تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الأول (٥)

يقول: ولو بتما، وموضع كل واحد منكما على حسب فضله، ومكانه حيث يستحق بقدره، لبت في مواضع النجوم، وباتت في موضعك، تعلوها وتسفل منك، وتسبقها وتتواضع عنك.

أنَلْتَ عِبَادَك ما أمَّلَتْأنَالَكَ رَبُّكَ ما تَأمُلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: أنلت عبيدك، وهم العباد، ما أملوه من فضلك، وحققت رجاءهم فيما استدعوه من كرمك، أنالك ربك ما تأمله، وأيدك على ما تقصده، وتكفل لك بتقريب ما تريده.

وركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس، في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وأصبح وقد صف الجيش قاصداً سمندو، وكان أبو الطيب متقدماً، فالتفت فرآه وقد خرج من الصفوف يدير رمحاً بيده، فرجع إليه، فسايره، وأنشده:

لِهذا اليومِ بَعْدَ غدٍ أريجُوَنَار في العَدُو لها أجِيْجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الأريج: الفوج، وأجيج النار: اشتعالها.

فيقول: لهذا اليوم بعد غد، بطيب ذكره، وكريم خبره، ومشكور أثر سيف الدولة فيه، فوح يتضوع، وطيب يعبق، ونبأ محمود يؤثر.

تَبِيْتُ بِهِ الحَوَاصِنُ آمِنَاتٍوَتَسْلَمُ في مَسَالِكِها الحَجِيجُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحواصن: العفائف، واحدتهنَّ حصان.

ثم قال: يشير إلى ما يوقعه سيف الدولة في ذلك اليوم بالعدو، وأن ذلك يوجب له من قوة سلطانه، ما تأمن به الحواصن من نساء

الثغور، وما يسلم معه السالكون لطرق الحج.

فَلاَ زَالَتْ عُدَاتُكَ حَيْثُ كَانَتْفَرائِسَ أيهَّا الأسَدُ المَهِيج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

فريسة الأسد: ما دق عنقه.

فيقول لسيف الدولة: فلا زالت أيها الرئيس، الذي يشبه اهتياجه في حربه اهتياج الأسد عند غضبه، عداتك حيث تصرفت من الجهات، وأين كانت من البلاد، فرائس تصرعهم وقائعك، وتتحكم فيهم صوارمك.

عَرَفتُكَ والصّفوفُ مُعّبَّاتُوأنتَ بغَيْرِ سَيْرِكَ لا تَعيْجُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العائج: المكترث، يقال: عاج بعيج إذا اكترث، وعاج يعوج إذا انعطف.

ثم قال: عرفتك مع كثرة عساكرك، وازدحام كتائبك، والصفوف معبئات للحرب، مهيئات للطعن والضرب، وأنت لا تحفل بغير سيرك ولا تكترث للقاء عدوك.

وَوَجْهُ البحرِ يُعْرَفُ من بعيدٍإذا يِسْجُو فكيفَ إذا يَمُوجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

يقال: البحر يسجو إذا سكن، ويموج إذا ارتج.

ثم ضرب مثلاً، فقال: وكذلك البحر لا يخفي موضعه مع سكونه، ولا يغيب عن الأبصار مع قراره، فكيف إذا هاج وزحر، وارتج وطمح؟! وأنت كذلك، لا يخفي على البعيد موضعك مع السلم، فكيف بك عند تأهبك للحرب؟!

بأَرضٍ تَهْلِكُ الأشْوَاطُ فيهاإذا ملَئِتْ من الركضِ الفُرُوجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الأشواط: جمع شوط، وهو ما بين أول الطلق وآخره.

فيقول: إن هذا الجيش يسير من أرض الروم في أرض بسيطة، بعيد آخرها، نائية نهايتها، وإن ذلك البعد يقرب على هذا الجيش بشدة ركضه، وسرعة سيره، فتهلك الأِشواط عند ما هو بسبيله من الإسراع إلى العدو، والجد في قصده.

تُحَاولُ نَفْسَ مَلْكِ الرومِ مِنْهاَفَتَفْدِيهِ رَعِيَّتُهُ العُلُوجُ

ثم قال: تحاول من هذه الأرض نفس ملك الروم، فتيقنا بفراره، ويعتصم منا بهربه، ويجعل فداءه رعيته المغنومة، وعساكره المهزومة.

أَبا الغَمَراتِ تُوْعِدُنَا النَّصَارىوَنَحنُ نُجُومُها وَعسَ البُرُوجُ

غمرات الحرب: شدائدها.

فيقول: أبشدائد الحرب تواعدنا النصارى، وهي أوطاننا التي نألفها، ومواضعنا التي نسكنها؟ فانتقالنا فيها كانتقال النجوم في بروجها، وتصرفها في منازلها، فكيف نهاب ما لا نعدمه، ونتوقع ما لا نفقده؟!

وَفِينَا السيْفُ حَمْلَتُهُ صَدُوقإذَ لاَقى وَغَارَتُهُ لَجوجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه: وفينا سيف الدولة، وهو السيف صرامة وشدة، ونفاذاً وعزيمة، إن حمل صدقت حملته، وإن أغار أبعدت في المقصد غارته.

نُعَوِّذُهُ من الأعيانِ بَأساًوَيَكْثُرُ بالدُّعاءِ لَهُ الضَّجِيْجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

ثم قال: نعوذه من بأس العيون مخافة أن تلقعه، ويكثر الضجيج بالدعاء له شكراً

على ما يفعله.

رَضِيْنَا والدُّمُسْتُقُ غَيْرُ راضٍبِمَا حَكَمَ القواضِبُ والْوَشِيجُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الدمستق بالرومية: قائد جيوش الروم، والقواضب: السيوف، والوشيج: الرماح.

فيقول: رضينا بما حكمت به السيوف والرماح، من استباحة بلاد الروم، وسبي نسائهم، وقتل رجالهم، والدمستق لا يرضى بذلك الحكم؛ لما فيه من هتك ملكه، وإذلال عزه.

فإنْ يُقْدِمْ فَقَدْ رُرْنَا سَمَنْدُووإن يُحْجِمْ فَمَوْعِدُه الخَليجُ

سمندو: حصن يتوسط بلاد الروم، والإحجام: التأخر، والخليج: ما انجر إلى القسطنطينية من البحر.

ثم قال: فإن يقدم فيها نحن اؤلاء بسمندو، وهي من وسائط أرضه، فليقدم إن كانت به على ذلك قوة، وإن يحجم فنحن على أثره لا ننصرف عن الخليج حتى نرده، ولا نتأخر عنه حتى نبلغه.

شرح غزاة المصيبة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.

ومر سيف الدولة في هذه الغزاة بسمندو، وعبر آلس، وهو نهر عظيم، ونزل على صارخة فأحرق ربضها وكنائسها، وربض خرشنة وما حولها، وأكثر القتل وأقام بمكانه أياماً، ثم رحل حتى عبر آلس راجعاً، فلما أمسى ترك السواد وأكثر الجيش، وسار حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهراً، فلقي الدمستق، وكان في ألوف من الخيل، فلما نظر إلى أوائل خيل المسلمين ظنها سرية، فثبت لها، وقاتل أوائل الناس حتى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة فانهزم، وقتل من فرسانه خلق (كثير)، وأسر من بطارقته نيف على ثمانين، وأفلت الدمستق، ولذلك قال أبو الطيب:

ذَمَّ الدُّمُسْتُقُ عَيْنَسهِ وَقَدْ طَلَعَتْسُودُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أَنَّها قَزَعُ

وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانماًن فلما وصل إلى عقبة تعرف بمقطعة الأَثفار، صافة العدو على رأسها، فأخذ سيف الدولة ساقة الناس يحميهم، فلما انحدر بعد عبور الناس، ركبه العدو، فجرح من الفرسان جماعة، وفي ذلك قال أبو الطيب:

وَفَارِسُ الخَيْلِ مِنْ فَوَقَّرَهَافي الدَّربِ والدَّمُ في أعْطَافِها دُفَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ونزل سيف الدولة على بردان، وهو نهر، وضبط العدو عقبة السير، وهي عقبة صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها، وكثرة العدو بها، فعدل مياسراً في طريق وصفه له يعض الأدلة، وأخذ ساقة الناس، وكانت الإبل كثيرة معيية، واعترضه العدو آخر النهار من

خلفه، فقاتله إلى العشاء، وأظلم الليل، وتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون سوادهم، فلما رأى ذلك، وبقي وحده مع نفر يسير، سار حتى لحق بالسواد تحت عقبة قريبة من بحيرة الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانيين، وجعل سيف الدولة يستنفر الناس، فلا ينفر أحد، ومن تخلص من العقبة نهاراً لم يرجع، ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة، وتخاذل

الناس، وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة الزراورة وكل من كان في السلاسل وسار سيف الدولة واجتاز أبو الطيب العدو آخر الليل بجماعة من المسلمين، يعضهم نائم بين القتلى من التعب، وبعضهم يحركونها فيجهزون على من تحرك؛ فلذلك قال أبو الطيب:

وَجَدْتُموهُمْ نِيامَاً في دِمَائِكُمُكَأَنَّ قَتْلاَكُمُ إيَّاهُمُ فَجَعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ورجع سيف الدولة إلى حلب، فقال أبو الطيب بعد القفول يصف الحال، أنشدها سيف الدولة في جمادى الأخيرة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة:

غَيْري بأكثِر هذا النَّاس يَنْخَدِعُإن قاتَلُوا جَبُنُوا في حَدَّثوا شَجُعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الناس، اسم من أسماء الجموع يخبر عنه بالإفراد على لفظه، وبالجمع على معناه.

فيقول: غيري ممن يجهل الناس ولا يعرفهم، يغير بأكثرهم فيخدعونه بالدعاء، ويغرونه بالكذب، وشأنهم، وحيلتهم، وحالهم وحقيقتهم، أنهم يشجعون في حديثهم وما يعدون به من أنفسهم، ويجبنون في قتالهم، ويضعفون عند اختبارهم. وأشار إلى ما تظهر من عجز أصحاب سيف الدولة في هذه الغزاة التي سميت بغزاة المصيبة، التي تقدم ذكرها.

أَهْلُ الحَفِيْظَةِ إِلاَّ أَنْ تُجَرّبَهُمْوَفي التجِارِبِ بَعْدَ الغَيَّ ما يَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحفيظة: الأنفة، والوزع: الكف.

ثم قال: يظهرون الحفيظة والصبر، والأقدام والجلد، ويتزينون بذلك ما لم تقع التجربة لهم، وفي تجربتهم ما يمنع من الاغترار بكذبهم، وينزع عن الغي في حسن الظن بهم.

وما الحَيَاةُ وَنَفْسٍي بَعْدَمَا عِلَمَتْأَنَّ الحَياةَ كما لا تَشْتَهي طَبَعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطبع: الدنس.

ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهرة، وسلم مارنه

فيقول: وما لنفسي والركون إلى الحياة، والحرص عليها، والاغتزار بها، وهي تعلم أن حياة الإنسان على حال يكرهها، وطريقة لا يستحسنها؛ دنس ودناءة، وسقوط وضعة.

لَيْسَ الجَمَالُ لِوَجْهٍ صَحَّ مارِنُهُأَنْفُ العَزِيْزِ بِقَطْعِ العِزَّ يُجْتَدَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المارن: مقدم الأنف وهو ما لان منه.

ثم قال: ليس الجمال لوجه صح ظاهره، وسلم مارنه، واعتمد المارن من بين سائر الوجه؛ لأن العرب تفعل ذلك فتقول: أرغم الله أنف فلان، فتقصد الأنف من بين سائر الوجه.

فيريد: أن جمال الوجه ليس بسلامة ظاهرة، فأنف العزيز يجتدع بالإذلال، وحسنه يستلب بالإخلال به.

أَأَطْرَحُ المَجْدَ عَنْ كِتْفِي وأطْلُبُهُوأتْرُكُ الغَيْثَ في غِمْدي وأنْتَجِعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الانتجاع: طلب الكلأ.

فيقول: أأدع أن أحوز المجد بالسيف، وأكتسب المال من طريق الحرب، وأتناول ذلك بالطلب، وأتكلف فيه أشد الشعب، فأكون كمن طرح عن كتفه ما يطلبه، وترك في غمده ما ينتجعه.

وَالمَشْرَفِيَّةُ لا زَالَتْ مُشَرَّفَةًدَوَاَء كُلِّ كَريمٍ أوْهِيَ الوَجَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال: والمشرفية لا زالت مشرفة، فأبدع في المجانسة، ودعا للسيوف بدوام الرفعة؛ لأنها دواء الكريم الذي يستشفي به إذا أسعدته، أو وجعه الذي يتشكاه إذا خذلته.

وَفارِسُ الخَيلِ مَنْ خَفَّتْ فَوَقَّرَهَافي الدَّرْبِ والدَّمُ في أعْطَافِها دُفَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الدرب: المدخل إلى بلاد العدو، والعطف: الجانب.

فيقول: وفارس الخيل من وقرها وقد استفزها الخوف، وثبتها

وقد استولى عليها

الوجل، فاقتدت بصبره، وشجعت بموضعه، والدم دفع في جوانبها، عضتها الحرب، وأنهكها الطعن والضرب، وأشار إلى سيف الدولة وما ظهر من جلده في هذه الوقعة.

وَأوْحَدَتْهُ وَمَا في قَلْبِهِ قَلَقُوأغْضَبَتْهُ وَمَا في لَفْظِهِ قَذَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

القذع: السب.

ثم قال: وأوحدته، يريد: أن الخيل أفردته بتوليها عنه، فلم يحدث ذلك فلقاً في قلبه، وأغضبته بما ظهر عليها من قلة الصبر، فلم يوجب ذلك قذعاً في لفظه، بل ثبت عند اضطرابها ثبات الواثق بنفسه، وأقدم المعول على شجاعته وبأسه.

بالجَيْشِ تَمْتَنِعُ السَّادَاتُ كُلُّهُمُوالجَيْشُ بابن أبي الهيجاء يَمْتَنِعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن السادات كلهم، إنما يعدون الجيوش ليمتنعوا بها، ويتعززوا بكثرتها، وسيف الدولة يمنع جيشه، ويعز جمعه، ويحميه ولا يحتمي به، ويشجعه ولا يشجع بموضعه.

قَادَ المقَانِبَ أقَصَى شُرْبِها نَهَلُعلى الشَّكيمِ وأدنى سَيْرَها سِرَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المقنب: ثلاث مائة من الخيل أو نحو ذلك، والجمع مقانب، والنهل: الشرب الأول والشكيم: جمع شكيمة، وهي حديدة اللجام المعترضة في فم الدابة، والسرع: شدة الإسراع.

ثم قال، مبيناً لما ذكره عنه: قاد مقانب الخيل إلى أرض العدو مجتهداً في سيره مقتحماً على تلك البلاد في غزوه، فسار وأقصى شرب خيله النهل على الشكيم، لا يوجدها السبيل إلى نزع لجمها، واستيفاء الري في شربها، وأدنى ما تتكلفه من السير والسرع الذي هو غاية الجري، وأقصى ما تحاول من العدو، يشير إلى ما كان عليه سيف الدولة في هذه الغزاة من الجد، وما احتمل عليه من قوة العزم.

لا يَعْتَقِي بَلَدُ مَسْراهُ عن بَلدٍكالموتِ لَيْسَ لَه رِيُّ ولا شَبَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يعتقي: بمعنى يحبس، وهو مقلوب من عاق يعوق، كان أصله يعتاق، فقلب إلى يعتقي. وخرشنة: اسم مدينة من مدائن الروم.

فيقول: إن سيف الدولة سار مجداً في سيره، مقتحماً على الروم في غزوه، لا يعوقه بلد عماً بعده، ولا يقنعه حصن يفتتحه عن التماس ما خلفه، كالموت الذي لا يرويه ولا يشبعه كثرة من يفنيه ويهلكه.

حَتَّى أقَامَ عَلَى أَرْبَاضِ خَرْشَنَةٍتَشْقَى به الرُّومُ والصُلْبَانُ والبِيَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال: حتى أقام على أرباض خرشنة، وهي من وسائط تلك البلاد، وقد شقيت الروم بكثرة من قتلة وسباه منها، وشقيت الصلبان والكنائس بكثرة ما أحدثه من التغيير والهدم فيها.

لِلسَّبْي ما نَكَحوا، والقَتْل ما ولَدواوالنَّهْبِ ما جَمَعُوا، والنَّارِ ما زَرَعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن سيف الدولة أهلك تلك البلاد بسبي ما نكحه أهلها، وقتل من ربوه من أولادهم، ونهب ما جمعوه من أموالهم، وإحراق ما رجوه من زروعهم، ومثل هذا التصنيف باب من البديع يعرف بالتقسيم.

مُخْلَّى لَهُ المَرْجُ مَنْصُوباً بَصارِخَةٍلهُ المَنابِرُ مَشْهُوداً بها الجُمَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المرج: موضع متوسط في بلاد الروم، وصارخة: مدينة من مدائنهم طال اضطراب سيف الدولة حولها.

ثم قال: مخلى له المرج مع توسطه في بلاد الروم، ولا يمكنهم الظهور فيه؛ لما يحذرونه من عسكر سيف الدولة، منصوباً له المنابر بصارخة،

قد اقتدر المسلمون على ملكها، وأطالوا الانتشار في أرضها، وصاروا لذلك في حالة الساكنين بها، فأقاموا الجمع فيها، وخطبوا لسيف الدولة في جهاتها.

يُطَمِّعْ الطَّيْرَ فِيهم طُولُ أكْلِهِمِحَتَّى تَكادُ عَلَى أحْيائِهمْ تَقَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن سيف الدولة قد أدام قتل الروم، وقوت الطير بلحومهم في وقائعه، حتى

نكاد لما اعتادته من ذلك، تقع على أحيائهم فتأكلهم، وتعرضهم في طرقهم فتخطفهم.

وَلَوْ رَآهُ حَوَارِ يَّوهُمُ لَبَنَواعَلَى مَحَّبتِهِ الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا

ثم قال: ولو رأى سيف الدولة حواريو الروم، وشهدوا مكارمه وفضله، وإنصافه وعدله، وإقدامه وبأسه، مع موضع الحواريون من الصدق، واحتمالهم على طرق الحق، لبنوا شريعة الروم على محبته، وألزموهم الاحتمال على طاعته.

ذَمِّ الدُّمُسْتُقُ عَيْنَيْهِ وَقَدْ طَلَعَتْسُددُ الغَمَامِ فَظَنُّوا أنَّها قَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

القزع: قطع السحاب، والدمستق: قائد جيوش الروم.

فيقول إن موكب سيف الدولة طلعت متتابعة كأنها قطع السحاب، فأشكلت على الدمستق وأصحابه، ولم تنفصل لهم من الفرع، فذم عينيه لذلك، وهو الذي ينظر فلا له نظره ما يبصره.

فيها الكُمَاةُ التي مَفُطُومُها رَجُلُعَلَى الجِيَاد التي حَوْلِيُّهَا جَذَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم وصف تلك الكتائب، فقال: إن فرسانها لتمام خلقهم، وعظم أجسامهم، في حين الفطام على هيئات الرجال، فما ظنك بهم عند الكمال، وبلوغ الأسد؟! وكذلك خيولهم حوليها في هيئة الجذع؛ جسارة وقوة، فكيف تظنها قارحة متكاملة، مستوفية لسن القوة، متناهية؟!

يُذْرِي اللقُّانُ غُبَاراً في مَنَاخِرِهَاوفي حَنَاجِرِهَا من آلِسٍ جُرَعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللقام: كوضع معروف في بلاد الروم، وآلس: نهر عظيم من أنهارهم.

فيقول: إن هذه الخيل لسرعة سيرها، وشدة عدوها، وردت اللقان، وصار غبارة في مناخرها وحناجرها لم تجف من ماء آلس،

وهو النهر الذي غبر فيه من صارخة، وبين الموضعين مسافة طويلة، فأشار إلى ما كانت عليه هذه الخيل من قوة ركضها، وإسراعها في إغارتها.

كَأنَّما تَتَلقَاهُمْ لِتَسْلُكَهُمْفالطَّعْنُ يَفْتَحُ في الأجْوَفِ مَا تَسَعُ

ثم قال، كأنما تتلقى هذه الخيل الروم لتسلك أجسادهم، وتتخذ طرقاً في جسومهم، فطعن فرسانها فيهم يفتح ما يسعهم، ويخرق ما لا يضيق بهم، وليس في الإفراط بأعجب من قول النابغة يصف سيوف بني جفنه.

تَقُدُّ السَّلوُقيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُوَتُوِقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
تَهْدِي نَوَاظُرَها والحَربْ مُظْلِمَةُمن الأَسِنِةِ نَارُ والقَنَا شَمَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن خيل سيف الدولة تهدي نواظرها في وقائعه،

والحرب مظلمة، بما يثور فيها من العجاج، ويسطع من الغبار، اتقاد الأسنة التي تشبه المصابيح، بضيائها في رؤوس القنا، التي تشبه الشمع في إشراقها بها، وهذا مما شبه فيه شيئين بشيئين في بيت واحد، أصح تشبيه، وذلك غاية الأبداع.

دُونَ السَّهامِ ودُونَ الفَر طافِحَةًعَلَى نفوسِهِم المُقَدَرَّةُ المُزُعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المقورة: الضامرة، والطافحة: المستعلية، والمزع: المسرعة.

ثم قال: يريد الروم، دون وقوع السهام فيهم، واتفاق ما حاولوه من الفرار لهم، اقتحمت عليهم المقورة المزع من خيل سيف الدولة فصرعتهم، وأعجلتهم عن الفر فقتلتهم، وطفحت فوقهم تطؤهم حوافرها، وتدوسهم سنابكها. وقصد السهام من بين سائر السلاح، مشيراً إلى غلبة هذه الخيل لهم في أول القتال؛ لأن الرمي في القتال أول الحرب، وقد بين ذلك زهير بقوله:

يَطْعَنُهُم ما ارتموا حَتَّى إذا اطَّعَنواضَارَبَ، حَتَّى إِذا ما ضَارَبوا اعَتَنَقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

فأخبر بأن هذه الخيل صرعتهم في أول الحرب، ومنعتهم ما راموه من الفر.

إذَا دَعَا العِلْجُ عِلْجاً حَالَ بَيْنَهُماأَظْمَى تُفَارقُ مِنْهُ أُخْتَها الضَّلعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الأظمى: الأسمر الذابل، وكنى به عن الرمح.

فيقول: إذا دعا العلج علجاً يستعينه، وينتصر به، حال بينهما أظمى من الرماح،

تفارق به الضلع أختها، مع تآلفها بالخلقة، فكيف بتفريقه بين العلجين، وإنما تألفهما بالصحبة؟!

أَجَلُّ مِنْ وَلَدِ الفَقَّاسِ مُنْكَتِفُإِذْ فَاتَهُنَّ، وأَمْضَى منهُ مُنْصَرعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ولد الفقاس: الدمستق.

ثم قال: أجل من ولد الفقاس، وهو الدمستق، وهو رئيس جيش الروم، إذ فات الرماح بهربه، مأسور قد ملك فكتف، وأمضى منه

في انهزامه، مقتول قد أهلك وصرع؛ لأنه إنما هرب بعد أن قتل جيشه، وأفني جمعه، وأذلت الحرب عزه، فهو وإن كان حياً أعجز ممن قتل، وهو وإن كان أفلت أذل ممن أسر.

وَمَا نَجَا مِنْ شِفَارِ البِيْضِ مُنْفَلِتُنَجَا وَمِنْهُنَّ في أَحْشَائِهِ فَزَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: وما نجا من شفار السيوف منفلت، أنجاه فراره، وعصمه من القتل هربه، فهو لا يأمن لشدة فزعه، ولا يسكن لاستحكام توقعه، ومن كانت هذه حاله، فحياته موت، ونجاته هلاك.

يُبَاشِرُ الأَمْنَ دَهْرَاً وهو مُخْتَبَلُوَيَشْرَبُ الخَمْرَ حَوْلاً وَهو مُمْتَقَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الخبل: الجنون، والامتقاع: تغير اللون.

ثم أكد ما قدمه، فقال: يباشر الأمن دهراً، وهو لفزعه مختبل العقل، ويشرب الخمر حولاً، وهو لشدة مخافته ممتقع اللون.

كَمْ مِنْ حُشَاشَةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَهاللْبَاتِرات أَمينُ مَا لَهُ وَرَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحشاشة: رمق النفس، والباترات: السيوف، والأمين: الذي يصدق في ما وليه، وأراد هاهنا به القيد.

فيقول: كم من بطريق لم يبق منه إلا رمقه، ضمن ذلك الرمق للسيوف أمين من القيد لا ورع له، وحافظ لا يحذر الخيانة عليه.

يُقَاتِلُ الخَطْوَ مِنْهُ حِينَ يَطْلُبُهُوَيَطْرُدُ النَّوْمَ عَنْهُ حِينَ يَضْطَجِعُ

ثم بين القيد الذي كني عنه، فقال: إذا حاول ذلك البطريق الخطو، منعه القيد منه، وإذا رام المشي، قاتله بتضايقه دونه، وكذلك لا يكنه الاضطجاع به، فيطرد عنه نومه، ولا تتأتى له الحركة معه، فيتضاعف عليه همه.

تَغُدو اَلمنَايَا فضلا تَنْفَكُّ وَاقِفَةًحَتَّى يَقُولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ

ثم قال، يريد سيف الدولة: تغدو المنايا فلا تنفك واقفة ترتقب أمره، وتبادر فلا تزال ماثلة تستمطر رأيه، فإن كفها ولت مندفعة، وإن أرسل بها سيوفه سطت مستعجلة، وفي ظاهر لفظه ما يدل على هذه العبارة.

قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلِميْنُ لَكُمْخَانُوا الإلَهِ فَجَازَاهُمْ بما صَنَعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قوله: (قل للدمستق إن المسلمين لكم)، قال: كان أبو الطيب قد اجتاز في الليل الموضع الذي قتل فيه سيف الدولة من قتله من أسرى

الروم، وكان هنالك فيها من المسلمين قوم؛ منهم من أضجعه النوم والتعب، ومنهم من كان يتتبع القتلى فيجهز على من كان فيه منهم رمق، وقد سيف الدولة، وأدرك العدو هذه الطائفة، فأوقع بهم، فقتل فيهم وأسر، فلذلك قال أبو الطيب: قل للدمستق: إن الذين أسلمهم لكم سيف الدولة خانوا الإله بعصيانهم لأميرهم، وانقطاعهم عن جماعتهم، فجازاهم بما صنعوه، وأعقلهم فظفرتم بهم، وضيعهم فظهرتم عليهم.

وَجَدْتُمُوهُمْ نِيَاماً في دمائِكُمُكَأنَّ قتلاكم إيَّاهُمُ فَجَعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال: وجدتموهم نياماً بين قتلاكم، ومن أجهزوا عليه من جرحاكم حتى كأنهم لتقلبهم بينهم مفجوعون بهم، متوجعون لهم.

ضَعْفَى تعِفَّ الأَعَادِي عَنْ مِثالِهِممِن الأَعادي وإن هَمُّوابهم نَزَاعُوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نزعت عن الشي: إذا أعرضت عنه.

فيقول: للروم: أن أسرتموه من المسلمين إنها كانوا ضعفى لا يحفل بهم، ولا يعرج على من كان في مثل حالهم، بل الأعادي يترفعون عن الانحطاط إلى

نظرائهم من أعاديهم، وإن هموا بهم نزعوا عن ذلك وتركوه، وأنفوا منه واجتنبوه.

لا تَحْسَبُوا مَن أَسَرْتُمْ كَانَ ذَا رَمَقٍفَلَيْسَ تَأْكُلُ إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال: مؤكداً لما قدمه: لا تحسبوا أن من أسرتموه رمقاً يطمعكم به، ورقية تبعث لكم رجاء فيه، فلو كان ذلك لضعفتم عن أسره، وعجزتم عن قتله، فإنما أنتم كالضبع التي تهاب الحي وتحذره، وتتسلط على الميت فتأكله، وأنتم كذلك عجزتم عن مقارعة الأبطال، وتسلطتم على الضعفاء والأفسال.

هَلاَّ على عَقَبِ الوادِي وقد صَعِدَتْأسْدُ تَمُرُّ فُرَادَى ثُمَّ تَجْتَمِعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

العقب: جمع عقبة.

فيقول، مخاطباً للروم: هلا كان ما أظهرتموه من الإقدام على المتخلفين، من ضعفاء الجيش عند تجمعكم على عقب الوادي، وأخذكم بمضائقه، واعتراضكم لجيش سيف الدولة فيه، ثم وليتم ناكصين، وتركتم الطريق صاغرين، وقد صعدت نحوكم من ذلك الجيش أسد تمر فرادى، لا يمكنها الاجتماع لضيق الموضع، ولا يتهيأ لها الترافد لوعورة المسلك، فيمرون أفراداً ثم يجتمعون، ويخطرون آحاداً ثم يلتئمون.

تَشُفُّكُم بِفَتاها كُلُّ سَلْهَبةٍوالضَّربُ يَأُخذْ مِنْكُمْ فَوْقَ مَا يَدَعُ

السلهبة من الخيل: الطويلة.

ثم قال تشقكم بفتاها؛ بفتيان جيشه، كل سلهبة من عتاق خيله، يريد: أن الجيش اخترقهم، وأقدمت فرسانه عليهم والجراح قد أثخنتهم، ومن ناله الضرب فيهم أكثر ممن فاته منهم.

وَإِنَّمَا عَرَضَ اللَّهُ الجُنُودَ بِكُمْلِكَي يَكُونُوا بلا فَسْلٍ إذا رَجَعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الفسل: الدنيء من الرجال.

ثم قال: وإنما عرض الله الجيوش بكم، يريد: أن الله خلصها من الأدنياء، وطهرها

من الضعفاء والجبناء، فقتلهم بكم، وكفى جيش سيف الدولة مئونتهم على أيديكم، ليكونوا عند رجوعهم صميماً لا حشو فيهم، وأبطالاً لا فسل بينهم.

فَكُلُّ غَزوٍ إليكُمْ بَعْدَ ذَا فَلَهُوَكُلُّ غَازٍ لِسَيْفِ الدّولة التَّبَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم يقول للروم: إن سيف الدولة قد نهج للناس سبيل غزوكم، وهون على من أرادكم أمركم، فمن غزاكم بعده فإنما يقفو أثره، ومن اقتحم أرضكم فإنما يمتثل سيره.

تَمْشي الكِرَامُ عَلَى آثارِ غَيْرِهموأَنْتَ تَخْلقُ ما تَأْتي وَتَبْتَدِعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخلق: الصناعة

ثم قال لسيف الدولة: تمشي الكرام على آثار من تقدمها، مقتدية بفعله، وتتلوه ممتثلة لسعيه، وأنت تبتدئ ما تأتيه في المجد وتبتدعه، وتسبق إلى ذلك وتخترعه.

وَهَلْ يَشِيْنُكَ وَقْتُ كُنْتَ فَارِسَهُوَكَانَ غَيْرَك فيهِ العاجِزُ الضَّرَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الشين: العيب، والضرع من الرجال: الضعيف.

فيقول، مشيراً إلى خذلان أصحاب سيف الدولة له في بعض تلك العزاة: وهل يعيبك وقت أقدمت فيه وأحجم فرسانك، وكررت وقد عجز أصحابك، فبان فضلك وبان نقصهم، وجل قدرك وضاق عذرهم.

مَنْ كَانَ فَوْقَ مَحَلَّ الشَّمْسَ مَوْضِعُهُفَلَيسَ يَرْفَعُهُ شَيْءُ ولا يَضَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال: ومن حل في الفضائل محلك، واشتهر بالشجاعة اشتهارك، فتواضعت الشمس عن موضعه، وقصر محتدها عن محتده، فلم يبق له في الشرف غاية يبلغها فترفعه، ولا للعيب إليه سبيل فيضعه.

لم يُسْلِمِ الكَرُّ في الأَعْقَابِ مُهْجَتَهُإنْ كَانَ أَسْلَمَها الأصحابُ والشَّيَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الشيع: الأتباع.

فيقول لم يسلم مهجة سيف الدولة بأسه وإقدامه، وكره في أعقاب خيله واستلجامه،

إن كان أسلمها أتباعه وحشمه، وفارقه فرسانه وخوله، بل كان من شجاعته في جيش يمنعه، ومن إقدامه في جمع يتبعه.

لَيْتَ الملوكَ على الأَقْدارِ مُعْطِيةُفَلَمْ يَكُنِ لِدَنَّي عِنْدَها طَمَعُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال، ليت أن الملوك في عطاياها جارية على قدر من تعطيه، وحقيقة من تؤثره وتدنيه، فلم يكن للأدنياء طمع في فضلهم، ولا لأهل الجبن والخور نصيب في بذلهم، وأشار بهذا إلى من فر عن سيف الدولة من فرسانه، الذين كان يؤثرهم بالإحسان، ويخصهم بالتوسع والإنعام.

رَضِيتَ مِنْهُم بأَنْ زُرْتَ الوَغَى فرأواوإن قَرَعْتَ حَبْيَكَ البْيَضِ فاسْتَمعُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحبيك: طرائق في الماء، واستعار ذلك في البيض، والواحد حبيكة.

فيقول لسيف الدولة: رضيت من فرسانك بأن صليت الحرب، فرأوك وشهدوك، وقرعت حبيك بيض الروم بجلادك، فاستمعوا، يشير إلى أنه أقدم وأحجموا، وكر في أعقابهم وانهزموا.

لَقَدْ أَبَاحَكَ غِشَّاً في مُعَامَلةٍمَنْ كُنْتَ مِنْه بِغَيرِ الصَّدقِ تَنْتفِعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ثم قال يخاطبه: لقد أباحك الغش في معاملته من كذبك عن نفسه، ولبس عليك في أمره، فأراك الشجاعة، والجبن خليقته، وأظهر لك الجلد، والضعف حقيقته، فموه بما لا يبلغه، وتعاطى عندك ما لا يفعله.

الدَّهرُ مُعْتَذِرُ والسَّيفُ مُنْتَظِرُوَأَرْضُهُمْ لَكَ مُصْطَافُ وَمُرْتَبَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المصطاف: موضع الإقامة في الصيف، والمرتبع: موضع الإقامة في الربيع.

فيقول لسيف الدولة: الدهر معتذر مما سمح به للروم في نيلهم من أطراف جيشك، والسيف منتظر لإدراك الثأر فيهم، واستعجال الانتقام منهم، وأرضهم مصطاف لجيوشك، ومرتبع لخيولك، لا تغبهم وقائعك، ولا تنام عنهم عزائمك.

وما الجِبَالُ لِنَصْرانٍ بِحَامِيةٍوَلَوْ تَنَصَّر فيها الأَعْصَمُ الصَّدَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الأعصم: الوعل الذي في بدنه بياض، والصدع: الوعل بين الوعلين، لا بالمسن ولا بالصغير. والنصران: واحد النصارى، نحو ندمان وندامى، قال الشاعر:

فِكِلْتَاهُما خرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُهاكما سَجَدتْ نَصْرانَةُ لم تَحنَّفِ

ثم قال: وما تعصم الجبال متنصراً منك، ولا تحجبهم بامتناعها عنك، ولو أن الأعصم الصدع يتنصر فيها لما امتنع عليك ولأسلمته الأٌقدار إليك، وضرب المثل بالوعل لقدرته على الصعود في الجبال، والتقحم للأوعار، واشترط الصدع؛ لأنه أثبت قوة، وأشد سرعة، وهذا الاشتراط باب من البديع يعرف بالتتميم.

وما حَمِدْتُكَ في هَوْلٍ ثَبتَّ لَهُحَتَّى بَلَوْتُكَ والأَبْطَالُ تَمْتِصعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المصاع: التجالد بالسيوف.

فيقول: وما بلغت حقيقة وصفك، وما يجب في حمدك، مع ما

شهدته من ثباتك في الأهوال التي جمعتني بك، حتى بلوتك والأبطال تتماصع سيوفها، وتجتهد في جلادها، ورأيت غناءك وشدة بأسك، ومقاومتك للروم بنفسك، فهناك علمت مقدار صبرك، واستوفيت حقيقة حمدك.

فَقَدْ يُظَنُّ يُظَنُّ شُجَاعَاً مَنْ بهِ خَرَقُوَقَدْ يُظَنُّ جَبَاناً مَنْ به زَمَعُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الخرق: البهت والدهش، والزمع: خفة تعتري الشجاع عند الحرب نحو اشتداد الحمى، وكان البراء بن مالك الأنصاري قد شهر بها.

ثم قال مؤكداً لما ذكر؛ أنه خفي عليه من أمره، وأن المقاتل لا يقضي عليه دون الاختبار لظاهره: فرب من يثبت في الحرب، ويسكن

ولا ينصرف، فيظن به الشجاعة، وإنما ثبت عن دهش وخرق، ورب من يخف فيها ويضطرب فيظن به الجبن، وإنما اضطرب عن إقدام وشره.

إنَّ السَّلاحَ جَميعُ النَّاس يَحْمِلُهُوَلَيْس كُلُّ ذَواتِ المِخْلَبِ السَّبُعُ

ثم ضرب في ذلك مثلاً، فقال: إن السلاح يشترك الناس في حمله، ويتماثلون في

الاشتمال به، وقليل منهم من يستعمله في الجلاد والطعان، ويصرفه في منازلة الأقران يشير إلى سيف الدولة، كما أن السباع كلها ذوات مخالب، ولكن الأسد يفضلها بقوته، ويزيد عليها بشدته وبأسه، وكذلك، أصحاب سيف الدولة يتزيون بشكله، ويشاركونه في لبس السلاح وحمله، ولكنهم يقصرون عن تصريفه له، ويعجزون عما يبلغه من البطش به.

ورفع كل ذوات المخلب والسبع على الابتداء والخبر، وأضمر اسم (ليس)، كأنه قال: وليس الشأن أن كل ذوات المخلب السبع، وصار الابتداء وخبره في موضع خبر ليس، والعرب تفعل ذلك، فتقول: (ليس

خلق الله مثله)، فتضمر الشأن والقصة، ولولا ذلك، لما ولي ليس (خلق)؛ لأن الأفعال لا يلي بعضها بعضاً، روى هذا سيبويه عن العرب، وأفرد لهذا النحو باباً في كتابه، وكثر عليه بالشواهد، وشهرة ذلك تغني عن تطويل القول فيه.

وتوقف سيف الدولة في غزاة ثانية على إحراق القرى ببقعة عربسوس ثم أصبح صافاً، يريد سمندو، وقد اتصل به أن العدو بها معد، جامع في أربعين ألفاً، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيب، وأنشده:

نَزُورُ دِيَاراً ما نُحبُّ لها مَغْنىوَنَسأَلُ عنها غَيْرَ سُكَّانها الإذْنَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المغنى: الموضع الذي يحل فيه ويسكن.

فيقول: نزور من بلاد الروم دياراً ما نحبها، ونقصد مواضع لا نألفها، فنزورها على سبيل الإفساد لها، ولسنا نزورها على سبيل الأنس بها، ونستأذن في دخولها أمراء جيوشنا، والمدبرين لأمورنا، فنزورها غير موجبين لحقها، وندخلها غير مستأذنين لأهلها. واستعمل في هذا الإشارة دون التصريح، وذلك من أبواب البديع.

نَقودُ إِلَيْها الآخذاتِ لنا المَدَىعَلَيْها الكُماةُ المُحْسِنونَ بِهَا ظَنَّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المدى: الغاية.

ثم قال: نقود إليها من الخيل ما نستصفيه لعتقه، ويحرز لنا الغايات بسبقه، وعلى تلك الخيل منا كماة الفرسان، الذين جربوها فصدقتهم، واختبروها فأرضتهم.

وَنُصْفي الذي يُكْنَى أبا الحَسَن الهَوَىونُرْضِي الذي يُسْمَى الإلهَ ولا يُكْنَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

الكماة: الشجعان، واحدهم كمي.

ثم قال: ونصفي المدعو بكنيته، يشير إلى سيف الدولة، صادق ودنا، ونمحض له خالص نصحنا، ونرضي الإله الذي سمي نفسه، وارتفع عن الكنية قدره، بإعزازنا لدينه، وجهادنا لعدوه، وجرى في جميع ذلك على الإشارة التي قدمنا، وهي من أبواب البديع.

وَقَدْ عَلَمِ الرُّومُ الشَّقِيُّونَ أَنَّناَإذا مَا تَرَكْناَ أَرْضَهُمْ خَلفَنَا عُدْنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: وقد علم الروم الشقيون بوقائعنا فيهم، وما نحدثه من القتل عليهم، أنا إذا ما تركنا أرضهم بالخروج عنها، عاودناها باستئناف الغزو إليها.

وإنَّا إذَا ما الموتُ صَرَّحَ في الوَغَىلَبِسْنَا إلى حَاجَاتِنَا الضَّرْبَ والطَّعْنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

التصريح: الكشف والإعلان.

ثم قال: وإنا إذا ما الموت في الحرب كشف عن وجهه، وصرح عن نفسه، لبسنا إلى ما تبتغيه الضرب والطعن، وادرعنا إليه الاعتزام والصبر.

قَصَدْنا له قَصْدَ الحَبْيبِ لِقَاؤُهُإلينا وقُلْنا لِلسُّيوفِ هَلُمَّنَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

ذكر سيبويه أن من العرب من يقول (هلم) وللاثنين والجميع ويجمعه، فيقول للواحد: هلم، وللاثنين: هلما، وللجميع هلموا. فاستعمل أبو الطيب هذه اللغة، وأدخل النون الثقيلة مؤكدا على هلموا، وهو فعل الجماعة، فاجتمع له في واو الجماعة والنون الثقيلة من النون الأولى ساكنان، فأسقط أحدهما وهو الواو، فبقي هلمن، ثم أشبع الفتحة للقافية، فقال: هلمنا.

ثم قال، مؤكداً لما قدمه: نقصد إليه، يريد: الموت، قصد من لقاؤه حبيب إلينا، فنقدم عليه إقدام من لا يكرهه، ونسرع إليه إسراع من لا يتوقعه، ونقول للسيوف هلمنا. قول المستقربين لها، المستعينين على ما نبتغيه بها.

وخَيْلٍ حَشَوْنَاهَا الأَسنَّةَ بَعْدَماتَكَدَّسْنَ من هَنَّا علينا ومِنْ هَنَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

تقول العرب: حشوته بالسنان إذا أودعته حشاه، وتكدس الخيل: أن تركب بعضها بعضاً، وهنا: كلمة يشار بها إلى موضع قريب.

فيقول: وخيل حشوناها أسنتنا، وتمكنت في فرسانها رماحنا، فكرهتنا بعد تكدسها حولنا، وفرت منا بعد إسراعها نحونا.

ضُرِبْنَ إِلينا بالسياطِ جَهَالةًفَلَمَّا تَعارَفْنَا ضُرِبْنَ بِها عَنَّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

ثم قال، مبيناً لذلك: ضربت تلك الخيل بالسياط مقدمة عليناً، واستعجلت مسرعة إلينا، فلما تعارفنا نكص عنا فرسانها مولين، وضربوها بتلك السياط منهزمين.

تَعَدَّ القُرَى والْنُسْ بِنَا الجَيْشَ لَمْسَةًنُبارِ إلى ما تشتهيَ يَدُكَ اليُمْنَا

اللمس: معروف، والمباراة: المسابقة.

فيقول لسيف الدولة، مؤكداً لبصيرته فيما اعتقده من منازلته جمع الروم: تعد مدن الروم وهدمها، ورعاياهم وسبيها، والمس بنا جيشهم لمسة، واطراق بنا جمعهم طرقة، نبار إلى ما تريده من الإقدام عليهم، وما ترغبه من الإيقاع بهم يمنى يديك، طاعة لك، وامتثالاً لأمرك. واشترط يمنى اليدين، لأنها أسرع في الفعل، وهذا من التتميم، وقد تقدم.

فَقَدْ بَرَدَتْ فَوْقَ اللُّقَانِ دِمَاؤُهْمونحنُ أناسُ نُتَبُع البَارِدَ السُّخْنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

اللقان: موضع معروف من أرض الروم، كانت فيه وقعه غزاة المصيبة.

ثم قال: فقد بردت دماؤهم التي سفكتها فوق اللقان سيوفك، وأجرتها بالأمس فيما هنالك جيوشك، ونحن أناس نتبع بارد الدم سخنة، وجارية جامده. يشير إلى أن وقائعهم مترادفة، وأيامهم على الروم متوالية.

وإنْ كُنْتَ سَيْفَ الدَّولةِ العَضْبَ فِيْهُمُفَدَعْنَا نَكُنْ قَبْلَ الضَّرابِ القَنَا اللَّدْنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

العضب: القاطع، واللدن: اللين.

ثم قال: وأن كنت سيف الدولة العضب، إقداماً على ما تقصده، ونفاذاً فيما تعتقده، فاستفتح بنا حرب هذا الجيش، وضعنا منم موضع الطعن من الضرب، والرمح من السيف، نبدأ الحرب ونحتمها، ونستفتحتها ونتممها.

فَنَحنُ الأُلَى لا نَأْتَلي لَك نُصْرَةًوَأَنْتَ الَّذي لَوْ أَنَّه وَحْدَهُ أَغْنَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

الائتلاء: التقصير والتأخر.

فيقول: فنحن الذين لا نقصر في نصرك، ولا نتأخر دون ما يلزمنا من

امتثال أمرك، وأنت الذي لو انفرد دون جيشه لاستغنى عنهم، ولو قصد الروم وحده لأغنى فيهم.

يَقِيكَ الرَّدَى مَنْ يَبْتَغِي عِنْدكَ العُلاوَمَنْ قَالَ لا أَرْضَى مِن العَيْشِ بالأَدْنَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

ثم قال، داعياً لسيف الدولة: يقيك من الردى، وما تحذره من بأس الأعداء وما تتوقعه، من أعلاه سلطانك، وشمله إحسانك، ومن يبتغي رفيع العيش بك، ويدرك معالي الأمور عندك، فكلهم خليق بصيانتك، جدير بالاستهلاك دون إرادتك.

فَلَوْلاَكَ لم تَجْرِ الدَّمَاءُ ولا اللُّهَىولم يَكُ للدُّنيا ولا أهلِها مَعْنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

ثم يقول لسيف الدولة: فلولاك لم تسفك دماء الأعداء، ولا اكتسبت رغائب الأموال، ولا كان للدنيا وأهلها معنى يرغب فيه طالبه، وينافس عليه محاوله.

وَمَا الخوفُ إلا ما تَخوَّفَه الفَتَىوَمَا الأَمْنُ إِلاَّ ما رآه الفَتَى أَمْنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

ثم قال: وما الخوف والأمن إلا بمقدار ما يسبق من ذلك إلى الإنسان فيما يطلبه، وإنما ذلك بحسب ما تنعقد عليه نيته فيما يقصده، فمن

استسهل الشديد فيما يريده، استعفه وأمنه، ومن استصعب اليسير فيما يحاوله، استثقله وحذره، وضرب هذا مثلاً لسيف الدولة؛ لأنه يقدم على الأهوال إقدام من لا يحذرها، ويقتحم فيها اقتحام من يأمنها ولا يتوقعها.

وقال يمدحه، ويذكر هذه الغزاة، وأنه لم يتم قصد خرشنة، بسبب الثلج وهجوم الشتاء:

عَواذِلُ ذاتِ الخَال فيَّ حَوَاسِدُوإِنَّ ضَجِيعَ الخَوْدِ مِنّي لَمَاجِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

الخود: الفتاة الشابة، والخال معروف.

فيقول: عواذل محبوبتي ذات الخال، على ما تظهره من الإعجاب بي، وتلتزمه من الموافقة لي، حواسد غير نواصح، وكواذب غير صوادق؛ لأن ضجيع الخود مني ماجد سيد، وفاضل أوحد.

يَرُّدُّ يَدَاً عَنْ ثَوْبِها وَهو قَادِرُوَيَعصِي الهَوَى في طَيْفِها وَهَو رَاقِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

ثم قال، مؤكداً لما قدمه: يعف عن ملامسة ثوبها في يقظته، مع القدرة على ذلك، صيانة لها، ويمتثلها في نومه، فيعصي هواه في طيفها ضنانة بها.

مَتَى يَشْتَفي مِنْ لاَعِجِ الشَّوءٌِ في الحَشَىمُحِبُّ لها في قُرْبِهِ مُتَبَاعِدُ

لاعج الشوق: حره.

فيقول: متى يشتفي من الشوق ولاعجه، ومن الوجد وألمه، محب يدينه الوصل، فتبعده العفة، ويقربه الإسعاد، فتملكه المروءة.

إذَا كُنْتَ تَخْشَى العَارَ في كُلَّ خَلْوةٍفَلْم تَتصَبَّاكَ الحِسَانُ الخَرائِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

ثم قال، معنفاً لنفسه، إذا كنت تملك أربك في خلوتك، ولا تسمح لنفسك عند قدرتك، فما لك وللحسان تصبو بهن؟! وما الذي يدعوك إلى التعرض لهن؟!

أَلحَّ عَليَّ السُّقمُ حتَّى ألفْتُهُوَمَلَّ طَبِيبي جانبِي والعَوائِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

ثم وصف حاله، فقال: ألفت السقم بطول إلحاحه وملازمته، وسكنت إليه بشدة تكرره ومداومته، أومللت الطبيب، فأعرض عن معالجتي، وأيأست العوائد فاحتملن على مجانبتي.

مررت على دار الحبيب فحمحمتجوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

المعاهد: المنازل، وحمحمة الفرس: تكرر صوته.

فيقول: إنه مر بدار محبوبته، وهي خالية منت ساكنها، وموخشة من أهلها، فحمحمت جواده، فعل عارفة بها، وحنت إليها حنين متذكرة لها، فعجب من أن تشجوا لخيل ديار الأحبة، وتشوقها منازلهم، وتعطفها معاهدهم.

وما تُنْكِرُ الدَّهماءُ مِنْ رَسْمِ مَنْزِلٍسَقَتْها ضَريبَ الشَّوْلِ فيه الولائِدُ
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

الضريب: اللبن الذي يخلط رقيقه بثخيينه، وذلك إنما يفعل عند قلته، والشول: جمع شائلة، وهي التي مضى بحملها سبعة أشهر ولبنها يقل عند ذلك، والولائد: الخدم.

ثم قال: وما للدهماء أن تنكر منزلاً كانت تعتاده وتألفه، وتزوره وتقصده، وكان أهل ذلك المنزل لكرامتها عليهم، ونفاستها عندهم، يأمرون الولائد فيسقينها ضريب الشول مع قلته، ويؤثرنها باللبن عند انصرام مدته.

أَهُمٌّ ُ بشيءٍ والليالي كَأَنَّهاتُطَارِدُني عن كَوْنِهِ وأُطَارِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

المطاردة: المحاولة في الحرب.

فيقول: أهم بأمل آمله، ومراد أرتقبه، والليالي تدافعني عنه، مدافعة المقاتل المطارد، وتعترضني دونه، اعتراض المنازل المجاول.

وَحِيْداً من الخُلاَّنِ في كُلَّ بَلْدَةٍإِذا عَظُمَ المَطْلوبُ قَلَّ المُسَاعِدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: وحيداً من خلان الصفاء، وأهل المشاركة والوفاء حيث كنت، وفي كل بلد احتللت، وإذا عظم المطلوب قل المساعد عليه، وإذا جل عدم المؤيد فيه.

وَتُسْعِدُني في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرةٍسَبُوحُ لها مِنها عَلَيْها شَوَاهَدُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

غمرة الحرب: شدتها، والسبوح: الفرس التي تمد يديها في الجري.

فيقول: وتسعدني في غمرات الحرب، فرس كريمة، سبوح سريعة، لها من حسن خلقها شواهد، تخبر عن كرمها وعتقها.

تَثَنَّى عَلَى قَدْرِ الطَّعانِ كَأنَّمامَفَاصِلُهَا تَحْتَ الرَّماحِ مَرَاودُ
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «بنفسي هيفاء المعاطف ناهد»

المراود: معروفة.

ثم وصف هذه الفرس بحسن أدبها، وكرم طبعها، وأنها تطيع فارسها، وتساعد راكبها، فقال: تثنى للطعان وتعطف، وتحيد عن الرماح وتنحرف، حتى كأن مفاصلها مراود تتداخل عند انقباضها وتحرزها، ثم تعود متصلة عند انبساطها وتدفعها.

وأُوْرِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدِيمَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَنْ لا يُجَالِدُ يقول: إنه يورد

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.