من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني (٤)
الباهر: الغالب.
فيقول لسيف الدولة: كفرت أياديك التي تبهر الشكر، وتستغرق النشر، إن كان ما أنكرته من تأخر مدحي عنك شيئاً أردته، واختياراً قصدته.
وَلَكِنْ حَمَى الشَّعْرَ إلا القليلَ همُّ حَمَى النَّومَ إلا غِرَارا
حميت الشيء: إذا منعت منه، والغرار: النوم القليل. ثم قال: ولكن حمى الشعر ومنعه، إلا قليلاً لا أحفل به، ومستكرها لا أنشط له، هم حمى النوم وطرده،
وأبعده وشرده، فما أطعم منه إلا غراراً لا ينفع، ويسيراً لا يقنع.
وما أنا أَسْقَمْتُ جِسْمِي بِهِولا أَنا أَضْرَمْتُ في القَلْبِ نارا
ثم قال: وما أنا أسقمت نفسي بذلك الهم مختاراً للسقم، ولا ألمت نفسي به مؤثراً للألم، ولا أنا أضرمت في قلبي تلك الجمرة، ولا ألزمت نفسي تلك اللوعة، ولكني دفعت إلى ذلك على غير قصد، وامتحنت به على غير عمد.
فَلاَ تُلْزِمَنَّي ذُنُوبَ الزَّمانِإليَّ أَسَاَء وإيَّايَّ ضَارَا
ضرت الرجل وأضررت به: بمعنى واحد.
فيقول لسيف الدولة: فلا تلزمني بالتأخر عن الشعر ذنوباً أحدثها الزمان، بتعاقب خطوبه، وتكرر صروفه، فإلي أساء بكثرتها، وإياي ضار بشدتها.
وَعِنْدي لَكَ الشُّرْدُ السَّائِراتُ لا يَخْتصِصْنَ من الأَرْضِ دَارَ
الشرد هاهنا: القصائد، واحدتها شرود، وهي التي لا تستقر في مكان.
ثم قال له: وعندي لك بعد ذلك الأشعار الشاردة بحسنها، السائرة في البلاد ببراعة نظمها، لا تختص من الأرض داراً تألفها، ولا جهة تسكنها، ولكنها تسير في الأرض منتقلة، وتظعن فيها على الألسن مرتحلة.
فإنيّ إذا سِرْنَ في مِقْوَليوَثَبْنَ الجبالَ وَخُضْنَ البِحَارا
المقول: اللسان.
ثم قال: فإني إذا سيرتها ناطقاً بها، وأظهرتها مروياً لها، وثبت الجبال غير متوقعة، وخاضت البحار غير متهيبة.
ولي فِيْكَ ما لَمْ يَقُلْ قَائِلُوَمَا لمْ يَسِرْ قَمَرُ حَيْثُ سَاراَ
ثم يقول لسيف الدولة: ولي فيك من بدائع الشعر، وغرائب النظم، ما لم يقل مثله قائل، ولا تعاطى نظيره شلعر، وما زاد في السير على القمر، وقصر عنه جميع البشر.
فَلَوْ خُلِقَ النَّاسُ مِنْ دَهْرِهمْلَكَانوا الظَّلامَ وَكُنْتَ النَّهارا
ثم قال: فلو أن الناس خلقوا من دهرهم، وركبوا من زمانهم، لكنت كالنهار في بيان فضلك، وكانوا كالظلام في تواضعهم عن قدرك.
أَشَدُّهم في نَدىً هِزَّةًوأَبعَدُهم في عَدُوٍّ مُغَارا
هزة الندى: السرور به، والحرص عليه.
ثم قال له: أنت أشدهم في الكرم هزة، لحرصك عليه، وأبعدهم في العدو غارة، بتسرعك إليه.
سَمَا بكَ هَمَّيَ فوقَ الهُمومِفَلَسْتُ أَعُدُّ يَسَارَاً يَسَارا
الهم والهمة بمعنى واحد، واليسار: كثرة المال.
فيقول: سمت بك همتي على الهمم، وأحرزت عندك أوفر النعم، فلست أستكثر الكثير لقدرتي عليه، ولا أحفل به لتمكني فيه.
وَمَنْ كُنْتَ بَحْرَاً لَهُ ياعَليُّ لم يَقْبِلِ الدُّرَّ إلاَّ كِبارا
ثم قال له: ومن كنت يا علي بحره الذي يغترف منه، ومورده الذي يصدر عنه، لم يقبل الدر إلا كباراً غريبة، ولم تقنعه إلا نفيسة جليلة.
رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها، فنزل حران، فأخذ رهائن بني نمير وقشير والعجلان، وحدث له رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دلوك، إلى قنطرة صنجة، إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية. وعاد ليعبر من درب موزار، فوجد العدو قد ضبطه عليه فرجع، وتبعه العدو فعطف عليه، فقتل خلقاً من
الأرمن، ورجع إلى ملطية، وعبر قباقب، وهو نهر، حتى ورد المخاض على الفرات تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين، ونزل حصن الران، ورحل إلى سميساط، فورد عليه بها من خبره أن العدو في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعاً على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه، فقال أبو الطيب يصف الحال. أنشدها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة.
لَيَاليَّ بَعْدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُطِوَالُ وَلَيْلُ العَاشِقِينَ طَويلُ
الشكول: جمع شكل، وهو الميل.
فيقول: ليالي بعد الظاعنين من أحبتي متشاكلة في طولها، متشابهة في تعذبي بها، وليل العاشقين طويل عليهم، بما يقاسونه من السهر، وما يتجدد لهم فيه من الفكر.
يُبِنَّ ليَ البَدْرَ الَّذي لا أريدهُوَيُخْفِينَ بَدْراً ما إليهِ سَبِيلُ
ثم قال: يبن لي بدر السماء الذي لا أريده، ويظهرنه ويبدينه ولا يسترنه، ويخفين من أحبتي البدر الذي أحرص عليه، ولا أجد سبيلاً إليه.
وَمَا عِشْتُ مِنْ بَعْدِ الأَحِبَّةِ سَلْوَةًوَلَكنيَّ للَّنائبَاتِ حَمُولُ
ثم يقول: وما عشت من بعد الأحبة سالياً عن ذكرهم، ولا خالياً من حبهم، ولكني حمول للنائبات، صبور على الخطوب الموجعات.
وإِنَّ رحيلاً وَاحِداً حَالَ بَيْنَنَاوفي الموتِ مِنْ بَعْد الرَّحِيل رَحِيلُ
ثم قال: وإن رحيلا واحداً غير مضاعف، ومفرداً غير مردد، حال بيني وبينهم، وأياسني من قربهم، وفي الموت الذي أباشره بفقدهم، وأشرف عليه من بعدهم،
رحيل يشفع رحيلهم، وبعاد يضاعف بعادهم، ولا دار أبعد من القبر، ولا سبب أقطع من الموت.
إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أَدْنَى إليكمُفَلاَ بَرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ
الروح: نسيم الريح الشرقية.
ثم يقول، مقبلاً بالخطاب على أحبته: إذا كان شم الروح أقرب الأشياء
منكم، وأقعدها بالدنو إليكم، وتيقنت أن الرياض في تبديكم ومنازلكم، والمياه التي تقاربها مواردكم، لما يوجب لكم علو الحال من الحلول في كرائم الأرض، فلا برحتني روضة تذكرني منزلكم، وقبول أتنسم منها ريح أفقكم. وأشار بذكر القبول إلى أن رحلة أحبته كانت إلى جهة المشرق.
وَمَا شَرقِي بالماءِ إلا تَذَكُّرَاًلماءٍ بِهِ أَهْلُ الحَبِيبِ نُزولُ
الشرق: الاختناق.
ثم قال: وما أشرق بالماء إلا لعلمي أن أهل الحبيب الراحلين به، وقومه الحافظين له، يعتمدون ماء ينزلونه، ويستقرون بمنهل يحلونه، فيهيج لي الماء تذكر حلوله، وأغص به أسفاً على رحيله.
يُحَرَّمُهُ لْمَعُ الأَسِنَةِ فَوْقَهُفَلَيْسَ لِظَمْآنٍ إِليهِ وُصُولُ
ثم قال، واصفا لموضع من يحبه من الرفعة، وما هو بسبيله من العز والمنعة: يحرم هذا الماء الذي يرده لمع أسنة قومه المحتلين به، وامتناع
جهتهم، واحتداد شوكتهم، فليس لظمان وصول إليه، ولا لوارد طمع فيه، وأشار بهذا إلى أن من يحبه ممنوع منه، محجوب على القرب والبعد عنه.
أَمَا في النُّجُومِ السَّارياتِ وغَيْرِهالِعَيْني عَلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ دَليلُ
السرى: مشى الليل، فاستعار ذلك للنجوم، فيقول، مشتكياً لسهره، وما هو عليه من شدة كمدة: أما في النجوم السارية وغيرها مما يعرف به أوقات الليل، دليل لعيني
على ضوء الصباح وتدانيه، وانصراف الليل وتقضيه.
أَلم يَرَ هذا الليلُ عَيْنيكِ رُؤيتيفَتَظْهَرَ فِيهِ رِقّةُ ونُحولُ
ثم قال: مخاطباً لمحبوبته: ألم ير هذا الليل الجليل خطبه، المتصل طوله، عينيك رؤيتي لهما، ويشهد ما شهدته من سحرهما، فيقل منه ما كثر، ويقصر ما اتصل، ويرق لمن سحرتاه، ولاقي من الضعف والسقم ما ألقاه.
لَقْيِتُ بِدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لَقْيَةًشَفَتْ كَمَدِي واللَّيْلُ فِيهِ قَتِيلُ
درب القلة: موضع في بلاد الروم.
فيقول: لقيت بهذا الموضع الفجر لقية على حال من البهجة، وسبيل من الغبطة، شفت كمدي بتطاول الليل، وأظهرتني عليه بالخروج عنه، وهو كالقتيل الذي قد انقضت مدته، وسقطت عمن يحذره مئونته.
وَيَوْمَاً كأَنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمَةُبَعَثْتِ بِهَا والشَّمْسُ مِنْكِ رَسُولُ
ثم قال لمحبوبته مخاطباً: ولقيت بهذا الموضع يوماً تلا هذه الليلة تناهت بهجته، وراق منظره، حتى كأن حسنه حسن علامة توجهينها، وكأن الشمس فيه رسول يقدم عنك بها، فجعل صفة هذا اليوم سبباً للترفع لمحبوبته، وإبانة عن جلالة قدرها، وعلو محلها. وخرج إلى المدح بألطف سبيل، ووصل إليه أحسن وصول.
وما قَبْلَ سَيْفِ الدَّولَةِ اتَّارَ عاشقُولا طُلِبَتْ عِنْدَ الظَّلامِ ذُحُولُ
اتأر الرجل: إذا أدرك ثأره، وهو افتعل من الثأر، فأبدل من الثاء تاء لتقارب مخرجهما من الفم، ثم أدغم إحدى التائين في الأخرى، فقال اتأر.
فيقول: وما قبل سيف الدولة، وقبل ما أبداه من الفضل، وأظهره من
غرائب الفعل، أدرك عاشق في الحب ثأره، ولا طلب عند الليل الطويل ذحله.
وَلكِنَّهُ يَأْتي بِكُلَّ غرِيْبَةٍتَرُوقُ على اسْتِغرَابِها وَتَهُولُ
الهول: المخافة.
ثم قال: ولكن سيف الدولة يأتي بكل غريبة في مجده، وبكل نادرة في كرمه، فيروق ذلك ويعجب، ويهول ويفزع، ويسلي من شهده عما سواه، وينسيه ما لقيه وقاساه.
رَمَى الدَّرْبَ بالجُرْدِ الجيادِ إلى العِدَىوما عَلِموا أَنَّ السَّهامَ خُيولُ
الدرب: المدخل إلى أرض العدو، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من شواهد الكرم.
فيقول: إن سيف الدولة رمى الدرب، درب الروم، مقدماً عليهم، وغازياً إليهم، بكتائب خيله، ومواكب جيشه، فسارت كالسهام مسرعة، ونفذت نفاذها مصممة، ولم تعلم الروم قبل ذلك
أن من الخيل ما يفعل مثل هذا الفعل، ولا أن منها من يسير مثل هذا السير.
شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَاربِ بالقَنَالَهَا مَرَحُ من تَحْتِهِ وَصَهِيلُ
الشوائل: التي ترفع أذنابها عند الجري، وذلك فيها من دلائل القوة، والمرح: لعب يبعثه النشاط، والصهيل: معروف.
ثم قال: شوائل بالرماح عند دفع الفرسان لها، وتسديدهم للرماح عليها، تشوال العقارب؛ يشير إلى سرعة سيرها، وكثرة جريها، ورفعها لأذنابها في ذلك الجري، وذلك في الخيل من دلائل قوة ظهورها؛ لأن ذلك التشوال أكثر ما يكون من الخيل في حين الجري، ثم دل على نشاطها بمرحها، وعلى عزة أنفسها بصهيلها.
وَمَا هي إلاَّ خَطْرَةُ عَرَضَتْ لَهُبِحَرَّانَ لَبَّتْها قَناً وَنُصُولُ
حران: مدينة من مدائن الموصل، والتلبية: الإجابة، والقنا والنصول: معروف.
ثم قال: وما كانت هذه الغزوة إلا خطرة عرضت لسيف الدولة
بحران، يشير إلى أنها كانت مع جلالتها عن بديهة، وأنه أنفذها مع احتفالها عن غير روية، فلبتها
القنا والنصول، واقترن بها الصنع الجميل.
هُمَامُ إِذا مَا هَمَّ أَمْضَى هُمُومَهُبِأَرْعَنَ وَطْءُ الموتِ فيه ثَقِيلُ
الهمام: الملك، وهم: بمعنى أراد، والهموم: الإرادات، والأرعن: الجيش الكثير الفضول، له رعون كرعون الجبال، والرعن: أنف الجبل.
فيقول لسيف الدولة: أيها الملك الذي ما هم به فعله، وما أراده أنفذه، بجيش حافل، وجمع غالب، تقدمه إلى الأعداء حتوفهم، ويقصدهم فيه هلاكهم، ويطؤهم الموت به أثقل وطأة، ويصرعهم أشد صرعة.
وَخَيْلٍ بَرَاها الرَّكْضُ في كُلَّ بَلْدَةٍإذا عَرَّسَتْ فِيها فَلَيْسَ تَقِيلُ
براها: أهزلها، والتعريس: النزول في آخر الليل، والقائلة: معروفة.
ثم قال: وخيل يتضمنها ذلك الجيش، براها ما يحملها سيف الدولة من الركض، وما يكلفها من السير في بلاد يقتحمها إلى العدو، ويعرس
فيها ولا يقيل، ويسير ولا يريح.
فَلَمَّا تَجَلَّى مِنْ دَلُوكَ وَصَنْجَةٍعَلَتْ كُلَّ طَوْدٍ رَايَةُ وَرَعيلُ
تجلى: ظهر، ودلوك وصنجة: بلدان من بلاد الروم، والطود: الجبل، والرعيل: الجماعة من الناس.
ثم قال: فلما طلع سيف الدولة من دلوك وصنجة، انتشرت جيوشه، وبدت له في كل جبل راية ماثلة تتلوها جماعة ناهضة.
عَلَى طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُوَفي ذِكْها عِنْدَ الأَنِيس خُمُولُ
ثم يقول: إن هذا الجيش سلك إلى الروم على طرق كانت ممتنعة لا تسلك، ومجهولة لا تعرف، فكانت مرتفعة على الطرق، متشرفة على سائر السبل، وفي ذكرها عند الناس خمول، لجهلهم بها، وقلة سلوكهم لها.
فَمَا شَعَروا حَتَّى رَأَوْها مُغِيرةًقِبَاحَاً وَأَمَّا خَلْقُها فَجَمِيلُ
ثم قال: فما شعرت الروم حتى رأوا هذه الخيل قاصدة إليهم، ومغيرة عليهم، قباحاً في أعينهم، لصنيعها فيهم، وهي مع ذلك مطهمة في خلقها، متناهية في تمام حسنها.
سَحَائِبُ يُمْطِرْنَ الحديدَ عَلْيهِمُفَكُلُّ مَكانِ بالسيوفِ غَسِيلُ
ثم وصفها بالكثرة، فقال: سحائب تمطر الحديد عليهم، وتعمل السلاح فيهم، فكل مكان تغسله السيوف؛ بما تسفكه من الدم، وتغشاه بما تحدثه من القتل.
وأَمْسَى السَّبَايَا يَنْتحبْنَ بِعَرْقَةٍكَأنَّ جُيوبَ الثَّاكِلاتِ ذُيولُ
الانتحاب: البكاء، وعرقة: موضع في بلاد الروم.
فيقول: وأمسى سبايا الروم بعرقة؛ هذا الموضع، ينتحبن باكيات، ويعولن متفجعات، قد شققن جيوبهن، ومزقن ثيابهن، فعادت جيوبهن ذيولاً تسحب، وكانت مصونة تحفظ.
وَعَادَتْ فَظَنُّوها بمَوْزَارَ قُفَّلاًوَلَيسَ لَهاَ إلاَّ الدُّخُول قُفُولُ
موزار: موضع في بلاد الروم.
ثم قال: وعادت خيول سيف الدولة، فظنها الروم قفلاً منصرفة بموزار، هذا الموضع، وليس لها قفول إلا الدخول إليهم، والاقتحام عليهم، فكانت عودتها إلى موزار لخلاف ما ظنوه، ولغير ما احتسبوه.
فَخَاضَتْ نَجِيعَ الجَمْعِ خَوْضَاً كَأَنَّهُبِكُلَّ نَجْيعٍ لم تَخُضْهُ كَفِيلُ
النجع: الدم، والكفيل: الضامن.
فيقول: فخاضت هذه الخيل بموزار دم الجمع، الذي أوقعت به من الروم، خوضاً كأنه تكفل بظاهر الغلبة فيه، واقتران النصر به، بما خاضته بعد ذلك من دمائهم، وهزمته من جيوشهم.
تُسَايِرُهَا النَّيرانُ في كُلَّ مَسْلَكٍبه القَوْمُ صَرْعى والدَّيارُ طُلُولُ
المسلك: الطريق، والطلول: ما بقي من آثار الديار وأشرف منها.
ثم قال: تساير هذه الخيل هذه النيران التي تضرمها في ديار الروم في كل مسلك أهله صرعى بالقتل، ومنازله طلول بالخراب. يشير إلى ما أحدثته هذه الخيل في بلاد الروم من إحراق نعمهم، وهدم ديارهم، وكثرة القتل فيهم.
وَكَرَّتْ فَمَرَّتْ في دِمَاءِ مَلَطْيَةٍمَلَطْيَةُ أُمُّ للبنينَ ثَكُولُ
ملطية: مدينة من مدائن الروم.
فيقول: وكرت هذه الخيل، فمرت في دماء أهل ملطية، وأخبر عن البلد كما يخبر عن أهله، والعرب تفعل ذلك. قال الله ﷿: (وسئل القرية) يريد أهل القرية. فيقول إنها خاضت تلك الدماء سافكة لها، مستبلغة بالقتل في أهلها، ثم قال: ملطية، هذه المدينة، ثكول لأهلها، مفجعة بالقتل على من سكنها، وأشار بالأم والبنين إلى ذلك على سبيل الاستعارة.
وَأَضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ من قُبَاقِبٍفَأَضْحَى كَأَنَّ المَاَء فيهِ عَليلُ
قباقب: واد في بلادهم، والثكول: التي تفقد بنيها.
ثم قال: وأضعفت هذه الخيل قباقب، هذا النهر، عند عبوره؛ بشدة تزاحمها فيه، وكثرة ترادفها عليه، فأضحى ماؤه كالعليل الساقط القوة، والمغلوب الضعيف المنة.
وَرُعْنَ بِنَا قَلْبَ الفُراتِ كَأَنماتَخِرُّ عَلَيْهِ بالرَّجَالِ سُيولُ
الفرات: نهر عظيم معروف.
فيقول: وراعت بنا هذه الخيل قلب الفرات وذعرته، وأخافته وأفزعته، حتى كأنما تخر عليه من جماعات الرجال، ومواكب الخيول، سيول طارقة، وأمواج بحر متلاطمة، وجعل للفرات قلباً على سبيل الاستعارة.
يُطارِدُ فيهِ مَوْجَهُ كُلُّ سَابحٍسَواءُ عَلَيْهِ غَمْرةُ وَمَسِيلُ
السابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، وغمرة الماء: مجتمعة، والمسيل: مجرى ماء المطر.
ثم قال: يطارد موج هذا النهر كل سابح من الخيل، سواء عنده منه الغمرة والمسيل، والكثير والقليل. يشير إلى ما هذه الخيل عليه من شدة الأسر، وما بلغته من قوة الخلق.
تَرَاهُ كَأَنَّ الماَء مَرَّ بِجِسْمِهِوَأَقْبَلَ رَأْسُ وَحْدَهُ وَتَلِيلُ
التليل: العنق.
ثم قال: ترى ذلك السابح في الفرات، بكثرة مائه، وتعذر خوضه، وقد استتر جسمه، وخفي أكثره، حتى كأن الماء مر به، فلم يبق منه إلا القليل، ولا ظهر إلا الرأس والتليل.
وفي بَطْنِ هِنْزيطٍ وسَمْنِينَ للِظُّبَاوصُمَّ القَنَا ممن أَبِدْنَ بَديِلُ
هنزيط وسمنين: موضعان في بلاد الروم، والبطن: ما انخفض من الأرض.
فيقول: وفي بطن هنزيط وسمنين، هذين (الموضعين)، للسيوف والرماح بديل ممن قتلنه، وعوض ممن أتلفنه، يريد: أن وقائع هذه الخيل، من هذين الموضعين، متصلة على الروم، فكلما عمرتها منهم طائفة أفنتها هذه الخيل بوقائعها، وإغارتها عليهم.
طَلَعْنَ عَلَيْهم طَلَعْةً يَعْرِفُونَهالها غُررُ ما تَنْقَضِي وَحُجُولُ
الغرر: معروفة، والحجول: بياض في قوائم الخيل.
ثم قال: طلعت هذه الخيل على من ألفته في هذين الموضعين من الروم طلعة قد عرفوا مثلها، وعهدوا ما يشبهها لها، بجلالتها وعظمها، وشهرتها غرر لا تخفي بها، وحجول لا تستتير معها.
تَمَلُّ الحُصونُ الشُّمُّ طولَ نِزَالنافَتُلْقِي إلَيْنَا أَهْلَها وتَزُولُ
الحصون الشم: المستعلية.
فيقول: تمل الحصون الممتنعة مداومتنا لقتالها، وملازمتنا لحصارها، فتسهل لنا الظفر بأهلها، ولا تمتنع عما نحاوله من هدمها، وتصبح كالزائلة بتغير بنيتها، واستحالة هيئتها.
وَبِتْنَ بِحِصْنِ الرَّان رَزْحَي مِنَ الوَجَىوَكُلُّ عَزِيزٍ للأَميرِ ذَليلُ
حصن الرام: من حصون الروم، والرزحي: القائمة عن أعياء وكلال، والوجى: الحفي.
ثم قال: وباتت خيل سيف الدولة بحصن الران رزحي متوجئة، بما لاقته من سفرها، وما عاينته من شدة تعبها، وقد خضع ملك الروم لسيف الدولة، فذل عزيزهم، ودان منيعهم، واعترف بعبوديته صغيرهم وكبيرهم.
وَفي كُلَّ نَفْسٍ مَا خَلاهُ مَلاَلَةُوفي كُلَّ سَيْفٍ ما خَلاَهُ فُلُولُ
ثم قال: وفي كل نفس من نفوس الجيش ملالة، لطول هذه الغزوة وكثرة وقائع هذه السفرة، ما خلا سيف الدولة، فإنه لا يهن ولا
يفتر، ولا يمل ولا يكسل، وكذلك سيف في ذلك الجيش، فله الضراب، وأوهنه الجلاد، وهو السيف الذي لا ينبو عن ضريبة، ولا يضيق بحمل عظيمة.
وَدُونَ سُمَيْسَاطَ المَطَاميُر والمَلاوَأَوْدِيةُ مَجْهُولَةُ وهُجُولُ
سميساط: بلد من بلاد الروم، والمطامير: حفر غائرة في الأرض، واحدتها مطمورة، والملا: الفلاة، والهجول: جمع هجل، وهو ما أطمأن من الأرض واتسع.
فيقول: ودون سميساط التي حل جيش سيف الدولة فيها؛ ما اعترضهم من المطامير التي سلكوا بينها، والفلاة التي قطعوا بعدها، وما سلكوا بعد ذلك من الأودية المجهولة، والهجول المتصلة.
لَبِسْنَ الدُّجَى فيها إلى أَرضِ مِرَعشٍوللرُّومِ خَطْبُ في البِلادِ جَليِلُ
مرعش: حصن من حصون الروم، ورد فيه الخبر على سيف الدولة بخروج الروم إلى بلاد الإسلام، فأبعتهم وأوقع بهم.
ثم قال: إن خيل ذلك الجيش لبست الدجى في هذه المواضع، وهي تسري إلى العدو وتسرع، وتخب نحوهم وتوضع، حتى أتت أرض مرعش، وخطب الروم في البلاد جليل مستشنع، ومخوف متوقع.
فَلَمَّا رَأَوْهُ وَحْدَهُ قَبْلَ جَيْشِهِدَرَوْا أَنَّ كُلَّ العالمِينَ فُضُولُ
الفضول: الزوائد.
فيقول: إن الروم لما رأوا سيف الدولة يقدم جيشه، ويقود جمعه، دروا أن العالمين بعده فضول زائدة، ونوافل ساقطة، وأنه يستغني بنفسه، ولا يفتقر إلى جيشه.
وَأَنَّ رِمِاحَ الخَطَّ عَنْهُ قَصِيْرَهُوَأَنَّ حَديدَ الهِنْدِ عَنْهُ كَليلُ
الكليل: الذي لا يقطع.
ثم أكد ذلك، فقال: ودروا أن رماح الخط تقصر عنه، لإحجام حاملها عن موافقته، وحديد الهند ينبو عنه، لجزع الضاربين به عن مجالدته. يشير إلى إحجام الفرسان عنه، واعتصامهم بالفرار منه.
فَأَوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحِصَانِ وَسَيْفَهُفَتَىً بأْسُهُ مِثلُ العَطَاءِ جَزيلُ
الحصان: الفحل من الخيل.
فيقول، مشيراً إلى لحاق سيف الدولة بالروم، وإيقاعه بهم: فصيرهم مورداً لصدر حصانه، ونهبة لحد سيفه، فتى بأسه شديد بالغ، كما أن عطاءه كثير شامل، فبأسه يماثل جوده، وإقدامه يشاكل فضله.
جَوَادُ على العِلاَّتِ بالمالِ كُلَّهِوَلِكنَّهُ بالدَّارِعينَ بَخِيلُ
الغلات: العوائق، والجزيل: الكثير.
ثم قال، مشيراً إليه: جواد على العلات المانعة، والعوائق المعترضة بضروب ماله كله، لا يستأثر بشيء من ذلك ولا يدخره، ولا يمسكه ولا يستكثره، ولكنه ضنين بفرسانه، بخيل أشد البخل بأصحابه.
فَوَدَّعَ قَتْلاَهُمْ وَشَيَّعَ فَلَّهُمْ حُزُونُ البَيْضِ فيهِ سُهُولُ
الحزون: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض، والفل: المنهزم، والبيض: معروفة.
فيقول، مخبراً عن سَيف الدولة: فودع قتلى الروم عند تركهم،
وشيع فلهم عند طلبهم، بضرب شديد، وجلاد وكيد، يكسر البيض في رؤوس الفرسان ويسحقها، ويحطها ويبسطها، ويجعل ما نتأ منها وارتفع، كما انخفض واتضع. وطابق بين التوديع والتشييع، والحزون والسهول، واستعار الحزون والسهول من البيض، مبدعاً بجميع ذلك.
عَلَى قَلْبِ قُسْطَنْطينَ مِنْهُ تَعَجُّبُوإنْ كانَ في ساقَيهِ منه كُبُولُ
ثم قال: على قلب قسطنطين بن الدمستق، أمير جيش الروم، من ذلك الضرب تعجب شاغل، وتروع غالب، وإن كان لا يستنكر ذلك منه، وهو الذي أصاره إلى الأسر، وأودع حلق الكبل.
لَعَلَّكَ يوماً يا دُمُسْتُقُ عَائِدُفَكَمْ هَاربُ مما إليه يَؤولُ
ثم يقول للدمستق؛ صاحب جيش الروم: لعلك عائد إلى مواقفة سيف الدولة، فيوردك القتل الذي فته بهربك، ويحيق بك الهلاك الذي استدفعته بفرارك، فرب هارب مما يؤول إليه، ومتخلص مما يورطه الحين فيه.
نَجَوْتَ بإِحْدَى مُهْجَتْيكَ جَريحَةًوَخَلَّفْتَ إِحدى مُهْجَتْيكَ تَسْيلُ
ثم قال، مخاطباً للدمستق: أنت وابنك كالشيء الواحد، ومهجتاكما كالمهجة المفردة، فإن كنت نجوت بمهجتك بعد الجرح الذي نالك، وخزي الفرار الذي
لحقك، فقد تركت مهجتك الثانية في قبض الأسر سائله، ولحقيقة الهلاك مباشرة، فما أدرك ابنك فقد أدركك، وما لحقه فقد لحقك..
أَتُسْلِمُ لِلْخَطَّيةِ ابْنَكَ هَارباًوَيَسْكُنُ في الدُّنْيا إليكَ خَليلُ
ثم يقول للدمستق: أتسلم ابنك للرماح هارباً عنه، وتتركه في قبضة الأسر متبرئاً منه، ويسكن بعد ذلك إليك خليل تألفه، وتسر بعيش تستأنفه؟
بِوَجْهِكَ ما أنْسَاكَهُ من مُرِشَّةٍنَصِيُركِ مِنْهاَ رَنَّة وَعَويلُ
المرشة: (الجراحة) التي يندفع منها الدم، والرنة: رفع الصوت بالبكاء، والعويل: البكاء.
ثم قال، زارياً عليه: بوجهك من الجراحة المرشة التي لحقتك، والالآم الموجعة التي لازمتك ما أنساك فقده، وسهل عليك أمره، ونصيرك من ذلك الإعلان بالرنين، والملازمة للعويل.
أَغَرَّكُمُ طُولُ الجيوشِ وَعَرْضُها!عَليَّ شَروبُ للجيوشِ أَكُولُ
يقول، مخاطباً للروم: أغركم احتفال جيوشكم، وكثرة عددكم، والجيوش لعلي سيف الدولة، كالغذاء الذي يتقوت به، ويتحكم في استعماله له، فهو يشرب الجيوش ويأكلها، ويتلفها ويهلكها. وذكر الشرب والأكل على سبيل الاستعارة.
إذا لم تَكُنْ لِلَّبثِ إلاَّ فَريسةًغَذاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَنَّكَ فِيلُ
الفريسة: ما اختلسه الأسد من الحيوان، فدق عنقه، والفرس: دق العنق، والليث والفيل: معروفان.
ثم قال: إذا كنت فريسة لليث يأكلك، ويتقوتبك، وكنت فيلاً من عظمك، غذاة أنك فيل وأشبعه، وسره ضخمك ووافقه، ولم ينفعك أنت عظم خلقك، ولا عصمك من الأكل ضخامة جسمك، وإنما ضرب هذا مثلاً للروم، وما كانوا عليه من الكثرة، وغلبه سيف الدولة لهم مع القلة.
إذا الطَّعْنُ لم تُدْخِلْكَ فيه شَجَاعةُهي الطَّعنُ لم يُدْخِلْكَ فيه عَذُولُ
ثم قال: إذا الطعن لم يحملك عليه، ولا يدخلك فيه، شجاعة هي الطعن، وبها يكون البطش والفعل، لم يدخلك فيه عاذل يعذلك على الجبن، ويستقصرك في قبيح الفعل؛ لأن الخلق غالبة، والطبائع للإنسان لازمة.
فإنْ تَكُن الأَيَّامُ أَبْصَرْنَ صَوْلَهُفَقَدْ عَلَّم الأَيَّامَ كَيْفَ تَصُولُ
الصولة: حملة الباطش.
فيقول: فإن تكن الأيام أبصرت بطش سيف الدولة وصوله، ووقائعه وفعله، فقد علمها من ذلك ما لم تعلمه، وكشف لها ما تعرفه، ونهج لها سبيل الصول والقدرة، ونبهها على حقائق الغلبة، مع أن هذه الأحوال إلى الأيام تنسب، وآثارها فيها تمثل.
فَدَتْكَ مُلوكُ لم تُسَمَّ مَواضِياًفإنَّكَ ماضي الشَّفْرَتيْنِ صَقيلُ
المواضي: السُّيوف.
ثم قال لسيف الدولة: فدتك ملوك تروم مشابهتك، ولم تسم سيوفاً مواضي، فتماثلك في اسمك، وتعادلك في قدرك، فإنك السيف اسماً
وحقيقة، وتلقباً وخبرة، ماضي الشفرتين، صقيل الصفحتين.
إذا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ سَيْفَاً لِدَوْلَةٍففي النَّاسِ بُوقَاتُ لها وَطُبولُ
البوُقَاتُ والطُّبولُ: معروفة.
ثم قال: إذا كانت صفات الناس معربة عنهم، وأسماؤهم مبينة لهم، ونسبوا إلى الدولة بحسب مواضعهم منها، وأقدارهم فيها، فسيفها في أرفع منازلها، وأجل مراتبها، ومنهم لا محالة من يحل فيها محل البوقات والطبول التي تتخذ للتهويل والشنعة، ولاحظ لها في العلو والرفعة. يشير إلى محل المتصرفين في الدولة من علي بن حمدان، محل البوقات والطبول من السيف الصارم الصقيل، واسمه على
ذلك دليل قاطع، وشاهد صادق.
أنا السَّابقُ الهادِي إلى ما أَقُولُهُإذ القَوْلُ قَبْلَ القَائِلينَ مَقُولُ
ثم يقول: أنا السابق إلى ما أبدعه في القول، الهادي إلى ما أغرب به من الشعر، لا اهتدي في ذلك بمن سبقني بعمره، وفاتني بتقدم عصره، إذ كان غيري من القائلين لا يخرج عما قيل قبله، ولا يورد إلا ما قد قاله غيره.
وما لِكَلاَمِ النَّاس فيما يَرْيْبُنيأُصُولُ ولا لِلْقائليهِ أُصُولُ
ثم قال: وما لكلام حاسدي من الناس فيما أستريبه منهم، ويتصل بي عنهم، أصول ثابتة في الصدق، كما أن ما للقائلين بذلك أصول ثابتة في الفضل، فسقوطهم في أقوالهم كسقوطهم في أحوالهم. وهذه العبارة وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
أُعَادَي عَلَى مَا يُوجِبُ الحُبَّ لِلْفَتَىوأَهْدَأُ والأَفْكَارُ فيَّ تَجُولُ
ثم يقول، مخبراً عن نفسه، ومتشكياً للمغترين بحسده: أعادي على ما أنفرد به من الفضل، وأبدعه في صناعة الشعر، مع الإنصاف (الذي) يوجب الحب، ويكسب المصافاة والود، وأهدأ منطوياً على سلامة الصدر، ومجانبة الحسد والضغن، وأفكار حاسدي في جائله، وأنفسهم متشاغلة.
سِوَى وَجَعِ الحُسَّادِ داوِ فإنَّهُإذا حَلَّ في قَلْبٍ فَلَيْسَ يَحُولُ
ثم قال على سبيل المثل: غير ما يصطنعه الحاسد، فداوه بلطفك،
وتعلقه بحلمك، وأما وجع الحسد فلا طمع فيه، ولا سبيل للعلاج عليه؛ لأنه إذا حل في قلب المتخلق به، ثابت لا يحول، ودائم لا يزول.
ولا تَطْمَعَنْ من حَاسدٍ في مَوَدَّةٍوإنْ كُنْتَ تُبْدِيها له وَتُنِيلُ
ثم قال: ولا تطمعن، ممن تتيقن حسده، في صدق مودة، وخلوص محبة، وإن أظهرت ذلك والتزمته، وأبديته واعتقدته، وبذلت له مع ذلك النيل والمشاركة،
والبر والمكارمة، فالحسد داء لا يبرأ منه، وخلق لا ينفصل صاحبه عنه.
وإنا لَنَلْقَى الحادِثَاتِ بأَنْفُسٍكَثِيُر الرَّزَايا عِنْدَهُنَّ قَليلُ
يقول، مخبراً عما هو عليه من الصبر وقلة الجزع لحوادث الدهر: وأنا لنلقي الحادثات بأنفس صابرة، وعزائم ثابتة، تستقل الرزايا الكثيرة، وتحتقر الخطوب الجليلة.
يَهونُ عَلَيْنا أَنْ تُصَابَ جُسُومناوَتَسْلَمُ أَعْرَاضُ لنا وعُقُولُ
ثم قال: يهون علينا أن تصاب جسومنا في الحرب، وأن تتعرض
للجراح والقتل، إذا كانت أعراضنا وافرة، عقولنا من الخطأ سالمة.
فَتِيْهَاً وَفَخراً تَغْلبَ ابنَةَ وائِلِفأَنْتِ لخيرِ الفَاخِرينَ قَبِيلُ
تغلب وبكر ابنا وائل بن قاسط، ومن ولديهما الجمهور الأعظم من ربيعة بن نزار، وأنث تغلب؛ لأنها قبيلة؛ ومنهم رهط سيف الدولة. فيقول لتغلب؛ هذه القبيلة: فتيهي تهياً، وافخري فخراً، فأنت لسيف الدولة قبيل، وهو خير الفاخرين، وأكرم من يرفع به من الأكرمين. وحذف الفعلين في قوله: (فتيهاً وفخراً)؛ لدلالة المصدرين عليهما.
يَغُمُّ عَلَّياً أَنْ يَمُوتَ عَدُوُّهُإذا لَمْ تَغُلْهُ بالأَسِنَّةِ غُولُ
الغول: الإهلاك، والغول: المنية.
ثم قال: يغم عليا، يريد: سيف الدولة، أن يموت عدوه حتف أنفه، مع ما في ذلك له من الكفاية، وبلوغ الرغبة، وسقوط المؤونة، إذا لم تغله أسنته، وتحيط به مقدرته، وتهلكه وقائعه؛ لأنه على يقين من الظفر به، فإذا أفاته الموت ساءه ذلك. وظنه شيئاً سبق إليه، ومنع من بلوغ المراد فيه.
شَرِيْكُ المَنَايَا والنُّفوسُ غَنْيمةُفَكُلُّ مماتٍ لم يُمِيتْهُ غُلُولُ
الغلول: ما أخذ على سبيل الخيانة من الفيء.
ثم قال: هو شريك المنايا بكثرة ما يحدثه من القتل، ويتلفه من النفوس في الحرب، والنفوس له كالغنائم المحتازة، والأنهاب المتملكة، فكل ممات لا يشرك المنايا فيه، فهو كالغلول المأخوذة على غير وجوهها، والأمور المقصودة على غير سبيلها. يشير إلى كثرة وقائعه، واتصال ملاحمه.
فإن تكُن الدَّوْلاَتُ قِسْماً فإنَّهالِمَنْ وَرَدَ الموتَ الزُّؤَامَ تَدُولُ
الدولة: مدة الظفر، ودولة السلطان من ذلك، وهي بمعنى المصدر، ويقال دالت لفلان دولة فهي تدول. والموت الزؤام: العاجل.
فيقول: فإن تكن الدولات أقساماً تستحق، وحظوظاً تستوجب، فإن أحق من كانت له فتملكها، وأسعدته فانفرد بها، من ورد الموت الزؤام غير متهيب، وأقدم عليه غير متوقع.
لِمَنْ هَوَّنَ الدُّنيا على النَّفْسِ سَاعَةًوَلِلْبيضِ في هَامِ الكُماةِ صَلِيبلُ
الكماة: الشجعان، والبيض: السيوف، والصليل: امتداد الصوت.
ثم أكد ذلك، فقال: لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، والأبطال تتجالد، وكؤوس الموت تتنازع، وأحكام السيوف بين الفرسان نافذة، وأصواتها في رؤوس الشجعان عالية.
ودخل عليه يوماً يعوده من علة وجدها، وقد كان عاتباً عليه لتأخر مدحه عنه، فقال له.
بِأَدْنَى ابْتِسَامٍ مِنْكَ تَحْيا القَرَائِحُوَتَقْوَى مِنَ الجِسْمِ الضَّعيفِ الجَوارِحُ
القريحة: العقل.
فيقول لسيف الدولة: بأدنى ابتسام منك تحيى العقول الطائشة، وتسكن النفوس الخائفة، ةبأيسر شواهد رضاك تقوى جوارح الجسم الضعيف، ويؤمن من مكاره الأمر المخوف.
وَمَنْ ذَا الَّذي يَقْضي حُقُوقَك كُلَّهاوَمَنْ ذَا الذي يُرْضي سِوَى مَنْ تُسَامحُ
ثم قال: ومن ذا الذي يقوم بقضاء حقوقك، ويستقل بشكر نعمك، ويبلغ ما يرضي في ذلك، سوى من تسمح له في ما أغفل، وتتجاوز عنه فيما قصر.
وَقَدْ تَقْبلُ العُذْرَ الخَفِيَّ تَكَرُّماًفما بَالُ عُذْريَ وَاقِفَاً وَهْو واضِح
ثم يقول لسيف الدولة: وقد تقبل بسعة فضلك، ومشهور كرمك، العذر الذي يخفي فيه الصدق، ولا يستتر عليه الحق، فما بال عذري واقفاً لديك لا يسمع، وهو من ذلك واضح لا يدفع؟
وإنَّ مُحالاً إذ بكَ العَيْشُ أَن أُرىوَجِسْمُكَ مُعْتَلُّ وَجِسْمِيَ صَالِحُ
ثم قال: وإن من المحال إذ كان عيشي بك، ونفسي خالصة لك، أن يصلح جسمي ويعتل جسمك، وتسلم حالي وتختل حالك، بل آلم لألمك، وأشكو أضعاف ما تشكوه من وجعك.
وَمَا كَانَ تَرْكُ الشَّعْرِ إلاَّ لأَنَّهتُقَصَّرُ عَنْ وَصفِ الأَميرِ المدائِحُ
ثم قال: وما تركت الشعر مغفلاً لمدحك، ولا تأخرت به مفرطاً في شكرك، ولكن الشعر يقصر عن حقيقة وصلك، ويتواضع دون رفعة قدرك، ويبعد فيه ما يليق بك، ويتعذر منه ما ارتضيه لك.
وقال أيضاً في علته:
أَيَدْري مَا أَرَابَكَ مَنْ يُرِيبُوَهَلْ تَرقَى إلى الفَلَكِ الخُطُوبُ
راب الشيء وأراب: بمعنى واحد، إذا أوجب الريبة.
فيقول لسيف الدولة: أيدري هذا الألم المطيف بك، وهذا الوجع العارض لك، من يريبه منك فيؤلمه، ويشكيه ويمرضه، ولو تبين ذلك لأعظمه، ولو دراه لتهيبه، فالفلك لا ترقي إليه الخطوب لرفعته، وقدرك من العلو في أبعد غايته.
وَجِسْمُكَ فَوْقَ هِمَّةِ كُلَّ دَاءٍفَقُربُ أَقَلَّها مِنْهُ عَجِيبُ
ثم قال: وهمم الأدواء تتقاصر عن جسمك، وتتواضع عن قدرك، فقرب أقلها منك غريب مستنكر، وعجيب مستعظم.
يَجَمَّشُكَ الزَّمَانُ هَوىً وَحُبَّاًوَقَدْ يُؤْذَي مِنَ المِقَةِ الحَبْيبُ
التجميش: المغازلة والملاعبة، والمقة: المحبة.
ثم قال: ويجمشك الزمان فعل المعجب بك، ويغازلك فعل المتحبب إليك، وقد يؤذي المحب حبيبه غير عامد، ويصيبه بالألم غير قاصد.
وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيا بِشَيْءٍوَاَنْتَ بِعِلَّةِ الدُّنيَا طَبيبُ
ثم يقول: وكيف تعلك الدنيا بطائف يمرضك، وشكية توجعك، وأنت طبيب الدنيا من عللها، والمجير من مخوف ألمها؟ فبالإخصاب في فضلك يستدفع محلها، وبالتصرف في فضلك يستكف ضرها.
وَكَيفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوىَ بِدَاءٍوَأَنْتَ المُسْتَغَاثُ لَمِا يَنُوبُ
ثم قال: وكيف تنوبك الشكوى بدائها، وتعتمدك بألمها، وأنت المستغاث في الحوادث الطارقة، والمنتصر به في النوائب العارضة؟
مَلِلْتَ مُقَامَ يَوْمٍ لَيْسَ فيهطِعانُ صَادِقُ ودَمُ صَبِيبُ
ثم قال: مللت إقامتك على حال دعة، وتأخرك عن شن غارة، وانصرام يوم من أيامك دون وقعة على أعدائك، تعمل فيها الطعان الصادقة، وتكثر فيها الدماء
الجارية.
وأَنْتَ الملكُ تُمْرِضُهُ الحَشَايَالهِمَّتِه وَتَشْفِيهِ الحروبُ
الحشايا: الفرش.
ثم قال: وأنت الملك الجلد الصارم؛ القوي النافذ، الذي يمرضه تمهد الفرش الوثيرة، فيوحشه لزوم القصور المشيدة، لبعد همته، وكرم نيته، وسروره في الحروب بالإقدام على شدائدها، وتشفيه بتقدمه في وقائعها.
وما بِكَ غيرُ حُبَّكَ أَنْ تَرَاهاوَعَثِيرُها لأَرْجُلها جَنِيبُ
العثير: الغبار، وجنيب: فعيل، من جنبت الدابة: إذا قدتها.
فيقول لسيف الدولة: وما يشكيك إلا تأخرك عن الغزو، وبعد عهدك بطراد الخيل، وأن ترى ما تثيره من الرهج في الغارات، جنيباً لأرجلها، يقفوها ويتبعها، ويتلوها ويصحبها.
مُجَلَّحَةً لها أرضُ الأَعَاديوللسُّمْرِ المَناخِرُ والجُنُوبُ
المجلحة: المصممة.
ثم قال، يريد الخيل: مجلحة فيما تقصده، مصممة فيما تعتمده، لها أرض الأعادي تطؤها، وديارهم تتملكها، ولرماحك مناخر فرسانهم تطعنها، وجنوب شجعانهم تخترقها.
فَقَرَّطْها الأَعِنَّةَ رَاجِعَاتٍفإنَّ بَعيدَ مَا طَلَبْتَ قَرِيبُ
تقريط الفرس عنانة: إمكانه في الجري، حتى يحل منه محل القرط من العنق.
ثم قال: فداو شكيتك بتقريط هذه الخيل أعنتها، فإن ذلك مقرون ببرئك، وبعيد ما تطلبه قريب مع سعدك.
إذا دَاءُ هفَا بقُرَاطُ عَنْهُفَلَمْ يُعْرفْ لِصَاحِبِهِ ضَرِيبُ
هفا: بمعنى زل، والضريب: النظير.
فيقول: إذا عرض داء معضل، يعجز بقراط علاجه، وأمر مشكل،
لا يستبين لأهل المعرفة صوابه، ولم يعرف لصاحب ذلك الداء نظير، ولا عهد لذلك الأمر شبيه.
بِسَيْفِ الدَّولةِ الوَضَّاءِ تُمْسِيجُفُوني تَحْتَ شَمْسٍ ما تَغِيبُ
فإني أقتدر على علاج ذلك وكشفه، بإقبال سيف الدولة وسعده، وتمسي جفوني يوجهه الوضاء، وشخصه الميمون، تحت شمس منيرة ما تغرب، وفي أنوار قريبة لا تحجب.
فَأَغْزو مَنْ غَزَا وبه اقْتِدَاريوأَرْمِي مَنْ رَمَى وبِهِ أُصِيبُ
ثم قال: فأغزو من غزاه مقتدراً بقدرته، وأرمي من رماه مصيباً له بسعادته.
وَلِلْحُسَّادِ عُذْرُ أَنْ يَشُحُّواعَلَى نَظَري إليه وأن يَذُوبوا
ثم يقول: وللحاسدين لي فيه عذر بين، وحجاج بالغ، في أن
يشحوا بالنظر إليه، ويذوبوا غيرة منهم عليه.
فإني قَدْ وَصَلتُ إلى مَكانٍعليْه تَحْسُدُ الحَدَقَ القُلوبُ
فإني قد وصلت، بحسن رأيه، وكريم إقباله، إلى مكان من استقرابه، تنافس القلوب الحدق فيه، وتحسد النفوس الأبصار عليه.
وقال أيضاً:
إذَا اعْتَلَّ سَيْفُ الدَّوْلَةِ اعْتَلَّتِ الأَرْضُوَمَنْ فَوْقَها والبَأْسُ والكَرَمُ المَحْضُ
المحْضُ: الخَالِصُ.
فيقول: إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض بعلته، واختلت لاختلال حالته، وكذلك من فوقها من الناس، وخالص الكرم والبأس، كل ذلك بألمه، ويشكو ما يشتكيه من وجعه؛ لأنه ولي النعم، والمتفرد بالبأس والكرم.
وكَيْفَ انْتِفَاعي بالرُّقَادِ وإنَّمَابِعِلَّتِهِ يَعْتَلُّ في الأَعْيُنِ الغُمْضُ
ثم قال: وكيف انتفع بالرقاد مع ما شكاه، وآلفه مع ما عراه، وعلته تطرد النوم بالسهر، وتبعث في القلب شواغل الفكر.
شَفَاكَ الَّذي يَشْفِي بِجُودِكَ خَلْقَهُفَإنَّكَ بَحْرُ كُلُّ بَحْرٍ لَه بَعْضُ
ثم قال، داعياً لسيف الدولة، ومخاطباً له: شفاك الذي جعل جودك شفاء للخلق، ومادة من مواد الرزق، فإنك بحر من الكرم، كل بحر جزء منه، وكل مجد محمول عنه.
وعوفي سيف الدولة، فقال:
المجدُ عُوفَي إذْ عُوفْيِتَ وَالكَرَمُوَزَالَ عَنْكَ إلى أَعْدَائِكَ الأَلُم
يقول لسيف الدولة: المجد عوفي بعافيتك، والكرم صح بصحتك، وزال ألمك إلى أعدائك الذين كان تأخر عنهم غزوك، وأغمد دونهم سيفك.
صَحَّتْ بِصِحَّتكَ الغَارَاتُ وابْتَهَجَتْبِها المَكَارمُ وانهلَّتْ بِهَا الدَّيَمُ
الانهلال: الانسكاب، والديم: السحاب.
ثم قال: صحت الغارات بتمام صحتك، وانتظمت الجيوش بانتظام قوتك، وابتهجت بذلك المكارم، وأشرق حسنها، وانهلت الديم، واتصل صوبها.
وَرَاجَعَ الشَّمْسَ نُورُ كَانَ فَارَقَهاكَأَنَّما فَقْدُهُ في جِسْمها سَقَمُ
ثم قال: وراجع الشمس بصحتك، وعاودها بزوال علتك نور، كان فقده كالسقم في جسمها، وعدمه كالنقصان المقصر بحسنها.
وَلاَحَ بَرْقُكَ لي مِنْ عَارِضَيْ مَلِكٍما يَسْقُطُ الغَيْثُ إلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ
العارضان: شقا الفَم.
فيقول لسيف الدولة: ولاح لي ببشرك، وبدا لي بتبسمك، برق لامع، ونور ساطع، لا يسقط الغيث إلا في أثره، ولا يوجد إلا في موضعه. يشير بذلك إلى العطاء الذي يتلو بشره، والنوال الذي يقفو تبسمه.
يُسْمَى الحُسَامَ وَلَيْسَتْ مِنْ مُشَابَهَةٍوَكَيْفَ يَشْتَبِهُ المخدُومُ والخَدَمُ
يقال: سميته وأسميته بمعنى، وتسمى: يفعل، من أسميت.
ثم قال: يسمى الحسام، والحسام لا يشبهه، ويوصف به، وهو لا يعدله، وكيف يشتبه المخدوم بخادمه، ويعدل الملك ببعض آلته؟
تَفَرَّدَ العُرْبُ في الدُّنيا بِمَحْتِدِهوَشَاركَ العُرْبَ في إحسانهِ العَجَمُ
المحتد: الأصل.
فيقول: إن سيف الدولة تفردت العرب بنسبه وأصله، وشاركتها العجم في عطائه
وبذله.
وأَخْلَصَ اللَّهُ للإسلامِ نُصْرَتَهُوإن تَقَلبَ في آلائِهِ الأُمَمُ
الآلاء: النعم.
ثم قال: وجعل الله نصرته خالصة للإسلام، وإن كان قد شمل الأمم بالتفضل والإحسان.
وما أَخُصُّكَ في بُرْءٍ بِتَهْنِئةٍإذا سَلِمْتَ فَكُلُّ النَّاسِ قَدْ سَلِموا
ثم قال، مخاطباً الدولة: وما أغبطك مفرداً بصحتك، ولا أخصك في التهنئة ببرئك، (بل) سلامة الناس موصولة بسلامتك، وكفاية الله لهم متمكنة بكفايتك.
وقال في انسلاخ شهر رمضان، يهنئه بالفطر.
الصَّوْمُ والفطْرُ والأَعْيَادُ والعُصُرُمُنِيرَةُ بِكَ حَتَّى الشَّمْسُ والقَمَرُ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع