من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني
وقال يعزيه بعبده يماك، وقد توفي في سحر يوم الأربعاء، لعشر بقين من شهر رمضان سنة أربعين وثلاثمائة.
لا يَحْزُنِ اللهُ الأميرَ فإنَّنيلآخِذُ مِنْ حالاتِه بِنَصيبِ
يَقُولُ، دَاعياً لَسيْفِ الدَّولة: لا يَحْزُنِ اللهُ الأَميرَ فيماَ فَرَّحهُ، ولا ساءه فيما سره، فإني كما ألبسني من أفضاله، يوجب أن آخذ بنصيب من أحواله، فأساء بمساءته، وأسر بمسرته.
وَمْن سَرَّ أَهْلَ الأَرضِ ثُمَّ بَكى أَسىًبَكَى بِعيُونٍ سَرَّها وقُلُوبِ
ثم قال: ومن سر أهل الأرض بما شملهم من إحسانه، وفرحهم بما أفاض فيهم من إنعامه، لزمهم أن يبكي، فتبكي عيونهم عند مصيبته، ويألم فتألم قوبهم عند رزيته، مقارضة لما سلف منه، وحرصا على صرف المكروه عنه.
وَإني وإن كَانَ الدَّفينُ حَبْيبَهُحَبْيِبُ إلى قلبي حَبيبُ حَبيْبِي
ثم قال: وإني وإن كان الدفين مخصوصاً بمحبة سيف الدولة، وكان أقعد مني بالتوجع لفقده، والارتماض بأمره، فإن من أحبه حبيب إلى قلبي، شديد لصوقه بنفسي.
وَقَدْ فَارّقَ النَّاسُ الأَحِبَّةَ قَبْلناوأَعيَا دَوَاءُ الموتِ كُلَّ طَبِيبِ
ثم يقول: إن مما يعزي عن هذا الهالك، أن السالفين قبلنا قد فارقوا أحبتهم، واختر
مت المنية أنفسهم، ثم أعيا دواء الموت الذي أصابهم، كل طبيب رام طبه، وكل عزيز حاول دفعه.
سُبِقْنَا إلى الدُّنيا فَلَوْ عَاشَ أهْلُهامُنْعَنا بها من جَيْئَة وُذُهوب
الجيئة: المرة الواحدة من المجيء، والذهوب والذهاب: مصدران بمعنى واحد، ويشير بالجيئة، والذهوب إلى الموت والحياة.
ثم قال: سبقنا إلى الدنيا، فلو عاش من سبقنا إليها، لغبنا بتقدمه عليها، لأمتنع ما نحن فيه من الذهوب والجيئة، ومن الفناء والنشأة.
تَمَلَّكَها الآتي تَمَلُّكَ سَالبٍوَفَارقها الماضي فِراقَ سَليبِ
ثم قال، مؤكداً لما قدمه من صفة الدنيا: تملكها الناشئ فيها تملك وارث سالب، وفارقها الخارج عنها فراق مسلوب ظاعن، فهذه حقيقة جبلتها، وجبلة خبرتها، وليس يجب أن يحزن منها على فائت لا يرجع، ولا أن يجزع منها لمحتوم لا يدفع.
ولا فَضْلَ فِيها للشَّجَاعَة والنَّدىوَصَبْر الفتى لولا لِقَاءُ شَعُوبِ
شعوب: اسم من أسماء الموت.
فيقول: ولا فضل في الدنيا للشجاعة والكرم والصبر والجلد، لولا تباين الناس في التوطين على لقاء الموت، وإنما فضل الشجاع الجبان بإقدامه على الموت، وفضل الكريم البخيل بقلة رغبته في المال، الذي هو متاع الحياة، وفضل الصابر الجازع بتجلده للمكاره التي تقود إلى التلف، فبالإقدام على الموت يستبين الفضل، وبالجزع منه يستحق الذم.
وأَوْفَى حَيَاةِ الغَابِرين لصاحبحَيَاةُ امرئٍ خَانْتَهُ بَعْدَ مَشِيبِ
ثم قال، مزهداً في الحياة: وأوفى حياة الباقين الذين طالت أعمارهم، حياة من لحق سن المشيب، وأدرك زمان الكبير، ثم غايته بعد ذلك لقاء الحتف الذي كرهه،
وحلول الموت الذي حذره، هذه سبيل من متع بحياته، وأسعد بتراخي مدته، والتفاضل في ذلك عند تأمله، قليل لا يجزع لفوته، وقريب لا يفرح بمثله.
لأَبْقَى يَمَاكُ في حَشَايَ صَبَابَةًإلى كُلَّ تُرْكيَّ النَّجارِ جَلِبيبُ
النجار: الأصل، والجليب: المجلوب من أرض إلى أخرى.
فيقول: (لأبقى يماك)؛ هذا التركي الهالك في حشاي، لشدة إعجابي به، وقوة أسفي عليه، صبابة إلى كل تركي يشاركه في أصله، ويماثله في جلبه.
وما كلُّ وَجْهٍ أَبْيضٍ بِمُباركٍوَلاَ كُلَّ جَفْنٍ ضَيَّقٍ بِنَجِيب
ثم قال، مشيراً إلى فضل يماك على غيره من الأتراك: وما كل تركي أبيض الوجه، مباركة طلعته، ولا كل من كان منهم ضيق الجفن، مشهورة نجابته، وبياض الوجوه، وصغر العيون، من صفات الأتراك، فيقول، منبها على فضل يماك في أبناء جنسه: إنه ليس كل من أشبهه في خلقه، وشاركه في جنسه، يشاركه في نجابته، ويشبهه في شجاعته وطاعته.
لَئِنْ ظَهرَتْ فِيناَ عَلَيْهِ كَآبَةُلَقَدْ ظَهَرتْ فيِ حَدَّ كُلَّ قَضيبِ
القضيب: السيف القاطع.
فيقول: لئن ظهرت فينا الكآبة لموته، واستبان علينا الأسف لفقده، لقد ظهر ذلك في قواطع السيوف، لما سلف من جلاده بها، وتقدم من استعماله في الوقائع لها.
وَفي كُلَّ قَوْسٍ كُلَّ يَوْمٍ تَنَاضُلُوَفي كُلَّ طِرْفٍ كُلَّ يَوْمٍ رُكُوبُ
الطرف: الفرس الكريم.
ثم قال: وكذلك اكتأبت عليه القسي عند التناضل، وعتاق الخيل عند التجاول، لقيامه بشروط الرمي، ومعرفته بركوب الخيل، وأنه جمع مع الإقدام والشجاعة؛ الحذق بصناعات الحرابة.
يَعِزُّ عَلَيْهِ أَنْ يُخِلَّ بِعَادةٍوَتَدْعُو لأَمِرٍ وهو غَيْرُ مُجيبِ
ثم يقول لسيف الدولة: يعز على هذا الهالك لو أجاب سائله، وأخبر مستخبره، أن يخل بعادته في خدمتك، ويغلب على تصرفه في خدمتك، ويغلب على تصرفه في حضرتك، وتدعوه وهو غير مجيب لدعوتك، ولا قادر على الإسراعِ إلى إنفاذ رغبتك.
وَكُنتُ إذا أَبْصَرُتهُ لَكَ قَائماًنَظَرتُ إلى ذي لِبْدَتَيْنِ أَديبِ
اللبدتان: شعر يكون على زبرة الأسد من ناحيتي الزبرة، واحدتها لبدة.
ثم قال: وكنت إذا أبصرته قائماً لك، وشهدته متصرفاً في مجلسك، رأيت منه أسداً باسلاً، وسبعا قاتلاً، أدبيا في لفظه، كريما في معتقده وفعله.
فَإِنْ يَكُنْ العِلْقِ النَّفِيسَ فَقَدْتَهُفَمِنْ كَفَّ مِتْلاَفٍ أَغرَّ وَهُوبِ
ثم يقول لسيف الدولة: فإن كان هذا المفقود علقاً نفيساً فقدته، وعبداً مشفقاً عدمته، فإنما صدر منك عن كف متلف للأعلاق النفيسة، وهاب للأموال العظيمة، وحسبك أن يكون كغيره مما قدم كرم عليك، فوهبته، وما سواه مما كنت تعتد به، فبذلته.
كأَنَّ الرَّدَى عَادٍ عَلَى كُلَّ مَاجدٍإذَا لم يُعَوَّذْ مَجْدَه بِعيُوبِ
ثم قال: كأن الردى لا يعتصم ماجد من عاديته، ولا يستدفع كريم سوء عاقبته، إلا بعيوب متقلدة، وآفات متحملة، وكأن العيوب لأهلها معاذات تحفظهم، وأسباب من أسباب السلامة تعصمهم.
وَلَولاَ أَيَادي الدَّهْرِ في الجَمْعِ بَيْنَنَاغَفَلْنَا فَلْم نَشْعُرْ لَهُ بِذُنُوبِ
ثم يقول: ولولا أيادي الدهر في الجمع بين الأحبة، والتأليف بين أهل الصفاء والمودة، وتغييره لذلك بتفريق ما جمع، وتشتيت ما ألف، غفلنا عنه، ولم نشعر بذنوبه، وأعرضنا عما تقلبنا فيه من صروفه.
وَلَلَتَّرْكُ للإِحْسَانِ خَيرُ لُمِحْسنٍإذا جَعَلَ الإحسانَ غَيْرَ رَبِيبِ
الربيب: الموصول، يقال رببت الشيء إذا وصلته.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: وترك الإحسان من المنعم به، والإمساك عنه من المعتقد له، أفضل من أن يبتديه ولا يصله، ويعتقده ولا يشفعه، يشير إلى أن إحسان الدهر في الجمع بين المتآلفين من أهله، لا يقوم بإساءته فيما يعقب ذلك من تفريق جمعهم، وتشتيته لشملهم.
وإنَّ الذي أَمْسَتْ نِزارُ عَبِيدهُغَنَّيُّ عن اسْتِعْبَادِهِ لِغِريبِ
ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة: وإن الذي أمست نزار، ومنها مضر وربيعة، وهما سادات العرب، عبيد طاعته، وأنصار دعوته،
وخدام دولته، غني عن غريب من العجم يصطنعه، وجليب منهم يستعبده. يشير إلى أن سيف الدولة، وهو رئيس جماهير العرب، غني عن أن يتكثر بيماك، وهو جليب من أبناء العجم.
كَفَى بِصَفاءٍ الوُدَّ رِقَّاً لِمثلهِوبالْقرْبِ مِنْهُ مَفْخَراً لِلَبيبِ
ثم قال: يكفيه من تملك رق العرب، ما أصفوه من ودهم، وبذلوه من نصحهم، ويكفيهم من التشرف به، اختصاصه لهم، واستخدامه بهم، ففي القرب منه للبيب مفخر يرفعه، وشرف يرضيه ويقنعه.
فَعُوَّضَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الأَجْرَ إنَّهُأَجَلُّ مَثَابٍ من أَجَلَّ مُثِيبِ
ثم يقول: فعوض الله سيف الدولة من مصابه بجزيل الأجر، وأثابه فيه بكريم الذخر، فإن ذلك أجل ثواب يعلم، والمثيب به أجل مثيب يسأل.
فَتَى الخَيْلِ قَدْ بَلَّ النَّجِيعُ نُحُورَهاتَطَاعنُ في ضَنْكِ المَقَامِ عَصِيبِ
العصيب: الشديد، والضنك: الضيق.
ثم وصف حال سيف الدولة، فقال: هو فتى الخيل الذي يمتثل
فعله، وفارسها الذي لا ينكر فضله، إذا أشتد البأس، وضاق مجال الحرب، وبل الدم نحور الخيل.
يَعَافُ خِيامَ الرَّيطِ في غَزَاوَتِهِفما خَيْمُهُ إلاّ غُبَارُ حُروبِ
والريط: جمع ريطة، وهي الملاءة.
ثم قال: يعاف القباب في غزواته ويكرهها، ويجتنب خيام الريط ويهجرها، ويأنس بعجاج الحرب فيقتحمنه، ويسكن إلى قتامها فيدرعه، ويؤثر شدائد الحرب على خيامه، وغمراتها على قبائه.
عَلَيْنا لَكَ الاسْتَعَادُ إنْ كَانَ نَافِعاًبِشَقَّ قُلُوبٍ لا بِشَقَّ جُيوبِ
ثم يقول: علينا أن نسعدك بوجد قلوبنا، وشدة حزننا، وأن نشاركك بما نعتقده ونضمره، لا بما نبديه ونظهره. وجعل ذكر القلوب والجيوب إشارة إلى هذا التعبير.
فَرُبَّ كَئيبٍ لَسْسَ تَنْدى جُفُوًنهُوَرُبَّ كَثيرِ الدَّمْعِ غَيْرُ كَئِيب
ثم قال: فرب مكتئب موجع لا تجري دموعه، ولا تندى جفونه، ورب خلي غير مكتئب، يكثر دمعه، ويبدو بتصنعه حزنه.
تَسَلَّ بِفِكْرٍ في أَبَيْكَ فَإنَّمابَكْيتَ فَكانَ الضَّحْكُ بَعْدَ قَريبِ
وقوله: في أبيك، يريد: في أبويك، فثنى الأب على لفظه، ولم يرده إلى أصله، وقد روى الفراء ذلك، وذكر أن من العرب من يقول، إذا ثنى الأب والأخ في الرفع أبان وأخان، وفي النصب والخفض أبين وأخين، ويقول في الجمع في الرفع، أبون وأخون، وفي النصب والخفض أبين وأخين، وأنشد سيبويه في جمع أب جمع السلامة على لفظة لفصيح العرب:
فَلَمَّا تَبَيَّنَّ أصواتَنَابَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنا بالأَبِيْنَا
وليس تثنية أب على لفظه بأعجب من جمعه جمع السلامة على ذلك.
فيقول لسيف الدولة: تسل عن هذا المفقود بالفكر في أبيك، فقد كان حزنك عليهما أشد، وأسفك أبين وأوكد، وقد عاقب بعد قريب بكاءك عليهما ضحكك، وعفى على حزنك بهما سلوك، وإذا كان السلو لا بد منه، فليس في الحق أن تعرض
عنه.
إذَا اسْتَقْبَلَتْ نَفْسُ الكَريمِ مُصَابَهابِخُبْثٍ ثَنَتْ فاسْتَدْبَرَتْهُ بِطيبِ
ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا استقبل الكريم مصابه بالاستكراه له، وإظهار الجزع فيه، عاد عن قريب، فطابت عليه نفسه، وأخرجه إلى السلوان طبعه، وعلم أن الحزن لا ينفعه، فكان الصبر غاية جزعه، والسلو آخر تفجعه.
وللواجد المكروبِ مِنْ زَفَرَاتِهِسُكُونُ عَزَاءٍ أو سُكونُ لُغُوبِ
اللغوب: الإعياء.
ثم قال: ولا بد لذي الوجد المكروب، والشديد الزفرات المحزون، أن يسكن سكون من يعي ويغلب، أو يسكن سكون من يسلو ويصبر.
وكَمْ لَكَ جَداً لَمْ تَرَ الْعَيْنُ وَجْهَهُفَلَمْ تَجْرِ في آثارِهِ بِغُروبِ
يقول لسيف الدولة: وكم لك جداً اخترمه الموت، وأفناه الدهر،
فلم تبك عليه عينك، ولم تألم له نفسك، وسلاك عن الشغل به علمك؛ بأن الموت غاية الإنسان لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، ومثل هذا يجب أن يسليك عن مصابك، ويسقط عنك مؤونة حزنك.
فَدَتْكَ نفوسُ الحَاسِدْينَ فإنَّهامُعَذَّبَةُ في حَضْرةٍ وَمَغِيْبِ
ثم قال لسيف الدولة: فدتك نفوس حاسديك، فإنها معذبة بالخضوع لك في حضرتك، وبالوقوع تحت أمرك في غيبتك.
وَفي تَعَبٍ مَنْ يَحْسُدُ الشَّمْسَ نُوَرَهاوَيَجْهَدُ أَنْ يَأتي لها بِضَريبِ
الضريب: الشبيه.
ثم قال: وفي تعب من يحسد الشمس على النور الذي لا تعدمه، ويجتهد في أن يجد لها شبيهاً، وذلك لا يمكنه، وكذلك من حسد سيف الدولة على الرئاسة، فإنما يحسده على ما هو في طبعه، ومن طلب ومن طلب له نظيراً فهو يحاول ما ليس
في وسعه.
وقال يمدحه، ويذكر بناءه مرعش، في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة).
فديناك من ربع وإن زدتنا كربافإنك كنت الشرق للشمس والغربا
يقول: فديناك بأنفسنا من ربع موحش، ومنزل مقفر، وإن زدتنا كرباً، بدروس رسومك، وتغير طلولك، فإنك كنت للشمس، من حبائبا التي كنا نهتدي بنورها، ونستضيء بوجهها، مشرقاً تطلع لنا منك، ومغرباً تستتر عنا فيك.
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنافؤاداً لعرفان الرسوم ولا لبا
ثم قال: وكيف عرفنا رسم من أذهلنا بعده، وأطاش عقولنا نأيه، فلم يدع لنا فؤاداً نهتدي به في سؤال رسومه، ولا لباً نستعمله في معرفة طلوله.
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةلمن بأن عنه أن نلم به ركبا
الأكوار وأحدها كور، والإلمام: الزيارة.
فيقول: نزلنا عند إلمامنا بهذا الربع عن أكوار ركائبنا، إعظاماً لقدر من بان فضله عنه، وإيجاباً له، وأكبرناه عن أن نلم به ركابنا، لا نمشي نحوه وزوراً لا نخضع عنده.
نَذُمَّ السحابَ الغُرَّ في فِعْلها بِهِونُعْرِضُ عَنْها كُلَّما طَلَعَتْ عَتْبَا
الغر من السحاب: الغزار، والعتب: الموجدة.
ثم قال: نذم غزار السحاب فيما تفعله بهذا الربع، من تغيير معالمه، وتعفية رسومه، ونعرض عنها، عند طلوعها، لذلك عاتبين، ونكثر ملامتها متسخطين.
وَمَنْ صَحِبَ الدُّنَيا طَوِيلاً تَقَلَّبَتْعَلَى عَيْنهِ حَتَّى يَرَى صِدْقَها كِذْبَا
الكذب والكذب والكذاب والكذاب: كل ذلك بمعنى.
ثم قال: ومن صحب الدنيا فأطال صحبتها، وعرفها وتحقق خبرتها، تصرفت به أحوالها، واختلفت عليه أمورها، حتى يصير صدقها عنده كذباً لا يثق به، وحقها باطلاً لا يسكن إليه، وضرب هذا مثلا في اختلاف الحال به وبأحبته في القرب والبعد، والقطيعة والوصل.
وَكَيْفَ التِذَاذِي بالأَصَائِل والضُّحىإذا لم تُعِدْ ذاكَ النَّسيمُ الذي هَبَّا
النسيم: هبوب الريح.
فيقول: وكيف ألتذ بالأصائل وبردها، وبالغدوات وحسنها، وهذه الأوقات أكرم أوقات الزمان، وسائر الأوقات تابعة لها، وجارية على حكمها، إذا لم تعد لي هذه الأوقات النسيم الذي هب بوصل الأحبة، ولذ بقربهم، وطاب بتداني محلهم.
ذَكَرتُ بهِ وَصْلاً كَأنْ لم أَفُز بِهِوَعَيْشَاً كَأَنَّي كُنْتُ أَقْطَعُهُ وَثْباً
ثم قال: ذكرت بذكر ذلك النسيم وصلا انصرم، فكأني لم أفز بنيله، وعيشاً ذهب، فكأني وثباً سرت في قطعة؛ يريد: أنه لم ينتفع بما سلف له من الوصل، وأنه يستقصر ما تقدم له من هني العمر.
وَفَتانَةَ العَيْنيْنِ قَتَّالَةَ الهَوَىإذا نَفَحتْ شَيْخاً رَوَائِحُها شَبَّاً
نفح الطيب: سطوع ريحه.
فيقول: وذكرت فتانة العينين، بفتورهما وسحرهما، قتالة الهوى، بتمكينه من النفوس، واستيلائه عليها، إذا نفحت روائح طيبها شيخاً، جددت شبيبته، وصرفت إلى التصابي نيته.
لها بَشَرُ الدُّرَّ الذي قُلَّدَتْ بِهِوَلْم أَرَ بَدْرَاً قَبْلَهَا قُلَّدَ الشُّهْباَ
البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان، واستعار ذلك في الدر، والشهب: النجوم. ثم قال: إنها تقلدت من الدر ما يشبه النجوم بحسنه، ويماثلها بارتفاعه في جنسه، وإن بشرها بشر ذلك الدر حسناً وبهجة، وصفاء ورقة، ولم ير قبلها بدراً ضمنت الكواكب عقوده، واشتملت عليها قلائده. فأشار بهذه العبارة إلى أن محبوبته هي البدر في حقيقتها، والقمر الطالع عند أهل التأمل لها.
فَيَا شَوْقِ ما أَبْقَى وَيَاليِ مِنَ الهَوَىويا دَمْعِ ما أَجْرَى ويا قَلْبِ ما أصْبَا
قوله: (فيا شوق ما أبقى ويالي من الهوى) ذكر سيبويه أن المنادي إذا أضاف
منادى إلى نفسه أسقط ياء الإضافة، وترك الكسرة دالة عليها، في لغات أكثر العرب، ومنهم من يثبتها، فأستعمل أبو الطيب ما عليه الأكثر من إسقاطها فقال: يا شوق، ويا دمع، ويا قلب، وحذف المنادي وهو ينويه من قوله: (ويالي من الهوى)، والعرب تفعل ذلك مع اللام المكسورة، فيقول قائلهم: يا للعجب، يريد: يا قوم أدعوكم للعجب، روى ذلك سيبويه وغيره، وحذف العائد على ما التي للتعجب، فقال: ما أبقى، وهو يريد: ما أبقاه ثقة بفهم المخاطب، وبدلالة الكلام على ما قصده، والعرب تفعل ذلك في الكلام، وتستعمله كثيراً في الشعر.
فيقول، معجباً بشدة حاله: فيا شوق ما أبقاه، وأشد مداومته، ويا قوم اعجبوا لي من الهوى الذي لا أعدمه، ويا دمع ما أجراه وأسرعه، ويا قلب ما أصباه وأجزعه.
لَعقدْ لَعِبَ البَيْنُ المُشِتُّ بها وبيوَزَوَّدّني في السَّيْرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا
تقول العرب: إن الضب يستنشق الريح فيغنيه عن الماء، وإنه
لهذا أصبر الحيوان على العطش، وبحسب حاجته إلى الريح، يرتقبها، وبضرورته إليها يعتني بطلبها.
فيقول: لقد لعب البين بها وبي، يريد: محبوبته، فشتت ما التأم من شملنا، وأبعد ما اتصل من قربنا، وزودني بعد رحلتها وانتزاح دارها، ما يتزود الضب من تنسم الريح، فأنا أستشرف إلى هبوبها، فما هب منها من نحو بلادها أنست به، وسكنت إليه، وارتحت له، وحرصت عليه. وعشاق العرب يفعلون ذلك ويذكرونه كثيراً في أشعارهم، فأشار أبو الطيب بذكره الضب، إلى هذا المعنى أحسن إشارة، ودل عليه أبين دلالة.
وَمَنْ تَكُنِ الأُّسْدُ الضَّواري جُدُودَهُيَكُنْ لَيْلُه صُبْحاً وَمَطْعَمُهُ غَصْبَا
ولما ذكر انقطاع الأسباب بينه وبين محبوته، وتقلب الأحوال به وبها، وتصريف الزمان له ولها، أخذ في ذكر بعض ما تصرف فيه، فقال: ومن تكن أنجبته
الأسود الضارية، وولدته السباع العادية، كان ليله صبحاً لكثرة سراه فيه، ومطعمه غصباً لخفة الاغتصاب عليه. وأَشار بهذه الحال إلى نفسه، فأبان عن صرامته وشدتهن ودل على اعتزامه وقوته.
ولست أبالي بعد إدراكي العلاأكان تراثاً تناولت أَم كسبا
ثم قال: ولست أبالي إذا أدركت معالي الأمور وحزتها، واشتهرت بها ونلتها، أكان ذلك بميراث احتزته، أم بكسب استفدته، فالمرء إنما يشرف بفعله، ويرتفع بنفسه.
فَرُبَّ غُلاَمٍ عَلَّمَ المجدَ نَفْسَهُكَتَعْليمِ سَيْفِ الدَّولةِ الدَّوْلَةَ الضَّرْبَا
ثم قال: فرب غلام اكتسب المجد بنفسه، وتعلم الكرم بطبعه، كسيف الدولة الذي علم الدولة الضرب، ونهج لها الجلاد والطعن، فدبرها، والسيوف مدبرة، وصرفها والسيوف مصرفه. وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد، وقد تقدم ذكره.
إذا الدَّوْلَةُ اسْتَكْفَتْ بِهِ في مُلِمَّةٍمَفَاها فَكانَ السَّيفَ والكَفَّ والقَلْبا
يقول: إذا طرقت الدولة ملمة، واعترضتها من الحوادث مهمة، كفاها ذلك واستقل به، وجلاه وتجرد له، ففعل السيف، وبطش بطش الكف، ودبر تدبير القلب، واكتفى في جميع ذلك بنفسه، ولم يفتقر فيه إلى غيره، وهذا التصنيف باب من أبواب البديع يعرف بالتقسيم.
تُهَابُ سيوفُ الهِنْدِ وهيَ حَدائِدُفكيفَ إذا كانَتْ نِزَارَّيةً عُرْبا
ثم قال: تهاب سيوف الهند وهي حدائد لا تعقل، ومصرفات يفعل بها
ولا تفعل، فكيف ظنك بها إذا كانت عربا نزارية، وصريحة في الشرف تغالبية؟ يشير إلى سيف الدولة، لأنه من بني تغلب، وتغلب من ربيعة، وربيعة بن نزار.
ويُرْهَبُ ناب اللَّيثِ واللَّيْثُ وَحْدَهُفكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا
ثم قال: ويرهب ناب الليث، والليث وحده، وليس له جيش يعضده، ولا جمع
يؤيده، فكيف بأسد تصحبه الأسود، وتمثيل أمره، وتطيعه ولا تخالف رأيه؟ يشير إلى سيف الدولة، وأنه الأسد في بأسه، ويفضله بسلطانه وجيشه.
ويُخْشَى عُبَابُ البَحْرِ وهو مَكَانَهُفَكَيْفَ بِمْنَ يَغْشَى البلادَ إذا عَبَّا
عباب السيل: مقدمة، وعبه: تدفعه.
فيقول: ويخشى عباب البحر، ويرتقب بأسه، وهو مقصور على مكان لا يتعداه، ومستقر لا يتخطاه، فكيف ببحر إذا عب غشى البلاد فأدرك بعيدها، واستباح منيعها؟ يشير إلى سيف الدولة، وأنه البحر الذي لا تمتنع منه مطالبه، ولا تتعذر عليه مقاصده.
عَليمُ بأَسْرَارِ الدَّيانَاتِ واللُّغَىلَهُ خَطَرَاتُ تَفْضَحُ النَّاسَ والكُتْبَا
ثم قال: إنه عليم بأسرار الديانات، وما يعتقده أهلها، عالم بوجوه اختلافها، وما يقول به المحتجون لها، له خطرات وبدائع تفضح الناس بدقتها، وتدل على ما قصرت الكتب فيه بصحتها.
فَبُوركتَ مِنْ غَيْثٍ كَأَنَّ جُلوَدنابه تُنْبتُ الدَّيبَاجَ والْوَشْيَ والْعَصْبا
بوركت: أي اعتمدت بالبركة، والعصب،: ضرب من البرد.
فيقول لسيف الدولة: فبوركت من ملك جواد يشبه الغيث بجوده، ويفعل ما يفعله بكرمه، فإذا أنبتت الأرض على الغيث ضروب النبات، وأصناف الزهرات، فإن جلودنا تنبت على عطاياه ضروب الوشي، وأنواع الديباج والعصب.
وَمنْ وَاهبٍ جَزْلاً وَمْن زَاجرٍ هَلاًومن هَتِكٍ دْرِعاً ومِنْ نَاثرٍ قُصْبَا
هلا: كلمة يزجر بها الخيل إذا استدعت القرار والثبات، والقصب: المعي.
ثم قال: وبوركت من واهب يهب جزلاً، ويزجر الخيل عند شدائد الحرب بهلا، ويهتك بطعانه دروع الفرسان، وينثر برماحه قصب الأقران.
هَنِيْئَاً لأَهْلِ الثَّغْرِ رَأيكَ فِيهمُوَأنَّك حِزْبَ اللهِ صِرتَ لُهمْ حِزْبا
ثم يقول: هنيئاً لأهل ثغر الشام حسن رأيك فيهم، وما أظهرته من تهممك بهم، وأنك يا حزب الله ويا ناصر دينه، ومعلي كلمته، صرت لهم حزباً، تحميهم وتمنعهم، وتحوطهم وتعضدهم.
وَأَنَّك رُعْتَ الدَّهْرَ فِيْها وَرَيْبَهُفأن شاَء فَلْيُحْدِثْ بِسَاحَتِها خَطْبَا
ثم قال: (وأنك رعت الدهر فيها)، فأنث، وقد قدم ذكر الثغر، والثغر مذكر، وهذا تفعله العرب إذا تركت اللفظ وحملت على المعنى، قال الله ﷿ (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفْرَدوسَ هُم فيها خَالدون) والفردوس مذكر، يقولون: الفردوس الأعلى، ولكنه أنث لما أراد
الجنة، وهو أعلم. وقال الشاعر:
وإن كلاباً هذه عشر أبطنوأنت بريء من قبائلها العشر
فأنث البطن، وهو مذكر، لما أراد القبيلة، وكذلك أنث أبو الطيب الثغر لما أراد الأرض والمدن،
فيقول: هنيئاً لمدن الثغر، رعت فيها الدهر وأفزعته، وزجرت عنها ريبة وذعرته، فإن أحب أن يعلم مبلغ جهده، فليحدث بساحتها منكراً من فعله، فسيعلم كيف دفعك لخطوبة، وكيف ردك لحوادثه وصروفه.
فَيَوْماً بِخَيلِ تَطرُدُ الرَّوم عنهموَيَودٍ الفَقْرَ والْخَدّْبا
ثم قال: فيوفاً تحوط أهل الثغر تطرد الروم عنهم، وتمنعهم منهم ويوماً تحوطهم بجود تبسطه فيهم، وكرم تمطره عليهم، وتكف
لذلك الفقر عن جميعهم، وتبعد به الجدب عن بلادهم وتعوضهم الخصب من اليسار من العدم.
سَرَايَاكَ تَتْرَى والدُّمستق هاربوأصحابه قتلى وأمواله نهبى
نهبى: على وزن فعلى، أسم لما نهب.
فيقول: سراياك في بلاد الروم متتابعة، وغزواتك إليهم متصلة، والدمستق هارب
عنك، متوقع لك، وأصحابه قتلى وقائعك، وأمواله أنهاب عساكرك.
أتي مَرْعَشاً يَستَقْرِبُ البُعْدِ مُقْبِلاًوأَدْبَرَ إذ أَقْبَلْتَ يَسْتَبْعِدُ القُرْبَا
مرعش: حصن بناه سيف الدولة في بلاد الروم.
ثم قال، يريد الدمستق: أتي مرعشاً مبادراً لك، مغتنماً فيها لمغيبك، ويستقرب البعد لشدة سيرى، ويستدنيه بسرعة عدوه، فلما علم بتوجهك نحوه، واعتقادك قصده، أدبر منهزماً، والقريب يبعد لفرقه منك، والداني ينتزح عنه لمخالفته لك.
كذا يترك الأعداء من يكره القناويقفل من كانت غنيمته رعبا
ثم يقول، من قصد مرعش: كذا يترك الأعداء، ويفر عنهم، من كره
الطعان، ولم يصبر على مضضها، وأشفق منها ولم يوطن على ألها. وهكذا يفقل مغلوباً من كان الرعب غنيمته، والفرار من الأعداء غايته.
َوَهلْ َردَّ عَنهُ بالُّلقَانِ وقُوفهصُدُور الَعَوالي وُالمطَهَمةَ الُقَّبا
المطهمة: الحسنة الخلق، والقب: الضامرة البطون، يريد: الخيل.
ثم قال، زارياً عليه، وباسطة لعذره في هزيمته: وهل أغنى عنه وقوفه باللقان وتجلده؟ وهل منع ذلك منه صدور الرماح المسددة، وحملات الخيول القب المطهمة؟ فلا لوم عليه في فراره إذا كان الوقوف لا ينفعه، ولا حظ له في التجلد، إذا كان التجلد لا يعصمه.
مَضَى بَعْدَما التفَّ الرَّمَاحَانِ ساعةكما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا
قوله: (بعدها التف الرماحان ساعة)، الرماحان يريد: رماح أصحاب سيف الدولة ورماح الروم، وثنى الجمعين، لأنه جعلهما حيزين، فثناهما، كان كل واحد منهما اسم على حياله، والعرب تفعل
ذلك قال الشاعر:
فَتَنَازَلاً فَتَوَافَقَتْ خَيْلاَهُماوكِلاَهُما بَطَلُ اللَّقَّاءِ مُخَدَّعُ
فثنى الخيل وهي جمع، لما جعلها حيزاً بنفسه.
فيقول: وهو يريد: الدمستق، مضى بعد أن حميت الحرب، واشتد الطعن، وتشاجرت الرماح، واختلفت بها أيدي الفرسان فتلاقت كما تتلاقى أهداب العين في الرقدة، واختلطت على تناه من الالتفاف والكثرة.
وَلكنَّهُ وَلَّى وَللطَّعْن سَوْرَةُإذَا ذَكَرَتْها نَفْسُهُ لَمَس الجَنْبا
السورة: البطش والعجلة.
ثم قال: ولكنه مع هذه الموافقة، وشدة هذه المقاومة، انهزم وذل، وولى وفر، وللطعن سورة واستعلاء وشدة، إذا تذكرت نفسه ذلك لمس جنبه متفقداً له، وشاكا في أن لا يحل الطعن به.
وَخَلَّى العَذَاري والْبَطاريِقِ والْقُرىوشُعْثُ النَّصَارى والقَرابينَ والصُّلْبَا
شعث النصارى: عبادهم.
ثم قال: وخلى العذارى من أهل ملته، والبطاريق من أنصار دعوته، والمدن الجامعة لأهل عمله، والمتبتلين من نضاراه، والصلبان التي يعبدها، والقرابين التي يتوسل إلى آلهته بها، يتحكم المسلمون في جميع ذلك؛ بالسبي والقتل، والتخريب والنهب، والتغير والنسف.
أرى كلنا يبغي الحياة بسعيهحريصاً عليها، مستهاماً بها صبا
ثم، يقول مشيراً إلى أن الدمستق فر بنفسه، وأقدم عليه سيف الدولة بجنده: أرى كلنا يبغي الحياة بما يفعله، ويسعى لها فيما يقدره، حرصاً عليها، وإيثاراً لها، وصبابة بحبها.
فَحُبُّ الجَبانِ النفَّسْ أَوْردهُ التُّقَى وَحُبُّ الشُّجَاعَ النَّفْسَ أَوْرَدَهُ الحَرْبا
ثم بين ذلك، فقال: فحب الجبان لنفسه زين له التقية والإحجام، وحب الشجاع لنفسه زين له التجلد والإقدام، وكلاهما مع اختلاف تناولهما، رأى أنه مصيب في فعله، محتاط على الحياة بسعيه.
وَيَخْتلفُ الرَّزْقَانَ والْفِعْلُ وَاحِدُإلى أنْ تَرَى إحْسانَ هَذَا لذا ذَنْبا
ثم قال: وقد يختلف الرزقان، وتتباين الفائدتان، والفعل واحد، والتناول متفق، حتى يذنب الرجل فيما يحسن غيره به، ويخطئ فيما يصيب سواه في مثله، كركاب البحر الذين يتفق فعلهم، ويختلف في التجارة والهلاك أمرهم، هذه أحوال الزمان، والسبيل في مقاصد الإنسان.
فَأَضْحَتْ كَأَنَّ السُّورَ مِنْ فَوْقُ بَدْؤُهُإلى الأَرْضِ قَدْ شَقَّ الكَواكب والتُّرْبا
وقوله: (كأن السور من فوق) ضم آخر فوق لما وضعه موضع المعرفة، وقطعه عن الإضافة التي هي أصله، وهي العلة في بناء قبل
وبعد على الضم، قال الشاعر في مثل ذلك:
لَعَنَ الإَلهُ بنَ مُسافرِلَعْنَاً يُشَنُّ عَلَيْهِ من قُدَّامُ
فبنى قدام على الضم لما قطعها عما تستحقه من الإضافة في الأصل، واختاروا لهذه الظروف البناء على الضم، وعدلوا عن الفتح والكسر؛ لأن الفتح والكسر يدخلان عليها في حين إضافتها، فاختاروا لها في حين البناء حركة لم تكن لها في حين التمكن.
فيقول، وقد استوفى وصف الحال في هزيمة سيف الدولة للدمستق على مرعش: فأضحت، يريد: هذه المدينة، وكأن سورها ابتدئ من أعلاه، لارتفاع بنيته، وشدة منعته، وعجز الروم عما حاولوه في جهته، فكأنه لما هو عليه من بعد الغاية، وتمكن القوة، قد شق الكواكب وزاحمها، واخترق الأرض وداخلها، فلا سبيل إليه، ولا طمع للعدو فيه.
تَصُدُّ الرَّياحُ الهوَّجُ عنها مَخَافةًوتَفْزَعُ فيها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحَّبا
الهوج من الرياح: الشداد.
ثم قال، مؤكداً لما تقدم: تصد الرياح الهوج عن هذه المدينة، مخافة لمعارضة
سورها لها، وتيقنا أنه يقطع دون غايتها بها، وتفزع الطير من أن تلقط الحب في ذراه، وتتصرف آمنة في أعلاه، وأخبر عن المدينة، وهو يريد السور؛ لأن السور بعضها.
وَتَرْدي الجِيَادُ الجُرْدُ فَوْقَ جِبَالهاوَقَدْ نَدَف الصَّنْبرُ في طُرْقِها العُطْبا
الصنبر: ريح باردة، في غيم، والعطب: القطن، والرديان: ضرب من الجري.
ثم قال: وهذه المدينة، مع ما هي عليه من ارتفاع الشأن، وقوة البنيان، لا تبغها خيول سيف الدولة، بل هي تردي في أوعارها، وعلى قنن جبالها، والصنبر يندف القطن في طرقها، ويجتلب الثلج إلى أرضها، يريد: أنها ممتنعة بقوة البنية، وكثرة الشحنة، وأن الخيل تلازمها في زمان الثلج، وحين امتناع الغزو، وهي فيها قاطنة غير راحلة، ومقيمة ظاعنة.
كَفَى عَجَباً أَنْ يَعْجبَ النَّاسُ أَنَّهُبَنَى مَرْعَشَاً تَبَّا لآرائِهم تَبَّاً
التب: الخسارة.
فيقول: كفى عجباً أن يعجب الناس، منى أن يكون سيف الدولة بنى مرعشاً، ويسكنها، ويحميها ويحصنها، ثم دعا على هذا الرأي منهم بالخيبة والخسران، وشهد عليهم فيه بالجهالة والنقصان.
وما الفرق ما بين الأنام وبينهإذا حذر المحذور واستصعب الصعبا
ثم قال وما الفرق ما وبين سيف الدولة، وبين من شهدوه من أمره جيوشهم، وما باشروه من المدبرين لأمورهم، وإذا كان يحذر ما حذروه، ويفعل ما فعلوه، ولا يستقرب ما بعد عندهم، وينكشف ما استتر دونهم.
لأَمْرٍ أَعَدَّتهُ الخِلافَةُ للْعِدىوَسَمَّتْهُ دونَ العَالمِ الصَّارمِ العَضْبَا
يقول: لأمر خص به من الفضل، وقدر فيه من النفاذ والعزم، اختارته الخلافة لحماية حوزتها، وأعدته للمدافعة دون بيضتها، وسمته دون العالم بالسيف الذي لا
ينبو حده، والصارم الذي لا يذم فعله.
وَلَمْ تَفْتَرِقْ عَنْهُ الأسِنْةُرَحْمَةً وَلْم تَتْرُكِ الشَّامَ الأَعَادي لَهُ حُبَّا
ثم قال: ولم تفترق عنه أسنة المقاتلين، رحمة له، ولا تجافوا عن معارضته، عناية به، ولا ترك أعداؤه الشام له، مع جلالتها، إسعاداً ومحبة، ل آثروه بتملكها، إيجابا ومودة، ولكنهم حذروا بأسه وشدته، وتوقعوا إقدامه وسطوته.
وَلطِنْ نَفَاها عَنْهُ غَيْرَ كَريمَةٍكَرِيمُ النَّثاَ ما سُبَّ قَطُّ ولا سَبَّا
النثا: الخبر، خيراً كان أو غيره.
فيقول: ولكن نفي الأعداء عن أرض الشام، غير كريمة في نفيها، ولا متخيرة في فعلها، كريم النشر، طيب الذكر، لا يسب لعلو قدره، ولا يسب لسعة حمله.
وَجَيْشُ يُثَنَّي كُلَّ طَودٍ كأَنَّهُخَريقُ رياحٍ وَاجَهْت غُصْناً رَطْبا
الطود: الجبل الطويل، والخريق: الريح الشديدة.
ثم قال: ونفاها له جيش مخوف بأسه، جليل شأنه، يثني الجبال بكثرته، ويخفضها بجموعه وقوته، ويفعل بها في حط ما ارتفع، وتفريق ما
اجتمع، ما يفعله خريق الريح. بالأغصان الرطبة، وشديد العصوف بالحشائش الرخوة.
كَأنَّ نُجُومَ اللَّيْلِ خَافَتْ مُغَارَةُفَمَّدتْ عَلَيْها مِنْ عَجَاجَتهِ حُجْبَا
ثم يقول: كأن هذا الجيش أخاف نجوم الليل وأفزعها، وهالها بكثرته وذعرها، فاستترت عنه بتكاثر قتامه، واحتجبت عنه يتكاثف عجاجه.
فَمَنْ كَانَ يُرْضي اللُّؤْمَ والكُفرَ مُلْكُهُفَهذا الذي يُرْضِي المكارمِ والرَّباَّ
ثم قال: فمن كان يرضي ملكه اللؤم والكفر من أدنياء المتغلبين، وكفار المنتصرين، فهذا الذي يرضي الله بإقامة شرائعه، ويرضي الكرم بإحيائه لمعالمه.
وأهدى إليه سيف الدولة ثياب ديباج رومي، وقناة وفرساً معها مهر لها، فأعجبه المهر، ولم تعجبه الفرس، فقال:
ثَيِابُ كَريمٍ ما يَصُونُ حِسَانَهاإذَا نُشِرْتْ كان الهِباتُ صِوَانَها
صوان الشيء: ما اتخذ لصيانته.
فيقول: خلع سيف الدولة ثياب كريم، لا يصون حسنها، ولا يذخر رفيعها، إذا نشرها فصوانها عنده أن يهبها، وحفظه لها أن يكسوها ويخلعها.
تُرينا صَنَاعُ الرُّومِ فيها مُلُوكَهاوَتَجْلو عَلَيْنَا نَفْسَها وَقَيِانَها
الصناع: المرأة الحاذقة بالعمل.
ثم قال: ترينا الروم، الحاذقة بعملها، العالمة بإقامة صورها، في تلك الثياب، أمثلة ملوكها، وتجلو علينا فيها أنفسها وقيانها، اقتداراً على ما تصنعه، وتقدما في إصابة ما تصوره.
ولم يَكْفِهَا تَصْويُرها الخَيْل وَحْدهافَصَوَّرتِ الأشْياَء إلاّ زَمَانها
يقول: ولم يكف تلك الصناع أن صورت الخيل مع ما صورته،
وصنعتها مع ما صنعته، حتى تصرفت في الأشياء فمثلتها، وكثرت منها وأظهرتها، فلم يعدم المتأمل لتلك الصنائع، والمشاهد لتلك البدائع، إلا الزمان بصورته، ومشاهدته بمثاله، والزمان لا صورة له فدل بقوله؛ أنها لم يفتها إلا ما لا صورة له، على أنها استوفت الصور بجملتها، ومثلتها بعامتها، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء.
وما ادَّخَرَتْها قُدْرَةً في مُصَوَّرٍسِوَى أَنَّها ما أَنْطَقَتْ حَيَوانها
ثم قال: وما ادخرت تلك الصناع قدرة فيما صورته، وحكمة فيما أظهرته، إلا أنها لم تنطق الحيوان من تلك الصور، ولا أظهرت الحياة فيما أبدته من تلك المثل، وما خلا ذلك، فقد استوفته وأكملته، وحسنته وتممته.
وَسَمراءُ يسْتَغْوي الْفَوارسَ قَدُّهاوَيُذْكِرُها كَرَّاتها وَطِعانها
السمراء: القناة.
فيقول، معدداً لما أهداه إليه: وسمراء يهيج الفوارس حسن قدها على الحرب، ويشوقها إلى المطاردة والطعن، ويذكرها بذلك، ويغريها بفعله، ويحركها إلى إستعمال مثله.
رُدَينيةُ تَمَّتْ وَكَادَ نَباتُهايُرَكَّبُ فِيها زُجَّها وَسِنَانَها
الردينية: منسوبة إلى ردينة، وكانت امرأة تتجر بالرماح في الجاهلية:
ثم قال: ردينية ثم خلقها، وكمل حسنها، وكادت في حين نباتها، تستدعي الزج والسنان، وتعلم المطاردة والطعان.
وَأمُّ عَتيقٍ خَالُهُ دونَ عَمِّهِرأى خَلْقَهَا مَنْ أَعْجَبَتْهُ فَعانها
العتيق: الكريم من الخيل، وأراد الفرس التي أهدى إليه، والمهر الذي كان معها.
فيقول: إن هذه الفرس تأخر خلقها عن خلق مهرها، فكرم وهجنت، وحسن وتأخرت، فيقول، منكراً لأمرها، ومعتذراً لهجنتها وحالها: إنها أم عتيق من الخيل، كرم فحله، وهجنت أمه، فخاله دون عمه، وكأن أمه رآها من أعجبته فلقعها بعينه، فتضاءل لذلك خلقها، ولم يتم على حقيقته حسنها.
إذا سايَرَتْهُ بَايَنَتْهُ وَبَانهاوَشَانَتْهُ في عَينِ الْبِصِيرِ وَزَانها
ثم قال: إذا سايرت هذه الفرس مهرها، باينته وباينها، فرفعها ووضعته، وزينها ونقصته.
فَأَيْنَ التي لا تَأْمَنُ الخَيْلُ شَرَّهَاوَشَرَّي وَلاَ تُعْطِي سِوَايَ أَمَانهاَ
يقول: فأين التي عهدتها من كرائم الخيل، التي كانت لا تأمن الفرسان سطوتي عليهم بها، وإقحامي في غمرات الحرب لها، والتي كانت لا تأنس بغيري فيأمنها، ولا تمكن سواي من نفسها فيركبها.
وأيْنَ التي لا تَرْجِعُ الرُّمْحَ خَائِباًإذا خَفَضَتْ يُسْريَ يَدَيَّ عِنانها
ثم قال: وأين التي كانت لا ترجع الرمح خائباً، من فارس تصيبه، ولا ترده
مقصراً عن مطلوب في الحرب تناله، إذا خفضت يسري يدي عنانها، مستنهضاً لها، وأرخته طالباً للفرسان بها.
وما ليِ ثَنَاءُ لاَ أَرَاكَ مَكانَهُفَهَلْ لَكَ نُعْمَى لا تَراني مَكَانها
ثم قال، مخاطباً، لسيف الدولة: ومالي أيها الرئيس ثناء أدخره عنك، ومدح لا أستعمله فيك، وأعتقدك مكاناً له، وأهلاً للاختصاص به، فهل لك نعمى لا تخصني بها، وتراني أهلاً وموضعاً لها؟
وكان ربما تأخر مدحه عن سيف الدولة، فيشق ذلك عليه، ويكثر أذاه، ويحضر في مجلسه من يعرض له بالقبيح، ففعل به ذلك مرات، فقال، وأنشدها في محفل من العرب والعجم:
واحرَّ قلَباهُ مَمَّن قلْبُهُ شَبِمُوَمَنْ بِجِسْمي وَحَالي عِنْدهُ سَقَمُ
وا: حرف ينادي به كما ينادي بيا، وحر قلباه: اسم مضاف منادى، كان أصله واحر قلبي، فأبدل من الياء ألفاً، رغبة في الخفة، والعرب تفعل ذلك في النداء، واستجلب هاء السكت، وأثبتها في الوصل كما ثبتت في الوقف، والعرب تفعل ذلك في الشعر، وحرك الهاء، لسكونها وسكون الألف قبلها، وللعرب في ذلك فعلان؛ منهم من يحركها بالضم، تشبيها بهاء الضمير، فيقول: واحر قلباه، أنشد في ذلك يعقوب عن الفراء:
يا مَرْحَباهُ بِحمارَ عَفْرَاءْإذا أَتى قَرَّبْتُهُ لما شَاءْ
من الشَّعير والحشيشِ والماءْ
ومن العرب من يحرك بالكسر، على ما يوجد كثيراً في الكلام، عند التقاء الساكنين، أنشد على ذلك يعقوب:
يا ربِّ يا رَّباهِ إيَّاكَ أَسَلْعَفْراَء يَا رَبَّاهِ مِنْ قَبْلِ الأَجَلْ
وهذه اللغة التزم أبو الطيب، والشبم: البارد.
فيقول: واحر قلبي واحتراقه، واستحكام تهممه، بمن قلبه عني بارد لا عناية له بي، ولا إقبال له علي، ومن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يوجب ألمهما، وشكاة تعود باختلالهما. والعرب تكني بحرارة القلب عن الاعتناء والحب، وببرده عن الإعراض والترك.
مَا لي أُكَتَّمُ حُبَّاً قَدْ بَرَى جَسَديوَتَدعي حُبَّ سَيْفِ الدَّولةِ الأُممُ
المكتم: المبالغ في الكتم، وبري الجسم: إضناؤه وإنحاله.
ثم قال: ما لي أكتم من حب سيف الدولة ما يزيد مضمره على ظاهره، ومكتومه
على شاهده، والأمم تشركني في ادعاء ذلك، والتصنع به بقلوب غير خالصة، ونيات غير صادقة، فيضني جسمي، وينحله تقدمي في صدق وده، وتأخري فيما يخصني من فضله.
إنّ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبَّ لغُرَّتِهِفَلَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الحُبَّ نَقْتَسِمُ
ثم قال: إن كان يجمعنا حب غرته، والكلف بمودته، فليت أنا نقتسم المنازل عنده، بقدر ما نحن عليه من صحة الخالصة، وما نعتقده من المودة الصادقة، فلا يبخس المخلص حظه، ولا يبذل للمتصنع بره.
قَدْ زُرْتُهُ وَسُيوفُ الهِنْدِ مُغْمدهُوَقَدْ نَظَرتُ إليهِ وَالسيوفُ دَمُ
ثم يقول: قد زرته في الأمن والسلم، وقد شهدته في شدائد الحرب؛ يريد: أنه خبره في الضيق والسعة، وامتحنه في الأمن والمخافة، فأعجبه كيف تقلب، وحمده على أي حال تصرف.
فَكَانَ أَحْسَنَ خَلْقِ اللهِ كُلَّهمِوَكَانَ أَحسَنَ ما في الأَحْسَنِ الشَّيمُ
ثم قال: فكان في جميع أحواله أحسن خلق الله شاهداً، وأكرمهم ظاهراً، وكان أحسن من ذلك شيمه المختبرة، وأخلاقه الممتحنة.
فَوْتُ العَدُّو الَّذي يَمَّمْتَهُ ظَفَرُفي طَيَّيهِ أَسَفُ في طَيَّهِ نِعَمُ
الأسف: الحزن.
فيقول: فوت العدو الذي أعجزك بهربه، وفر عنك لاستحكام جزعه، ظفر ظاهر، واستعلاء بين، وإن كان ذلك الظفر في طية منك أسف على ما حرمته من إدراكه، والإثخان بالقتل فيه، وفي طي ذلك الأسف نعم بما صرف الله عنك من مؤونة الحرب، وشدة معاناة اللقاء.
قَدَ نَابَ عَنْكَ شَديداُ الخوفِ واصْطَنَعتْلَكَ المَهَابةُ ما لا تَصْنَعُ الُبَهُم
البهم: الذين تناهت شجاعتهم من الفرسان، واحدهم بهمة.
ثم قال: قد ناب عنك خوف العدو لك، فغلبه وذعره، وهزمه وروعه، وصنعت لك فيه مهابتك، وبلغت لك منه مخافتك، ما لا تصنعه بهم الشجعان، ولا تبلغه أبطال الفرسان.
أَلْزَمْتَ نفْسَكَ شَيْئاً لْيسَ يَلْزمُهاأنْ لا تُوَاريُهم أَرْضُ ولا عَلَمُ
العلم: الجبل الطويل.
فيقول لسيف الدولة: ألزمت نفسك من نكاته العدو والمبالغة في قتلهم ما لا يلزمك، وكلفتها ما لا يحق عليك، وذهبت إلى ألا تواريهم منك أرض تشتمل عليهم، ولا يسترهم عنك جبل يحول بينك وبينهم.
أَكُلَّما رُمْتَ جَيْشاً فانثنىَ هَرَباًتَصرَّفَتْ بِكَ في آثارهِ الهِمَمُ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع