من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
اللفظ والتركيب
قال في القسم الأول من المقالة الأولى: وكذلك ورد قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة ". فلفظة لي مثل لفظة تؤذي وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب:
تمسي الأمانيّ صرعى دون مطلبهفما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي
أقول: أي شيء أنكره من هذه اللفظة: وليس الذي ذكره غير دعوى مجردة، وهذه لفظة لي قد وقعت متمكنة، والقافية إذا جاءت متمكنة فإنها من حسن التركيب وعذوبة الانسجام. وأما لفظة تؤذي في قوله: تلذ له المرؤة وهي تؤدي فإنها جاءت ركيكة بخلاف لي في البيت المذكور. ولا تعاب هذه في هذا البيت، إلا أن تعاب لفظة بي في قوله:
أزورهم وسواد الليل يشفع ليوأنثني وبياض الصبح يغري بي
وما رأيت من عاب هذا البيت ولا هذه القافية، وإنما هو معدود في المحاسن التي انفرد بها أبو الطيب، لما فيه من مقابلة خمسة بخمسة. ولم يتفق هذا العدد لغيره.
وكذا لفظة تؤذي التي عابها، لو وقعت قافية متمكنة لم تعب.
وما أحسن قول الشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي:
قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذادون الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبك شاهدان وإنماتعديل كلٍ منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجدفيه سواك من الأنام فنحّه
انظر إلى هذه القافية الثالثة ما أحلاها وأمكنها لا يقوم غيرها مقامها، ولو وقعت في غير القافية لما كان لها هذه الحلاوة والتمكن. وكذا لفظة لي في قول أبي الطيب.
ومن هذا التمكن في القافية، قول ابن أبي هلال القيرواني من أبيات:
يهدي إلى العليا فما من سالكٍطرق العلا إلا وكان دليله
فضل الورى في الفضل حتى إنّهلو قيل من فذّ الأنام؟ لقيل: هو
وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل رحمه الله تعالى لفظة لي في القافية حيث قال:
ومدحت أهل البيت منكم بالذيشهد الرجال بأن ذاك البيت لي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع