من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة طرفة بن العبد
﷽
حسبنا الله، ونعم الوكيل، وعليه التكلان
أخبرنا الحسن بن العنزي قال: أخبرنا العباس بن الفرج الرياشي. قال: أخبرنا عمر بن بكير، قال:
حدثنا الهيثم بن عدي قال: حدثنا حماد الراوية عن سماك بن حرب قال: حدثني عبيد راوية الأعشى
قال: حدثني الأعشى قال: حدثني المتلمس قال:
قدمت أنا وطرفة بن العبد على عمرو بن هند، وكان طرفة غلاما معجبا تائها يتخلج في مشيته بين
يديه، فنظر إليه نظرة كادت تقتلعه من مجلسه، وكان عمرو لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب
تسميه مضرط الحجارة، وملك ثلاثمائة وخمسين سنة، وكانت العرب تهابه هيبة شديدة، وهو الذي
يقول له الذهاب العجلي:
أبَى القلبُ أن يَهوَى السَّديرَ وأهلَهوإنْ قيل عيشٌ بالسَّدير غَريرُ
به البَقُّ والحُمَّى وأسْدُ خَفِيَّةٍوعمرو بن هند يَهتدِي ويَجُور
ولا أنذِرُ الحيَّ الألَى نَزَلُوا بهوإني لِمَن لم يَغْشَه لنذيرُ
قال العنزي: زاد هذا البيت أبو عبيدة.
وقال العنزي: أخبرني الرياشي قال: أخبرني أبو منجوف قال: أخبرني أبو عبيدة قال خلف الأحمر:
أن هذه القصيدة للجمال بن سلمة بن جذيمة بن عبد القيس، يعني: (أبى القلب).
قال المتلمس:
قلت لطرفة حين قمنا: يا طرفة أني أخاف عليك من نظرته إليك مع ما قلت لأخيه! قال: كلا! فكتب
له كتابا إلى المكعبر - وكان عامله على عمان والبحرين - وكتب لطرفة كتابا، فخرجنا حتى إذا
هبطت أيدي الركاب من النجف بالحيرة إذا أنا بشيخ عن يساري يتبرز، ومعه كسرة يأكلها ويقصع
القمل، فقلت: بالله أن رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! قال: وما تنكر؟ قلت: تتبرز وتأكل
وتقصع القمل؟! قال: أخرج خبيثا فأدخل طيبا وأقتل عدوا، وأحمق منى والأم حامل حتفه بيمينه لا
يدرى ما فيه!! فنبهني فكأني كنت نائما، فإذا أنا بغلام من أهل الحيرة فقلت: يا غلام تقرأ؟ قال: نعم.
قلت: اقرأه. فإذا: (باسمك اللهم. من عمرو بن هند إلى المكعبر. إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس
فاقطع يديه ورجليه، وادفنه حيا). فألقيت الصحيفة في النهر، وذلك من حيث أقول.
رضِيتُ لها بالماءِ لمَّا رأيتهايَعوم بها التَّيارُ في كلّ جدولِ
فقلت: يا طرفة، معك والله مثلها. قال: كلاَّ، ما كان ليكتب لي بذلك في عقر دار قومي، فأتى المكعبر
فقطع رجليه ويديه، ودفنه حيا.
ففي ذلك يقول المتلمس، وكان اسمه جرير بن عبد المسيح:
مَنْ مُبلغُ الشعراءِ عن أخَويهمُخبراً فتصدُقَهم بذاكَ الأنْفسُ
أودَى الذي عَلِقَ الصَّحيفَةَ منهماونَجَا حِذَارَ حِبائه المتلمسُ
ألْقِ الصَّحيفةَ لا أبا لَكَ إنَّهيُخْشَى عليك من الحباءِ النِّقرِسُ
قال أبو بكر: وحدثني أبي رحمه الله تعالى قال: حدثنا الرستمي قال: وقال أبو عمرو الشيباني:
كان من حديث طرفة بن العبد.
وقال هشام بن محمد الكلبي: أخبرني خراش بن إسماعيل العجلي قال:
وكان من حديث طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة بن عكابة
بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن
ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وقتل عمرو ابن هند مضرط الحجارة، وبدو ذلك: أن المنذر بن
امرئ القيس تزوج ابنة الحارث ابن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار، فتلد للمنذر عمرو بن
المنذر، والمنذر بن المنذر، ومالك بن المنذر، وقابوس بن المنذر. قال الكلبي: ومالك أصغرهم، كان
يدبر استعد.
قالوا: فلما كبرت هند عند المنذر بعدما ولت أعجبته ابنة أخيها أمامة بنت سلمة بن الحارث بن
عمرو المقصور، وهي أبنه أخي هند، فلما أعجبته أمامة طلق هندا وتزوج أمامة، فقال المنذر:
كبِرتْ فأدركَها بناتُ أخ لهافأزلْنَ إمتَّهَا بركض مُعْجَلِ
والأمة: النعمة. قرأ عمر بن عبد العزيز: (إنَّا وجَدْنا آباءَنا على أمَّة)، يريد على نعمة.
فولدت أمامة ابنة أخي هند للمنذر عمرا، وهو الذي قتلته مراد بقضيب. وقد كان المنذر في حياة منه
جعل الملك من بعده لابنه عمرو بن هند، ثم لقابوس، ثم للمنذر بعدهما، ولم يجعل لعمرو بن أمامة
شيئا. ففيه وقع الشر بينه وبين اخوته. وكان عمرو قد جعل لقابوس قوما من العرب يسامرونه
ويركبون معه، وقد كان طرفة بن العبد قد رأى من قابوس وعمرو جفوة، فأنشأ يقول:
فليتَ لنا مَكَان المَلْكِ عمرورَغُوثاً حَوْل قُبتا تَخُورُ
قال: وكان قابوس قد قسم الدهر يومين: يوم نعيم لا يخرج فيه، ويوما يغشاه من عشيرته من أولاد
أولئك الأشراف الذين جعلهم عمرو مع قابوس، فيقفون ببابه إلى الليل، فإن أعجبه حديث أحد أدخله،
وإلا وقف مكانه. وكان غمرو يفعل ذلك أيضا. فلما ملك عمرو بن هند استعمل اخوته من أمة وقطع
عمرو بن أمامة، فقال عمرو بن أمامة في ذلك:
ألابِنَ أمك ما بداولك الخَورنَقُ والسَّديرُ
فلأمنعنَّ منابِتَ الضَّمْرانِ إذْر مُنع القصورُ
قوله: ألابن أمك، معناه الأخيك. وقوله: إذ منع القصور، معناه: إذ منعت منى واستؤثر بها عليَّ.
بكتائب تَرِدى كماتَرِدى إلى الجِيَف النسورُ
إنَّا من العَلاَّت تُقْضي دونَ شاهدِنا الأمورُ
ويروى: (إنا بني العلات). ويروى:
إنّ بني العَلاَّت تقضَى دون شاهدها الأمورُ
تردى من الرديان. قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما الرديان؟ فقال: (عدو الحمار بين آريه
ومتمعكه)، وهو أن يسرع ويرجم الأرض بحوافره. وبنو العلات: الذين أمهاتهم شتى وأبوهم واحد.
وقوله: (تقضى دون شاهدنا الأمور)، معناه تقضى من غير أن نشهدها، ويستبد علينا فيها.
ثم أن عمرو بن أمامة لحق باليمن، فأتى ملكها ومعه ناس من قيس بن عيلان وغيرهم، وسار معه
طرفة بن العبد، وكان طرفة خلف إبلا لأبيه في جوار قابوس وعمرو بن قيس بن مسعود بن عامر
بن عمرو بن أبي ربيعة الشيباني، فلما قدم عمرو بن أمامة على الملك اليماني سأله أن يبعث معه
جندا يقاتل به أخاه عن نصيبه من ملك أبيه، فقال له: اختر من شئت. فاختار مرادا، فسيرهم معه،
وأقبل حتى نزل بهم واديا يقال له قضيب، من أرض قيس عيلان، فتلاومت مراد بينها وقالوا: تركتم
أموالكم ودياركم وعشائركم وتبعتم هذا الأنكد! فتمارض هبيرة بن عبد يغوث بن عمرو ابن الغذيل بن
سلمة بن بذاء بن عامر بن عوثبان، وشرب ماء الرقة، وهي البثر، فاصفر لونه، وهو صاحب مراد.
فبلغ ذلك عمرا فبعث إليه طبيبا وقد شرب هبيرة بن عبد يغوث المغرة، فلما دخل عليه الطبيب
جعل يمجها، فأدخل الطبيب مكاويه في النار ثم جعل يضعها على بطنه، فكلما وضع مكواة قال:
أصبت أصبت موضع الداء! حتى كشح بطنه بالنار - والكشح: الكي - وهو يريد إنه لا يجد مسها،
فسمى هبيرة المكشوح. ورجع الطبيب إلى عمرو بن امامة فقال: وجدته مريضا، ووجدته لا يجد مس
النار. فلما اطمأن عمرو بن أمامة سار إليه المكشوح وثار به من تلك الليلة، فلم يشعر حتى أحاطوا
به.
وقد كان عمرو بن أمامة عرس بجارية من مراد، وكانت أم ولده الغسانية معه، فسمعت جلبة الخيل
فقالت: أي عمرو أتيت! سال قضيب بماء وحديد. وقال ابن الكلبي: (لقد سال قضيب حديدا، وجاءتك
مراد وفودا). فذهبت مثلا. فقال لها عمرو: (وأنت غيري نغرة!). والنغرة: التي تغلى منالغيرة كما
تنغر القدر، أي انك غرت عليَّ. فذهبت مثلا.
ومر به قطيع من القطا، فقالت: يا عمرو، أتيت، (لو ترك القطا لنام). فذهبت مثلا. فثاروا إليه وثار
عمرو إلى سيفه فخرج عليهم وهو يقول:
لقد عرفتُ الموتَ قبل ذوقهِإنّ الجبانَ حتَفْهُ من فوقِهِ
كلُّ امرئٍ مقاتِلٌ عن طوقهِوالثورُ يَحمِى جِلدَه برَوْقِهِ
ورواه غير ابن الكلبي: (كالثور يحمى جلده بروقه).
قال: ولقيه غلام يقال له جعيد بن الحارث المرادي. قال ابن الكلبى: يقال له تمتم بن الجعيد
المرادي. وقد كان عمرو بن امامة قال له: نعم وصيف الملك هذا! فقال جعيد:
أيَّ وصيفِ مَلك ترانيأما تراني رابطَ الجَنَانِ
أفليه بالسَّيف إذا استفلانيأجيِبُهُ لبيك اذ دعاني
روَّيتُ منه عَلقاً ساني
نحن ضربْناه على تَطيابِهبالمرجِ مِن مَرجِحَ إذْ ثُرنا به
بكلِّ عضب صارم نَعْصَى بهنلتهمُ القِرْنَ على اغْترابه
ذاكَ وهذا انقضَّ من شِعابِهقُلنا بِهِ قلنا بهِ قُلنا به
نحن أرحنا النَّاسَ من عذابهفليأتِنا الدَّهْرُ بما أتى به
وقال ابن الكلبي: إنما قال هذه القصيدة هبيرة بن عبد يغوث بن عمرو المذكور، ولم يقلها زنباع
المرادي. وزاد فيها ابن الكلبي أبياتا لم تكن في كتاب أبي عمرو، وهي:
نحن أرحنْا الناسَ من عِتابهلما التقَينا ثار في أصحابه
كَثَورَة الفالجِ في رِكابِهله صَليلٌ مِن صريفِ نابه
حتَّى إذا رَفَّع من عِقابهوحولَه ألفانِ من حِرابه
زُرقٌ بأيدي الفرس من حُجَّابهضَربْتُ بالسَّيفِ على نِطابه
أتى به الدَّهرُ بما أتَى بهقُلْنا به قُلنا به قُلنا به
ولم يعرف خراش ما النطاب.
فتفرقت عنه الناس وانصرفت مراد إلى اليمن، وأقبل جعيد بن الحارث امرأته الغسانية إلى بيت
الأسود بهجر، وبابنيه وهما غلامان قد أوصفا - أي صارا وصيفين - فأتى بهما عمرو بن هند فقال:
أيها الملك، سترت عورتك وقتلت عدوك! فقال له عمرو: وإن لك عندي لحبء أنت أهله، أضرموا
له نارا ثم اقذفوه فيها. فقال له: أيها الملك، أني كريم فليطرحني فيها كريم؛ فإن لي حسبا. فأمر ابنه
وابن أخيه أن يتوليا ذلك منه، فانطلقا به، فلما أدنى من النار مسح شراك نعله، فقيل له: ما دعاك إلى
مسح شراك نعلك وأنت مطروح في النار فقال: أحببت أن لا دخل النار إلا وأنا نظيف. ثم قال:
الخيرُ لا يأتِي به حبُّهُوالشَّرُّ لا ينفع مِنْه الجزَعْ
ثم قذف نفسه وبهما معه في النار فاحترقوا جميعا، فقال طرفة بن العبد، وكان أول من نعاه إليه:
أعمَرو بَن هند ما تَرى رأىَ معشرٍأفاتُوا أبا حَسَّانَ جاراً مُجاورا
وهي قصيدة من شعره.
فاحتمل عمرو بن هند على طرفة الذي كان من مسيره مع عمرو بن أمامة فأضم عليه - أي حقد
عليه - وكانت أول موجدة عليه، فبعث عمرو بن هند إلى
إبل طرفة التي كانت في جوار قابوس
وعمرو بن قيس فأخذها، لما كان من مسيره مع عمرو بن أمامة، فقال طرفة:
لعمركَ ما كانت حَمولةُ معبدٍعلى جُدِّها حرباً لدينك من مُضَرْ
وهي قصيدة من شعره.
وكان طرفة قد هجا عمرو بن هند قبل ذلك ولم يبلغه حتى خرج في بعض خروجه إلى الصيد،
فأمعن في الطلب وانقطع في نفر من أصحابه حتى أصار طريدة، فنزل وقال لأصحابه: اجمعوا
حطبا، وفيهم عبد عمرو بن بشر بن عمرة بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة،
فقال له: اشو للقوم. فأوقد نارا وشوى، فبينا عمرو يأكل من شوائه وعبد عمرو يقدم إليه، إذ نظر إلى
خصر قميصه منخرقا فأبصر كشحه، وكان من أحسن أهل زمانه كشحا وجسما. وكان بينه وبين
طرفة أمر وقع له بينهما شر، فهجاه طرفة فقال:
فيا عجبَا مِن عبدِ عمرو وبَغْيهلقد رامَ ظُلمي عبدُ عمرو فأنْعَمَا
- وهي قصيدة من شعره - فقال عمرو بن هند لعمرو، وقد كان عمرو سمع بهذه القصيدة: يا عبد
عمرو، هل أبصر طرفة كشحك؟ ثم تمثل:
ولا عيبَ فيه غير أن قيل واحدٌوأنَّ له كشحاً إذا قام أهضما
وكان عمرو بن هند شريرا، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم، فيوم يركب في صيده يقتل أول من
يلتقي، ويوم يقف الناس ببابه فان اشتهى حديث رجل أذن له. وكان هذا دهره.
وقال أحمد بن عبيد: كان إذا ركب في يوم نعيمه لا يلقى أحدا إلا أعطاه ووهب له وقضى حاجته،
وإذا ركب في يوم بؤسه لم يلق أحدا إلا قتله. وكان طرفة قد هجه فقال:
ليت لنا مكانَ المَلْكِ عَمروٍرَغُوثاً حولَ قُبتنا تَخورُ
وهي قصيدة من شعره.
فلما قال عمرو بن هند لعبد عمرو: يا عبد عمرو لقد أبصر طرفة حسن كشحك! غضب من ذلك
وأنف من، وقال لعمرو: قد قال طرفة للملك أقبح من هذا! قال عمرو: ما الذي قال؟ فندم عبد عمرو
على ما سبق منه، وأبى أن يسمعه، فقال: أسمعينه، وطرفة آمن. فأسمعه القصيدة التي هجاه فيها،
فسكت عمرو بن هند على وقر في نفسه، وكره أن يعجل عليه لمكان قومه فأضرب عنه، وبلغ ذلك
طرفة وطلب غرته وطلب عمرو غرته والاستمكان منه، حتى أمن طرفة ولم يخفه على نفسه، وظن
إنه قد رضي عنه.
وقد كان المتلمس - وهو عبد المسيح بن جرير. قال ابن الكلبي: هو جرير بن عبد المسيح - قال
قصيدة يهجو فيها عمرو بن هند، وفيها غضب عليه، وهو قوله:
ولكَ السَّديرُ وبارقٌومُبايِضٌ لَكَ والخورنق
قال: فقدم المتلمس وطرفة على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه، فكتب لهما إلى عامله
على البحرين وهجر، وكان عامله فيما يزعمون ربيعة بن الحارث العبدي، وهو الذي كتب إليه في
شأن طرفة والمتلمس، وقال لهمها: انطلقا إليه فاقبضا جوائز كما. فخرجا، فزعموا أنهما لما هبطا
النجف قال المتلمس: يا طرفة، إنك غلام حدث، والملك من قد علمت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه،
فلست آمنا من أن يكون أمر فينا بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه فإن يك قد أمر لنا يخير مضينا، وأن
تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا. فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وحرص المتلمس فأبى، وعدل المتلمس
إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي فأعطاه الصحيفة، فقرأها فلم يصل إلى ما أمر به في المتلمس
حتى جاءه
غلام من بعده فأشرف في الصحيفة ولا يدرى ممن هي؟ فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه!
فانتزع الصحيفة من يدي الغلام واكتفى بذاك من قوله، واتبع طرفة فلم يلحقه، وألقى الصحيفة في
نهر الحيرة، ثم خرج هاربا إلى الشام، فقال المتلمس عند ذلك:
ألقيتُها بالثِّنْيِ مِن جَنْب كافرٍكذلك أقْنُو كلّ قِطٍّ مُضَلَّلِ
الثنى والجزع واحد، وهو ما انثنى من الوادي. وقال أبو عمرو: كافر: نهر بالحيرة. وقال غيره:
كافر: نهر قد ألبس الأرض وغطاها. ويقال لليل كافر لأنه يلبس كل شيء ويغطيه.
وقال أبو عمرو: أقنو: أحفظ. وقال غيره: أقنو: أجزى. يقال: لقنونك بفعلك، أي لجزينك. والقط:
الصحيفة. ويقال للصك قط. فيقول: حفظي لهذا القط، أي الكتاب، أن أرمي به في الماء.
رضِيتُ لها بالماءِ لمَّا رأيتُهايَجُول بها التَّيَّارُ في كلّ جَدْولِ
التيار: الموج. ومضى طرفة حتى إذا كان ببعض الطريق سنحت له ظباء وعقاب، فزجروها وقال:
لعمرِي لقد مَرَّتْ عَواطِسٌ جمّةومرَّ قُبيلَ الصُّبح ظَبيٌ مصمَّعُ
عواطس: ما يتشاءم به. قال العجاج:
قطعتُها ولا أهابُ العُطَّسا
جمة: كثيرة. يقال فلان جم العطاء: أي كثير المعروف. ويقال: اسقني من جم بئرك، ومن جمة
بئرك، أي من معظم مائها. ومجم البئر: الموضع الذي يجتمع فيه الماء. وفلان واسع المجم، إذا كان
كثير المعروف. ومصمع معناه ذاهب. وقال الطوسي فقال: هو الأقرن.
وعَجْزاء دَفَّت بالجَناحِ كأنَّهامع الصُّبح شيخٌ في بجاد مُقَنَّعُ
عجزاء: عقاب، قال الأصمعي: سميت عجزاء لأنها شديدة الدابرتين. وقال أبو عبيدة: لبياض في
عجزها. وقال الطوسي: في جنبها ريش أبيض. ودفت: طارت. والبجاد: كساء غليظ من أكسية
الأعراب. وقال الطوسي: البجاد ينسج من صوف. قال الشاعر:
قل للصَّعاليك لا تَستحسروامن اضطربٍ وسيْرٍ في البجادْ
فالموتُ أحْجَى على ما خَيَّلَتْمن اضطجاع على غَيْر وسادْ
إن وَصَل الغَيْث ابْنَيْنَ امرأكانت له قُبَّةٌ سَحْقَ بِجادْ
والمقنع: المغطى رأسه.
فلن تَمنَعِي رزقاً لعبدٍ يريدهوهل يَعْدُوَنْ بؤساك ما يتوقَّعُ
ورواه الطوسي: (لعبد يصيبه). قوله: (فلن تمنعي)، يعني العواطس، أي: ليست بمانعة العبد ما قدر
له. وبؤساك من البؤس، يعنى الموت. ويتوقع يتخوف وينتظر. وقال يعقوب: أي ما يتوقع من الشر.
يقول: فل يكون من بؤساك شيء هو أكثر من الموت الذي يتوقعه الناس.
قال: وقد كان المتلمس فيما يقال قال لطرفة حين قرا كتابه: تعلمن أن الذي في صحيفتك مثل الذي
في صحيفتي. قال طرفة: أن كان اجترأ عليك ما كان ليجترئ عليّ ولا ليغرني ولا ليقدم عليّ! فلما
سار المتلمس إلى الشام وقال:
مَن مُبْلغُ الشَّعراءِ عن أخوَيْهمنبَأ فتصدُقَهم بذاكَ الأنفسُ
أودَى الذي عَلِق الصَّحيفة منهماونجا حِذَارَ حِبائه المتلمِّسُ
ألقىَ صحيفتَه ونحَّى كُورَهوَجْناءُ مُجْمَرةُ المناسم عِرمِسُ
عَيرانة طَبَخَ الهواجر لحمَهافكأنَّ نُقْبَتَها أديمٌ أملسُ
العيوانة: المرحة النشيطة، شبهت بعير الفلاة فيما زعم أبو عبيدة. وقوله: (طبخ الهواجر لحمها)، أي
أضمرتها الهواجر وعصرت بدنها، أي شحمتها، فانضمت لذلك. والواجر، والهجير، والهجر:
انتصاف النهار في شدة الحر. والوجناء: الضخمة العظيمة الصلبة، فكأنها لصلابتها ضربت بمواجن
القصار، الواحدة ميجنة، وهي مدقته. ويقال: الوجناء: العظيمة الرأس والوجنات، تشبه بالفحل.
ويقال: الوجناء الغليظة، أخذت من الوجين من الأرض، وهو ما غلظ. وقال ثابت (مجمرة المناسم)
معناه مجتمعة لطيفة. وقال الأصمعي: هي المجتمعة في صلابة وصغر. وقالوا كلهم: عظم الأخفاف
من الهجنة وليس من صفة النجائب. وللأعشى:
فأبقى رَوَاحي وسَيْرُ الغُدوِّ مِنها ذواتِ حذاء صغارا
وكل شيء جمعته فقد جمرته. ويقال للمرأة أجمري شعرك، أي اجمعيه. ويقال: جمر أمر الناس، أي
جمعه. قال الأعشى، وذكر النعمان بن المنذر:
يُجمِّر أمرَ الناس يوماً وليلةفهم ساكتون والمنية تنطقُ
عنى بالمنية النعمان. وقال أحمد بن عبيد. شبه النعمان بالمنية التي إذا جاءت لا يردها أحد، فكذلك
النعمان ينفذ أمره ولا يرده أحد. وقال العباس بن مرداس:
يأيها الرجلُ الذي يَهِوى بهوَجْناءُ مُجْمَرةُ المناسِم عِرمِسُ
إما مررتَ على النبيّ فقُلْ لهحقٌّ عليكَ إذا اطمأنَّ المجلسُ
يا خيرَ من ركب المطيَّ ومن مَشَىفَوقَ الترابِ إذا تُعدُّ الأنفُس
ويقال: عد ابلك نظائر، أي عد ثنتين ثنتين؛ وعدها جمارا، أي جملة جملة. قال ابن أحمر:
يَظَلُّ رِعاؤها يُلغُون مِنْهاوإن عُدَّتْ نظائر أو جَمَارا
العرمس: الناقة الصلبة، وشبهت بالعرمس، وهي الصخرة الصلبة؛ والجمغ عرامس.
ثم سار طرفة حتى قدم على عامل البحرين وهو بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه، فقال
له: هل تعلم ما أمرت فيك؟ قال: نعم أمرت أن تجزني وتحسن إلي. فقال لطرفة: أن بيني وبينك
خؤولة أنا لها راع حافظ، فاهرب من ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن نصبح ويعلم بك
الناس. فقال له طرفة: قد اشتدت عليك جائزتي فأحببت أن أهرب وأن أجعل لعمرو بن هند على
سبيلا، كأني أنبت ذنبا؛ والله لا أفعل ذلك أبدا! فلما أصبح أمر بحبسه، وجاءت بكر بن وائل وقالت:
قدم عليك طرفة! فدعا به صاحب البحرين فقرأ عليهم وعليه كتاب الملك، ثم أمر بطرفة فحبس،
فتكرم عن قتله وكتب إلى عمرو ابن هند: أن ابعث إلى عملك فإني غير قاتل الرجل! فبعث إليه
عمرو بن هند رجلا من بني تغلب يقال له عبد هند بن جرد (وقال ثابت: ابن الجرد)، واستعمله على
البحرين، وكان رجلا شديدا شجاعا، فأمره بقتل طرفة وقتل ربيعة بن الحارث العبدي، فقدمها عبد
هند فقرأ عهده على أهل البحرين، ولبث أياما، فاجتمعت بكر وائل وهمت به، وكان طرفة
يحضضهم، وانتدب له رجل من عبد القيس
ثم من الحواثر يقال له أبو ريشة، فقتله، فقبره اليوم
بهجر بأرض منها لبني قيس بن ثعلبة.
ويزعمون أن الحواثر ودته إلى أبيه وقومه، لما كان من قتل صاحبهم إياه، وبهثوا بالإبل. وفي ذلك
يقول المتلمس وهو يحضض قوم طرفة على الحواثر:
ابَنِي قِلابةَ لم تكنْ عاداتُكمْأخْذَ الدنِيَّةِ قبل خُطة مِعضِدٍ
قال أبو المنذر هشام بن الكلبي: قلابة بنت الحارث بن قيل بن ذهل، من بني يشكر، تزوجها سعد
بن مالك بن ضبيعة فولدت له مرثدا، وكهفا، وقمية ومرقشا الشاعر الأكبر.
وقال غيره: قلابة امرأة من بن يشكر، وهي بعض جدات طرفة، وهي بنت عمرو بن الحارث
اليشكري، أم مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة.
ومعضد: رجل من بني قيس بن ثعلبة. وروى أبو عبيدة: (معصد) بالصاد، أي يفعل به، وهو من
العصد.
وقالت أخت طرفة تهجو عبد عمرو لما كان من إنشاده الملك ذلك الشعر، فقال أن اسمها كبيشة.
ويقال أن هذه القصيدة، للخرنق بنت هفان بن تيم بن قيس ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن
بكر بن وائل:
ألاَ ثِكلتْكَ أمُّكَ عبدَ عمروٍأبا لخَرَبات آخيتَ الملوكا
الخربات: الجنايات وما لا خير فيه. يقال رجل خارب وقوم خراب. فيقول: بهذا تواخى الملوك؟!
وقال الطوسي: الخربة الفعلة القبيحة. وقال أحمد بن عبيد: الخربة الفعلة الردية، أصل الخارب
اللص.
هُمُ دَحُّوك للورِكين دَحّاًولو سألوا لأعطيتَ البُرَوكا
وروى الطوسي: (هم ركوك للوركين ركا). قوله دحوك، معناه ألقوك ودفعوك. وقال أحمد بن عبيد:
يقال أخذه بشحمة الركي، أي بعظم أوراكه وأليته. فإنما أراد بقوله: ركوك، أي طرحوك على أليتك.
وقال غيره: معنى ركوك أضجعوك للبروك، أي لأن يبرك على أربعة.
وزاد ابن الكلبي:
ألا سِيانِ ما عمروٌ مُشيحاًعلى جَرداءَ مِسحَلَها عَلُوكا
المشيح: الجاد، والمشيح: الحذر. والمسحل: الحديدة المعترضة من اللجام في فم الفرس. ويروى:
(عروكا).
ويومُك عند رايته هَلوكٌتظلُّ لرجْع مزِهرها ضحوكا
ومضى المتلمس هاربا إلى الشام، وكتب عمرو بن هند إلى عماله على نواحي الريف يأمرهم أن
يأخذوا المتلمس أن قدروا عليه يمتار طعاما أو يدخل الريف، فقال المتلمس يذكر ما أشار به على
طرفة من إلقاء الصحيفة والنظر فيها، وتحذيره إياه:
مَن مُبْلغُ الشعراء عن أخَوَيْهمُخبراً فتصدقكُمْ بذاكَ الأنْفُسُ
وقال فيما كان من كتاب عمرو بن هند إلى عماله على الريف ليأخذوه ويمنعوه من المسير،
ويحضضهم عليه:
يا آل بكر ألاَ لله أمكمُطالَ الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
وقال أيضا:
إنّ العراقَ وأهله كانُوا الهَوَىفإذَا نآنا ودُّهمْ فليبْعُدِ
وقال أيضا:
أيُّها السَّائلي فإنّي غريبٌنازحٌ عن مَحَلَّتي وصَمِيمِي
وقال أيضا:
كانوا كسامةَ إذْ خَلَّى مَسَاكنَهثم استمرّتْ به البُزْلُ القناعيسُ
قال ابن الكلبي: يعنى سامة بن لؤي. وكان من سببه إنه جلس وكعب وعامر يشربون، فوقع بينهم
كلام، ففقأ سامة عين عامر وهرب إلى عمان.
وقال المتلمس في عصيان طرفة اياه وتركه نصيحته:
ألاَ أبلغَا أفناءَ سعدِ بن مالكرسالة مَن قد صار في الغرب جانبُه
أفناء: جماعات، واحدهم فنو. والغرب: ناحية المغرب التي هو فيها.
وقال المتلمس:
قولاَ لعمرو بن هند غير متّئبٍيا أخنسَ الأنفِ والأضراسُ كالعدَسِ
قوله (غير متئب)، معناه غير مستحى. يقال أو أبته، إذا أتيت إليه ما تستحييه. قال الشاعر:
لما أتاهُ خاطباً في أربعَهْأوْأبَهُ ورَدَّ من جاءَ معَهْ
الابة: العار وما يستحيا منه. قال ضمرة بن ضمرة:
أأصُرًّها وبُنَيُّ عَمى ساغبٌفكفاك من إبةٍ علىَّ وعابِ
وقال أحمد بن عبيد: أو أبته: أخزيته؛ والإبة: الخزي. والخنس: تأخر الأنف وقصره أن يسبغ إلى
الشفة. وقوله: (والأضراس كالعدس): في صغرها وسوادها.
قال ابن الكلبي: ليس هذا الشعر للمتلمس، ولا قوله (كأن ثناياه)؛ إنما هو لعبد عمرو بن عمار
الطائي من بني جرم. وفي هذين الشعرين قتل. قال: وليس الشعر في عبد عمرو ولكنه في الأبيرد
الغساني وهو قتل عبد عمرو بن عمار.
مَلْكُ النَّهارِ وأنتَ اللَّيلَ مُومِسةٌماءُ الرّجالِ على فخذيكَ كالقَرِسِ
قال يعقوب: ملك النهار لغة ربيعة. ومومسة: فاجرة. كالقرس أراد القريس، وهو الجامد. والقرس:
البرد.
لو كنتَ كلبَ قنيص كنتَ ذا جُدَدٍتكون أربتُه في آخر المَرَسِ
القانص والقنيص والمقتنص: الصائد. جدد: طرائق، واحدتها جدة. فشبهه بكلب فيه بُقع، وان شئت
بَقع.
والأربة: العقدة. يقال: أرب عقدك، أي شده. ومنه قد تأرب الرجل: تشدد وتعسر. وأربته: عقدته،
يعنى قلادة الكلب. والمرس: الحبل، أي هو في آخر الكلاب فقلادته آخر القلائد:
لَعْواً حَريصاً يقول القانصانِ لهقُبِّحتَ ذا أنفِ وجه ثَمَّ منتكِسِ
قوله: (منتكس) معناه منكس الوجه. وقال الطوسي: منتكس خائب. واللعو من الكلاب: الحريص.
وقال أبو المنذر: هذا الشعر لعبد عمرو بن عامر بن أمتي بن ربيع بن منهب بن شمجي بن جرم -
وهو ثعلبة - بن عمرو بن الغوث، يهجو الأبيرد الغساني. وهذا البيت أيضا له:
كأنَّ ثناياه إذا افترَّ ضاحكاً رءوسُ جَراد في إرينَ تُحسْحَسُ
وما أبو عمرو فرواه لطرفة. والإرون: جمع ارة، وهي الحفرة فيها النار. تحسحس: تحرك. افتر:
تبسم، ويقال امرأة حسنة الفرة، أي حسنة الابتسام. وأما الطوسي فرواه: (في إرين تخشخش)، أي
تحرك.
ثم لبث عبد هند التغلبي على البحرين زمانا، إلى أن بلغ عمرو بن هند ما عتب عليه، فبعث إليه
رجلا يقال له بريم، وكان رجلا جسيما، فقال له: اذهب بكتابي هذا إلى فلان وقل له: أني قد
استعملتك على البحرين، وإياك أن يفلتك عبد
هند! فانطلق يريم حتى قدم على الرجل ودفع إليه
عهده، فقال له: دونك عبد هند. فقال بريم: أني لست أقبله منك حتى تشد رجله برجلي بسلسلة. ففعل
صاحب البحرين ذلك. وبلغ بني تغلب أمر صاحبهم وما صنع به. فأقعدوا لبريم على طريقه الذي
كان يأخذ عليه رجلا كان معه طعام كثير وزق خمر، وقالوا للرجل: إنهما ماران بك، فلا تأل أن
تطعمها وتسقى الرجل حتى تسكره، فعسى الله أن ينجي عبد هند. فمرا بالرجل فأنزلهما وأطعمهما
وسقاهما، حتى سكر بريم فخر لا يعقل، فقطع عبد هند السلسلة وهرب، واستيقظ بريم من سكره فلم
يجده، فلذلك حيث يقول عبد هند:
يُناديني لأنظرَه بُرَيمٌفدعْني إنَّما أرَبى أمامي
قوله (لأنظره)، أي لأنتظره. أربى، معناه حاجتي. أمامي، أي أني أريد الهرب.
وقال طرفة:
لِخَوْلةَ أَطلالٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِظَلِلْتُ بها أَبكي وأَبكي إلى الغَدِ
قال هشام الكلبي: خولة: امرأة من كلب. و (الأطلال): واحدها ظلل. والطلل: كل شخص من آثار
الدار. قال امرؤ القيس:
ألا انعَمْ صباحاً أيها الطلَّل الباليوهل يَنْعَمنْ من كان في العُصُر الخالي
ويقال: حيا الله طللت، أي شخصك. ويقال في جمع الطلل أطلال وطلول. قال جرير:
بقِيَتْ طُلولُكِ يا أميمَ على البلىلا مِثل ما بقيِتْ عليهِ طُلولُ
والرسم: الأثر بلا شخص؛ وجمعه ارسم ورسوم. والبرقاء والابرق: رابية فيها رمل وطين، أو طين
وحجارة يختلطان. و (ثهمد): موضع. ويقال: ظللت
أفعل كذا وكذا، وظلت أفعله وظلت أفعله، بكسر
الظاء وفتحها، إذا كنت تفعله نهارا. وبت أفعل كذا وكذا، إذا كنت تفعله ليلا. وروى الأصمعي:
تلوح كباقي الوَشْم في ظاهرِ اليدِ
تلوح معناه تبرق. ويقال للثور الوحشي لياح وليَاح؛ لبريقه وبياضه.
و (الوشم): أن يغرز بالإبرة في الجلد ثم يذر عليه الكحل والنؤور، فيبقى سواده ظاهرا، يفعل ذلك
بضروب من النقش، كانت النساء في الجاهلية تفعله تزينا به، ونهى النبي ﷺ عنه،
(لعن رسول الله ﵊ النامصة والمنتمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة
والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة). فالنامصة التي تنتف الشعر عن وجهها؛ ومنه قيل للمنقاش
منماص، لأنه ينتف به الشعر من الوجه. والمنتمصة: التي يفعل ذلك بها. والواشرة: التي تشر
أسنانها، وذلك أن تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر. والأشر: تحدد في أطراف الأسنان، ومنه قيل
ثغر مؤشر، وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث، تفعله المرأة الكبيرة تشبها بالأحداث. والواصلة
والمستوصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر، والواشمة: التي تغرز ظهر كفها بالإبرة والمسلة
وتحشوها بالكحل. والنورة لتخضر. يقال وشمت تشم وشما، فهي واشمة والمفعولة موشومة. قال
قيس بن أبي حازم: (دخلت على أبي بكر الصديق، رضي الله سبحانه عنه، فرأيت أسماء بنت
عميس موشومة اليدين. وإنما كان ذلك الفعل منها في الجاهلية، ثم بقى فلم يذهب). وقال لبيد:
أو رَجْع واشمةٍ أسِفَّ نَؤُورهاكِففَاً تَعرَّضَ فوقَهنَّ وِشامُها
وقال آخر:
كما وُشِم الرَّواهشُ بالنَّؤور
الرواهش: عروق ظاهر الكف. والنواشر: عروق باطن الذراع.
والأطلال يرتفع باللام، وخولة مخفوضة باللام ونصبت لأنها لا تجري، وتلوح صلة الأطلال، وما
فيه يعود على الأطلال، والباء في قوله ببرقة والكاف صلتان لتلوح.
وفيه وجه ثان: وهو أن يرتفع الأطلال باللام وتكون الباء صلة للأطلال، ويكون تلوح في موضع
نصب على الحال من الذكر الذي في الباء من الأطلال، لو صرفته إلى الدائم لكان نصبا فقلت: لائحة
كباقي الوشم، إلا أن تلوح يرتفع بالتاء، والكاف صلة لتلوح منصوبة به.
وفيه وجه ثالث: وهو أن يرتفع الأطلال بما عاد من تلوح ويكون اللام والكاف صلتين لتلوح، والباء
صلة الأطلال. وتقدير البيت: أطلال ببرقة ثهمد تلوح لخولة كباقي الوشم.
وفيه وجه رابع: وهو أن يرتفع الأطلال بالكاف ويرتفع الكاف بالأطلال، ويكون الباء صلة تلوح،
وتلوح في صفة الأطلال، فاللام صلة الكاف. وتقدير البيت: أطلال تلوح ببرقة ثهمد مثل باقي الوشم
لخولة.
والنؤور: شحمة تلقى على النار ويكب عليها طست أو غيرها مما يشبهها، فيعلق دخانها بها، فيؤخذ
ما لصق من الدخان بالطست فيذر في مغرز الإبرة. قال الطرماح يذكر ثورا:
يَقَقُ السَّراةِ كأنَّ في سَفِلاتهأثَرَ النَّؤور جرَى عليه الإثمدُ
حُبِسَت صُهارتُه فظَّل عُثَانُهفي سَيْطل كفِئتْ له يتردَّدْ
وُقوفاً بها صَحْبي علىَّ مطَّيهُمْيَقُولونَ لا تَهلِكْ أَسىً وتجَلَّدِ
(الصحب): جمع صاحب؛ ويقال في جمع الصاحب أصحاب وصحب وصحبان. وقوله (لا تهلك
أسى) معناه لا تقتل نفسك. يقال: هلك الرجل يهلك هَلكا وهُلكا ومهلكة. ويقال: اذهب فإما هلك وأما
ملك، أي أما أن نهلك وأما أن نملك. والأسى: الحزن. وتجلد: تصبر.
كأَنَّ حُدُوجَ المالكَّيةِ غُدْوةًخَلايا سَفِينٍ بالنَّواصِف من دَدِ
(الحدوج): مراكب النساء، واحدها حدج. ويقال له حداجة وحدائج. ويقال: أحدج بعيرك حدجا، أي
اشدد عليه حداجه. ويقال: حدجه ببصره إذا رماه به؛ وقد حدجه بسهم. ويقال: حدجه بذنب غيره، إذا
رماه به. قال العجاج يصف الحمار وأتانه:
إذا اثبجَرَّا من سَوادٍ حَدَجَا
اثبجرا، معناه تفزعا وتقبضا. والسواد: الشخص. ومعنى حدجا: رميا بأبصارهما.
والمالكية: من بني مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وقال الطوسي: نسبها إلى مالك بن سعد بن
ضبيعة. وقال الأصمعي: الخلايا السفن العظام، واحدها خلية. ولا يقال سفينة خلية. وقال أبو عبيدة:
الخلية السفينة العظيمة معها قارب، أي زورق صغير. قال أحمد بن عبيد: لا تكون السفينة خلية إلا
ومعها قارب، كالخلية
من الإبل المعطوفة على ولد. قال الأصمعي: النواصف، واحدتها ناصفة:
مواضع تتسع من الأدوية كالرحاب. وقال ابن الأعرابي: هي أرض. وإنما أراد ناصفة فقال
نواصف. وقال الطوسي: قال بعضهم: النواصف مجارى الماء إلى الأدوية. و (ددٌ): مكان.
ويقال في جمع غداة غدوات، لا يقال في جمعها إذا كانت مفردة غدايا، فإذا صحبت العشية جمعت
غدايا لتزدوج اللفظتان، فيقولون: إنه ليأتينا بالعشايا والغدايا. وأنشد الفراء:
هتَّاكِ أخبْيِة وَلاّجِ أبْوِبَةيَخْلِط بالجدِّ منه البِرَّ واللِّينا
فجمع الباب ابوبة ليزدوج مع الأخبية.
والحدوج اسم كأن، والخلايا موضعها رفع على خبر كأن والإعراب لا يتبين في لفظها، والباء في
النواصف حال، ومن صلة النواصف، ومعنى الباء التقديم على الخلايا، وتقدير الكلام: كأن حدوج
المالكية غدوة بالنواصف من دد خلايا سفين، أي كأن حدوج المالكية وهي بالنواصف خلايا سفين،
أي وهذه حالها.
قال الله ﵎: (فذَكِّرْ فما أنْتَ بِنعمةِ ربِّكَ بكاهِن ولا مجنونٍ) فالباء الثانية دخلت للجحد،
والأولى حال. والمعنى: فذكر فما أنت وأنت في نعمة ربك بكاهن أي فما أنت وهذه حالك بكاهن.
والغدوة موضعها نصب على الوقت وكان حقها إلا الثلاثاء لأنها لا تجرى، فاضطر الشعر إلى
إجرائها، وإنما صار حكمها ترك الإجراء لأنها مؤنثة معرفة. قال الفراء: سمعت أبا الجراح العقيلي
يقول: ما رأيت كغدوة قط، يعنى غداة يومه إنها كانت باردة. قال: والدليل على إنها معرفة لا تجري
أن العرب لا تضيفها ولا تدخل
عليها الألف واللام، ولا يقولون: رأيتك غدوة الخميس إنما يقولون غداة الخميس. وقد قرا أبو عبد
الرحمن السلمي: (واصبِرْ نَفْسَك مع الذين يَدعُون رَبَّهمْ بالغُدْوة والعَشِيّ)؛ وهي قراءة شاذة لا يقاس
عليها ولا تجعل أصلا.
عَدَوْلِيّةٌ أو مِنْ سَفِينِ ابنِ يا مِنٍيَجُورُ بها المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتدِي
قال أحمد بن عبيد: العدولية منسوبة إلى جزيرة من جزائر البحر يقال لها عدولي في اسفل من
أوال، وأوال أسفل من عمان. وقال غيره: العدولية منسوبة إلى قوم كانوا ينزلون بهجر ليسوا من
ربيعة ولا من مُضر ولا من اليمن. وابن يامن: ملاح من أهل هجر أيضا. وقوله (يجور بها الملاح)
يعدل بها ويميل، ومرة يهتدي: يمضى للقصد. وقال ابن الأعرابي: عدولية نسبها إلى قدم أو ضخم.
ويروى: (عدولية) بالرفع. فمن خفضها جعلها نعتا للسفين، ومن رفع جعلها نعتا للخلايا. وموضع
سفين خفض إذا خفضت العدولية، ورفع إذا رفعت العدولية، لأنها نسق عليها، كما تقول: نحن بخير،
وكثير صيدنا، فتنسق كثيرا على الباء لأنها في محل رفع. وقال أحمد بن عبيد: (الرواية: عدولية،
بالخفض)، ويجور خبر مستأنف، ويجوز أن يكون في موضع خفض، لو صرفته إلى فاعل لخفضته
على النعت للعدولية. والملاح رفع بيجور، ويهتدى نسق على يجور.
يَشُقُّ حَبَابَ الماءِ حَيزومُها بهَاكما قَسَمَ التُّربَ المُفايِلُ باليَدِ
معناه يشق حيزومها حباب الماء. والحيزوم: الصدر، يقال له حيزوم وحزيم. قال الشاعر:
فتعَزَّيتُ إنني ذو عزاءِوعلى كلِّهم شَددتُ حَزِيمى
ويقال في جمع الحيزوم حيازيم وحيازم؛ أنشدنا أبو العباس لأبي حية النميري:
رمَينَ فأنفَذْن القُلوبَ ولا تَرىدماً مائراً إلاَّ جوَىً في الحيازِم
ويقال: شققت الشيء أشقه شقا. والشَّق بفتح الشين المصدر. والشِّق بكسر الشين الاسم، والشق
أيضا: نصف الشيء، والمشقة أيضا. قال الله ﵎: (لم تكونوا بالغِيِه إلاّ بشِقِّ الأنفُس) يقرأ
بفتح الشين وكسرها، والمكسور اسم والمفتوح مصدر. وقال أبو حزام العكلي:
وذُو إبِلٍ يَسَعى وتَحسِبها لهأخِي نَصَب من شَقِّها ودُءوبِ
ويروى: (من شقها) بكسر الشين.
و (الحباب): طرائق الماء. وحجى الماء: نفاخاته، وقال الطوسي: هو حباب الماء. وقال أبو عمرو
وابن الأعرابي: هو أمواجه. وقال الطوسي وغيرهما: حباب الماء: النفاخات التي تراها فوق الماء،
الواحدة حبابة. قال عمارة بن عقيل في الحباب:
ولا متقِّلب الأمواج يبقىإلى نَجَواته السُّفنَ الحَبابُ
فجعل الحباب هاهنا الموج. و (المفايل): الذي يلعب لعبة لصبيان الأعراب، يقال لها الفيال
والمفايلة، وهي تراب يكومونه، أو رمل يخبؤون فيه خبيا، ثم يشق المفايل تلك الكومة بيده فيقسمها
قسمين ثم يقول: في أي الجانبين خبأت؟ فإن أصاب ظفر، وإن أخطأ قمر. ويروى:
يشقُّ حَبَابَ الماءِ حيَزُومُ صدرِها
ويقال للتراب: التورب، والتيرب، والتوراب، والتيراب، والترباء. ويجمع التراب أتربة، وتِرْبانا،
وتُرْبانا.
وموضع الكاف في (كما) نصب، وموضع ما خفض بالكاف وما بعدها صلة لها، ولا عائد لها لأنها
في معنى المصدر. والمفايل رفع بقسم، والترب مفعوله، والباء صلة.
وفي الحيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌمُظاهِرُ سِمْطيْ لُولوٍ وَزبَرْجَدِ
الأحوى: ظبي له خظتان من سواد، وإنما أرد سواد مدمع عينه، فشبه المرأة بالظبي الأحوى،
والأحوى كناية عنها. وقوله: (ينفض المرد)، معناه يعطو ليتناول ثمر الأراك فيسقط عليه النفض.
والنفض: كل ما سقط من الورق. يقال: نفضت الغصن نفضا. ومثله اللقط. يقال لقطت الرطب لقطا؛
واللقط: ما سقط من الرطب فالتقط. والمرد: ثمر الأراك، الواحدة مردة. أتنشدنا أبو العباس:
وسَّودَ ماءُ المَردِ فاها فلونُهكلون النَّؤُورِ وهي أدْماءُ سارُها
يقول طرفة: فهذا الظبي في شجر الأراك، فهو ينفض ثمره بروقيه، والروق: القرن. وإنما أراد إنه
في خصب. و (الشادن): الذي قد تحرك وكاد يستغني عن أمه من الظباء؛ والأم مشدن، وقد شدن هو
شدونا، إذا قوى وتحرك.
وقال أحمد بن عبيد: (ينفض المرد) معناه يلعب، لأنه قد شبع. قال ابن مقبل:
والعيَرُ ينفُخُ في المَكْنانِ قد كَتنتْمنه الجحافلُ وَسْطَ العِضرِس الثُّجَرِ
والثجر: جمع ثجرة: وهو ما اجتمع من النبت؛ وكذلك نبت العضرس. يصف إنه قد شبع. وقال
غير أحمد بن عبيد: قوله (مظاهر سمطي لؤلؤ)، معناه لبس واحدا فوق آخر. يقال: تظاهرت الأخبار
وتطابقت، أي أتى خبر على إثر خبر. ويقال: تظاهر القوم على فلان: تعاونوا عليه. ويقال: ظاهر
بين ثوبين وطابق، إذا لبس واحدا فوق واحد. ويقال: ظهرت على الشيء، إذا علوت عليه. قال الله
﷿: (فَما اسْطَاعُوا أن يَظْهَرُوه)، معناه أن يعلوا. والسمط: الخيط من اللؤلؤ، وجمعه سموط.
وقال أحمد بن عبيد: السمط: الخيط من اللؤلؤ وغيره: وقال غيره: شبه المرأة بظبي يرعى ثمر
الأراك، ثم قال: (مظاهر سمطى لؤلؤ)، فاللفظ على الظبي والمعنى للمرأة. وقال العجاج:
برّاقة كظبية البَريرِ
والاحوى موضعه رفع بفي، وينفض المرد صلة الاحوى، والشادن يصف الاحوى وكذلك مظاهر
سمطى لؤلؤ. ويجوز في العربية: (مظاهر سمطى) بالنصب على الحال مما في ينفض من ذكر
الاحوى، لأن كناية النكرة معرفة. والزبرجد نسق على اللؤلؤ، وموضع سمطى خفض بإضافة مظاهر
إليه.
خَذُولٌ تُراعِي رَلْرَباً بخَمِيلةٍتَنَاوَلُ أَطْرافَ البَرِيرِ وتَرْتَدِي
الخذول: التي خذلت صواحبها وأقامت على ولدها، وهي الخاذل. فان قال قائل: كيف قال: (وفي
الحي أحوى) ثم قال (خذول)، والخذول نعت الأنثى؟ قيل له: هذا على طريق التشبيه، أراد: وفي
الحي امرأة تشبه الغزال في طول عنقها وحسنها، وتشبه البقر في حسن عينيها؛ كما تقول: هي شمس
هي قمر! وقوله (تراعي ربربا) معناه أرعى مع الربرب، لأنها قد خذلت صواحبها وقطيعها، فهي
تراعى البقر. وإنما تخذل إذا كان لها خشف. وخص الخذول الجهتين: لأنها فزعة ولهة على خشفها،
فهي تشرئب وتمد عنقها وترتفع وترتاع؛ ولأنها منفردة، وهو أحسن لها، ولو كانت في قطيعها لم
يستبن حسنها. و (الربرب): قطيع الظباء والبقر. قال الشاعر:
إلى السَّلف الماضي وآخرَ سائرٍإلى ربربٍ حِيرٍ حِسانٍ جآذرُه
أراد بالربرب القطيع من الظباء. والحير: الحور، أبدل من الواو ياء. قال الفراء: العرب تقول حور
عين وحير عين، وربما قالوا حير بالياء من غير أن يذكروا عينا. والحور: سواد المقلة كلها؛ وهو
في الظباء، وليس في الناس حور. هذا قول أبي عمرو. و (الخميلة): أرض سهلة لا حزن فيها، وهي
ذات شجر. وكل ذات خمل خميلة. وقال الطوسي: وقد تكون الخميلة من الرمال. وقال غيره:
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع