق وعدة راجلوحلية إصطبل وزينة مربط
يخاف الطريق الوعر وطأة رجلةويعلو الصبا عن جريه المتوسط
شطر أولأناف به طول الثوى فعذارهبعيد المراقي سامح المتنوط
له ذنب ضاف به سد فرجهكما استرسلت أهداب برد نخطط
وأسنانه كالدر شتتها البلىوقد كن أشباها كعقد مسمط
على متنه جلد يروق رواؤهولا كالد يبقى النسيج المخيط
يحاكي بترجيع النهاق فريدهتوافق بالا كان أوتار مربوط
وينصب أذنا لم تفتها لطافهسوى أنها بالشنف لم تنقرط
ثم خرج إلى التعزية فيه لمن أصيب، وعمل هذه الأبيات بسببه ولآخر:
لا تنظرن إلى هزال حماريوانظر إلى مجراه في الأخطار
متوقد جعل الذكاء إمامهفكأنما هو شعلة من نار
عادت عليه الريح عند هبوبهافكأنه ريح البور يباري
والمثل يضرب في الحمير المهزولة بحمار طياب كما يضرب المثل في ذلك ببغلة أبي دلامة، وللناس فيه أشعار كثيرة، الجيد منها شعرا:
وحمار بكت عليه الحميردق حتى به الرياح تطير
كان فيما مضى يسير بضعفوهو اليوم واقف لا يسير
شطر أولكيف يمشي وليس يعلن شيئاوهو شيخ من الحمير كبير
لمح القت مرة فتغنىبحنين وفي الفؤاد زفير
ليس لي منك يا ظلوم تعيرأنا عبد الهواء وأنت أمير
ولخالد الكاتب:
وقائل إن حماري غدايمشي إذا صوب أو اصعدا
فقلت لكن حماري إذاحثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدتهكان من اللذة أن يرقدا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع