من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني (٧)
ثم قال: وما تنفع كرام الخيل، وصم الرماح، إذا لم يصرفها كرام لا ينكلون، وأبطال لا يجنبون.
إلى كَمْ تَرُدُّ الرُّسْلَ عَمَّا أَتوا لَهُكَأَنَّهُمْ فيما وَهَبْتَ مَلاَمُ
ثم قال لسيف الدولة: إلى كم ترد الرسل عما يأتونك؛ من استعفاء المرسلين بهم لحربك، وضراعتهم فيما يؤملونه من سلمك، حتى كأنهم في إعراضك عنهم ملام في نوالك، وعذل على ما تبذله من إنعامك.
فإنْ كُنْتَ لاَ تُعْطِي الذَّمَامَ طَوَاعَةًفَعَوْذُ الَعَادي بالكَريمِ ذِمَامُ
ثم قال: فإن كنت لا تمنح لهم ما أملوه من جوارك، تقبلاً لطاعتهم، وإسعافاً لرغبتهم، فتعوذ الأعادي بالملك الكريم، جوار يمشون بحرمته، وشفيع يلوذون بذمته، وقد استعاذوا بك فتقبلتهم، ورجوا كريم عائذتك فأسعفتهم وأجرتهم.
وإن نُفُوساً أمَّمَتْكَ مَنِيْعَةُوإنَّ دِمَاءً أَمَّلَتْكَ حَرَامُ
ثم يقول: وإن نفوساً قصدتك مستجيرة بك، واعتمدتك راجية لك، لممنوعة مما تحذره، آمنة لما تكرهه، وإن دماء استسلمت إليك، واقتصرت بآمالها عليك، لواجب حفظها، حرام سفكها.
إذا خَافَ مَلْكُ مِنْ مَلِيكٍ أَجَرْتَهُوَسَيْفَكَ خافُوا والجِوارَ تُسَامُ
ثم قال: إذا خاف ملك من ملك، أجرت الخائف بفضلك، وزجرت المخيف بعزك، وسيفك خاف الروم، فخضعوا لك، والجوار يسومونك ليعتصموا بك.
لَهُمُ عَنْكَ بالبيِضْ الخِفَافِ تَفَرُّقُوَحَوْلَكَ بالكُتْبِ اللَّطَافِ زِحَامُ
ثم قال، مؤكداً لما قدمه: لهم عنك بالسيوف تفرق في وقائعك، ولهم حولك بالكتب اللطيفة ازدحام في مجالسك. يشير إلى عجزهم عن مقاومته في الحرب، وازدحامهم عليه راغبين في السلم.
تَغُرُّ حَلاَوَاتُ النُّفُوسِ قُلوبَهَافَتَخْتَار بَعْضَ الْعَيْشِ وَهْوَ حِمَامُ
ثم يقول: تغر القلوب حلاوة النفوس، والحرص على استدامة الحياة، فتختار من العيش ما هو الموت في حقيقته. يشير إلى أن إيثار العزيز للذل هو الموت إذا تؤمل، والحتف العاجل إذا تبين.
وَشَرُّ الحِمَامَيْنِ الزُّؤامَيْنِ عِيْشَةُيَذِلُّ الّذي بَخْتَارُها وَيُضامُ
ثم قال: وشر الموتين المعجلين؛ يشير إلى ميتة الذل، وميتة الحتف، عيشة يذل متخيرها، ويستضام مؤثرها. يريد: أن عيشة الذل هي شر الميتتين، وأصعب
الحالتين.
وَلَوْ كَانَ صُلْحَاً لم يَكُنْ بِشَفَاعةٍولكِنَّهُ ذُلُّ لَهُمْ وَغَرَامُ
ثم يقول لسيف الدولة: فلو كان ما ابتغاه الروم منك على سبيل المصالحة، وما يتداعى إليه المتكافئون من المهادنة، لما تشفعوا إليك بفرسان طرسوس، الذين شفعتهم فيهم، وجعلت لهم المنة عليهم، ولكنه منهم
خضوع ذلة، وعجز وهلكة.
وَمَنْ لِفُرْسَانِ الثُّغُورِ عَلَيْهمُبِتَبْلِيْغهم مَا لاَ يَكَادُ يُرَامُ
ثم قال: فيما أجبت الروم إليه من لفرسان الثغور عليهم، ويد كريمة قدموها فيهم؛ لأنهم بلغوهم من إمساكك عن غزوهم، إلى ما كانوا لا يرومونه لتعذره، ولا يرتجونه لتمنعه.
كَتَائبُ جَاءُوا خَاضِعيْنَ فَأَقْدَمُواوَلَوْ لم يَكُونُوا خَاضِعِينَ لَخَاموا
ثم يقول، مشيراً إلى الروم، والقادمين على سيف الدولة: كتائب جاءوك خاضعين، فأقدموا على مقاربتك، وقصدوك مستسلمين، فشجعوا على مشاهدتك، ولو لم يكونوا كذلك لخاموا عنك ناكصين. ولتباعدوا منك هاربين.
وَعَزَّتْ قَدِيماً في ذُرَاكَ خُيُوُلُهمْوَعَزُّوا وَعَامتْ في نَداكَ وعاموا
ثم قال: وقديماً اعتزت خيولهم بالاستجارة لكنفك، وأمنت بالخضوع لأمرك، وعامت بفرسانها في جودك، وفاضت عليهم بحور فضلك.
عَلَى وَجْهِكَ المَيْمونِ في كُلَّ غَارَةٍصَلاَةُ تَوَالي مِنْهُمُ وَسَلاَمُ
ثم يقول لسيف الدولة: على وجهك الميمون على الإسلام وأهله، المبارك على الإيمان وحزبه، في كل غارة يشهدها، وكل غزاة يتكلفها، صلاة وسلام من الله المتكفل بنصرك، المعلي لكلمة حزبك.
وَكُلُّ أُنَاسٍ يَتْبَعُونَ إِمَامَهُمْوأَنْتَ لأَهْلِ المَكْرُمَاتِ إِمَامُ
ثم قال: وكل أناس لهم إمام يتبعونه، وإمام يؤمونه، وأنت إمام أهل المكرمات
وسيدهم، وقدوتهم ومعتمدهم.
وَرُبَّ جَوابٍ عَنْ كتَابٍ بَعَثْتَهُوَعُنْوَانُهُ للنَّاظِرينَ قَتَامُ
ثم يقول: ورب جيش بعثته جواباً عن كتاب ورد عليك، فكان عنوانه للناظرين إليه قتام يسبقه، ورهج يتقدمه. يشير إلى تعظيم ما حصل عليه الروم في إسعاف سيف الدولة لكتابهم، وإجابته إياهم إلى مسالمتهم.
تَضِيْقُ بِهِ البَيْدَاءُ مِنْ قَبْلِ نَشْرِهِوَمَا فُضَّ بالبيَداءِ عَنْهُ خِتَامُ
ثم قال، يصف جيش سيف الدولة الذي يواعد الروم به: تضيق البيداء بذلك الجيش قبل أن تنتشر كتائبه، وتغص بجمعه قبل أن تغير مواكبه، ويملأ الفضاء وهو مجتمع لم يفض ختامه، ولا انتشر بالغارة على
الأعداء نظامه، وأجرى الاستعارة في الفض والخاتم، على نحو ما تقدم له من ذكر الجواب والعنوان.
حُرُوفُ هِجَاءِ النَّاسِ فيه ثَلاَثَةُجَوَادُ وَرُمْحُ ذَابِلُ وَحُسَامُ
ثم وصل الاستعارة على ذلك، فقال: حروف هجاء الناس في ذلك الجواب الذي هو هذا الجيش الموصوف؛ جواد ينهض فارسه، ورمح يتقدم حامله، وحسام يصول صاحبه.
إذَا الحربُ قَدْ أَتْعَبْتَها فَالْهُ سَاعَةًلِيُغْمَدَ نَصْلُ أَو يُحَلَّ حِزَامُ
ثم يقول لسيف الدولة إذا الحرب قد أتعبتها بطول استعمالك، وأجهدتها بكثرة اعتنائك بها، فأعرض عنها ساعة، لتغمد النصول التي قد سلها فرسانك، وتحل الحزم التي قد شدها أتباعك.
وإنْ طَالَ أَعْمَارُ الرَّماحِ بِهُدْنَةٍفإنَّ الَّذي يَعْمرْنَ عِنْدَكَ عَامُ
ثم قال: وإن طال أعمار الرماح عند غيرك، بطول دعة، واتصال هدنة، فإن غاية أعمارها عندك عام لا تتجاوزه؛ لأن التكسر يسرع إليها،
بمداومتك للحرب، وما تحمل عليه جيشك من المجالدة والطعن، وأمد مهادنتك للروم عام ثم تعود إلى
حربهم على عادتك، وتكسر الرماح فيها على سجيتك.
وَمَا زِلْتَ تُفْني السُّمْرَ وَهيَ كَثيرةُوَتُفْنيِ بِهِنَّ الجَيْشَ وَهْوَ لُهَامُ
ثم قال، مؤكداً لما قدمه، ومخاطباً لسيف الدولة: وما زلت تفني الرماح في وقائعك مع كثرتها، وتقدمها مع تمكنها، وتفني بفنائها الجيش اللهام، وتذهب بإذهابك لها الجموع العظام.
مَتَى عَاوَدَ الجالُون عَاوَدْتَ أَرْضَهُموَفيها رِقَابُ للسُّيُوفِ وَهَامُ
ثم يقول له: متى عاود الروم الذين أجليتهم (عن) تلك البلاد بهذا السلم الذي أجبتهم إليه، عاودت أنت تلك الأرض بالغزو، فألفيت فيها منهم جماعات تعمل سيوفك في رقابهم، وتصرفها في هامهم.
وَرَبَّوا لَكَ الأَوْلاَدَ حَتَّى تُصِيبهَاوَقَدْ كَعَبَتْ بِنْتُ وشَبَّ غُلاَمُ
ثم قال: وتوافقهم هنالك، وقد ربوا لك الأولاد، لتتملكهم بسبيك، وتظهر عليهم بجيشك، والغلام منهم شاب، والجارية كاعب.
فأشار إلى أن في مسالمة سيف الدولة للروم ضربا من التدبير عليهم؛ لأنهم يعاودون ما أجلوه من مساكنهم، وينزلون عما صاروا فيه من معاقلهم، فيكون ذلك أمكن لقتلهم، وأقرب سبيلاً إلى سبيهم.
جَرَى مَعَك الجَارُونَ حَتَّى إذَا انْتَهَواإلى الغايِة القُصْوَى جَرَيْتَ وقَامُوا
ثم قال لسيف الدولة: جاراك الملوك فيما نهجته من مكارمك، واقتدوا بك فيما عرضت إليه من مقاصدك، فلما أوفيت بهم من ذلك على الغاية القصوى فيما يمكن فعله، والمنزلة العليا مما يدرك مثله، غير ثان لعنانك، وتقدمت مقبلاً على شأنك، ووقفوا عاجزين عن بلوغ شأوك، مقرين بالتقصير عن إدراك سعيك.
فَلَيْسَ لِشَمْسٍ مَا أَنَرْتَ إنارَةُوَلَيسَ بِبَدْرٍ مُذْ تَمَمتَ تَمامُ
ثم قال: فليس لشمس منهم إنارة مع ما تنير من نورك، ولا لبدرٍ
منهم تمام مع
أتمه (الله لك من) فضلك، يريد: أن الملوك صغر كل كبير منهم عند قدر سيف الدولة، ونقص كل من كان يتم منهم بالإضافة إلى فضله، والتقصير عن مشكور سعيه.
تجمعت عامر بن صعصعة، وعقيل وقشير والعجلان (وكلاب) بن ربيعة بن عامر ومن ضامها، بماء يقال له الزرقاء بين خناصرة وسورية ونمير بن عامر بن دينار من ديار مضر. وتشاكوا ما يلحقهم من سيف الدولة، وتوافقوا على التزام فيما بينهم، وشغله من كل ناحية، والتضافر، إن قصد طائفة منهم. وبلغه ما علموا عليه، وتراسلوا به، فأقل الفكر فيه، فأطغاهم كثرة عددهم وعددهم، وسولت لهم أنفسهم الأباطيل، واستولى على تدبير كعب؛ عقيليها وقشريها وعجلانيها، إلى المهنا، وتفرد بذلك محمد بن بزيغ، وندي بن جعفر، وحسن لهم ذلك قواد كانوا في عسكر سيف الدولة، متدونين من كعب في عدة وسدة وركضوا على أعماله،
فقتلوا صاحبه بناحية زعرايا؛ يعرف بالمربوع من بني تغلب، وقتلوا الصباح بن عمارة والي قنسرين، واشتغل سيف الدولة عن النهوض إليهم، بوفود أتوه من طرسوس، معهم رسول ملك الروم، في طلب الهدنة والفداء، فتمادت أيام مسيرة، وزاد ذلك في طمع البوادي، ثم قدم سيف الدولة مقدمة إلى قنسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، فأقامت أحد عشر يوماً، تأنياً واستظهاراً في أمر البادية، وتقديراً أن يستقيموا فلا يكشفوا لهم عورة.
وبرز سيف الدولة إلى ضيعة له يقال لها الراموسة، على ميلين من حلب، في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وسار عنها في يوم الأربعاء، فنزل ماء تل ماسح، وراح منه فاجتاز مياه الحيار وطواها، وتلقته مشيخة بني كلاب؛ مطر بن البلدي العوفي، من بني أبي بكر، وعبد الله بن مرزوع، وسرار بن محرز الأشهبيان من الضباب
وغيرهم. فطرحوا نفوسهم بين يديه، وسألوه قبول تسليمهم إليه، وسارت خيلهم معه، ومد إلى ماء يقال له البدية، فصيحة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، ونزل به، وراح منه إلى ظاهر سلمية، فوجد الأعراب قد أجفلوا في غداة يومه، فنزل بها، فلما كان في السحر من يوم الجمعة، تجمعت كعب ومن ضامها من اليمن في عدتها وعدتها، وحبسوا ظعنهم
بماء يقال له حيران، على نحو رحلة من سلمية، وبعضهم بماء يقال له الفرقلس وراءه، ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية، فركب لهم، ووقع الطراد، ولم تمض إلا ساعات حتى منحه الله أكتافهم، وولوا واستحر القتل والأسر بال المهنأ، ووجوه عقيل وقوادها.
ورحل سيف الدولة ضحوة نهار يوم الجمعة متبعاً لهم، ونفروا طائرين، فرحلوا بيوتهم، وأجفلوا فوافوا الماء الذي يقال له حيران بعد
الظهر، وتبعهم فوجد آثار جفلتهم، وسار إلى ماء الفرقلس، وأمر بالنزول عليه، ثم عن له رأي في اتباعهم، فرحل لوقته إلى ماء يقال له الغنثر، وقدم خيلاً فلحقت ما لهم وحازته، ونزل على الغنثر قبل نصف النهار، وقد امتلأت الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرحال، وأتاه خبر اجتماعهم بتدمر، فسار في السحر يوم الأحد، فنزل ماء يقال له الجباة، وتفرقت خليه في طلب الفلول، فردت مالاً، وقتلت عدة، وراح منه قاطعاً الصحصحان والمعاطيس. واجتاز بركايا العوير ونهيا والبييضة وغدر والجفار فوجد جميعها قد نزحته البادية المفلولة، وصبحت أوائل خيله تدمر يوم الاثنين، لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر.
ووجدوا جموعهم قد كانت بظاهرها للتشاور والتدبير، وهم لا يظنون أن سيف الدولة يتبعهم، فنذروا به فرحلوا في نصف الليل، وتعلقت بهم خيله، ووافى سيف الدولة تدمر على نصف ساعة من النهار، وعرف الخبر فسار لطيته في طلب أكثر الجماعات، والشق الذي سار فيه آل المهنأ وجؤته وعامر بن عقيل، وقد كانوا قصدوا طريق السماوة قبلة ويميناً، وجد في الطلب، فلحق بالقوم وقتل وأسر، وكان في من قتل علوان بن ندي بن جعفر، وفيمن أسر وأطلق محمد بن ندي بن جعفر، وحوى المال وصفح عما ملكه من الحريم. ورجع من طف السماوة مشفقاً من الإمضاء عليهم، لما وجدهم يموت حريمهم وذراريهم عطشاً،
وتفرقوا أيدي سبأ، فقصدت طائفة منهم كبد السماوة فضاع أكثرها، وطائفة موضعاً من السماوة يعرف بالماءتين؛ سعادة ولؤلؤة، لا يروي ماؤهما إلا اليسير، فهلك كثير منهم، وطائفة منهم قصدت القلمون مما يلي غوطة دمشق.
وعاد سيف الدولة آخر النهار إلى معسكره ظافراً غانماً، ومن على جماعة منهم عجزوا عن الهرب، وبرهم وزودهم. ووجد من كان أنفذه شمالاً قد
حوى المال وقتل وأسر، وعف عن الحريم، وأقام بتدمر يومي الثلاثاء والأربعاء، ورحل نحو أركة، ونزلها، ثم رحل نحو السخنة فنزلها، ورحل فنزل عرض، ورحل فنزل الرصافة، ورحل فنزل الرقة في يوم الاثنين، فتلقاه أهلها، وسأل عن خبر نمير، فعرف أنهم قد اجفلوا فلم تستقر بهم دار دون عين الخابور. ثم وردت وفودهم يوم الثلاثاء مستعيذين بعفوه، فعفا عنهم وقبلهم، وسار نحو حلب فكان وصوله إليها يوم الجمعة لست خلون من شهر ربيع الأول.
فقال أبو الطيب يمدحه، ويصف الحال:
تَذَكَّرتُ مَا بَيْنَ العُذَيبِ وَبَارقِمَجَرَّ عَوَاليِنا وَمَجْرَى السَّوَابقِ
يقول: إنه اهتاج لتذكره بلاد العراق التي فيها كانت نشأته، وإنه
تذكرها ما بين هذين المآءين؛ العذيب وبارقٍ، وهناك كان مضطربه ومضطرب أصحابه، ومجر عواليهم عند تطاردهم، ومجرى خيولهم عند تسابقهم.
وَصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذبَحُونَ قَنْيِصَهُمْبِفَضْلاتِ ما قَدْ كَسَّروا في المَفَارقِ
ثم قال: وتذكرت صحبة قوم فيما هنالك، كانت حالهم في الفتوة، ومنزلتهم في الشجاعة، أنهم كانوا لا يستعملون في ذبح صيدهم إلا ما تكسر بأيديهم من السلاح في حربهم، وأنهم كانوا لا يكسرون سيوفهم إلا في جماجم الأبطال، ولا ينقطع (ما) بأيديهم إلا في مفارق الأقران.
وَلَيْلاً تَوَسَّدْنَا الثَّوَّيةَ تَحْتَهُكَأَنَّ ثَراهَا عَنْبَرُ في المَرَافِقِ
ثم قال: وتذكرنا ليلاً، توسدنا الثوية في طلبه، واضطجعنا في طيب ذلك الترب، وتمتعنا بتكامل ذلك الحسن، فقام ثرى ذلك الموضع في
مواقعنا مقام العنبر، نستطيب ريحه، ونستلذ حسنه. وأشار إلى محل تلك البلاد من نفسه، وتمثلها في تذكره وفكره.
بلاَدُ إذَا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرِهاحَصَى تُرْبِها ثَقَّبْنَهُ لِلْمَخَانِقِ
ثم قال: إن تلك البلاد التي تذكرها، إذا زار حسان غيرها من البلاد حصى تربها، تحلين به لحسنه، وخلطنه بالدر في نظمه، وثقبنه لمخانقهن، وصيرنه في عقودهن، فأخبر أن تراب تلك البلاد ينوب عن العنبر والمسك لطيبه، وحصاها مقام الياقوت والدر في حسنه.
سَقَتْنيِ بها القُطْرُ بُّلِيَّ مَلِيحَةُعَلَى كَاذِبٍ مِنْ وَعْدِهَا ضَوْءُ صَادِقِ
ثم قال: سقتني في تلك البلاد شراب قطربل، وهو غاية في جودته، موصوف بكرم خبرته، مليحة فتانة، ساحرة خداعة، على كاذب وعدها، ضوء من الصدق، وعلى مخلفه ظاهر من الحق.
سُهَادُ لأَجْفَانٍ، وَشَمْسُ لِنَاظِرٍوَسُقْمُ لأَبْدَانٍ، ومِسْكُ لِنَاشِقِ
ثم قال، واصفاً لتلك المليحة: هي سهاد لأجفان مبصرها؛ بما تبعث
عليه من الشغل، وشمس في عين الناظر إليها؛ بما يشاهد فيها من الحسن، وسقم لأبدان؛ بما توجبه من عشقها، ومسك يتوضع في أنف مستنشقها، وهذا التصنيف في الوصف باب من البديع يعرف بالتقسيم.
وَأَغَيَدُ يَهْوَى نَفْسَهُ كُلُّ عَاقِلِعَفيفٍ وَيَهْوَى جِسْمَه كُلُّ فَاسِقِ
ثم يقول: إنه سقاه مع المليحة التي قدم وصفها، غلام أغيد، يهوى نفسه كل عاقل عفيف يطرقه، ويهوى جسمه كل فاسق خبيث لحسنه.
أَدِيبُ إذا مَا جَسَّ أَوْتَارَ مِزْهَرٍبَلا كُلَّ سَمْعٍ عَنْ هَوَاها بِعَائِقِ
ثم قال: إنه مع ذلك أديب في خلقه، صادق في تصرفه، إذا ما جس أوتار مزهر وأعملها، وزينها، لغنائه وحركها، عاق الأسماع عما سواها، بشدة إصغائها إليه، وشغلها عن غيره لكثرة إقبالها عليه.
يُحَدَّثُ عَمَّا بَيْنَ عَادٍ وَيَبْنَهُوَصُدْغَاهُ في خَدَّيْ غُلامٍ مُراهِقِ
ثم قال: يحدث فيما يغني به من أشعاره، وما يردده من ألحانه، عما بين عاد وبينه، يشير إلى سعة روايته لأشعار المتقدمين والمتأخرين، وصدغاه مع ذلك في خدي غلام مراهق في سنه، لم يبلغ الحلم فيما انصرم عليه من عمره.
وَمَا الحُسْنُ في وَجْهِ الفَتَى شَرَفاً لهإذا لَمْ يَكُنْ في فِعْلِهِ وَالخَلاَئِقِ
ثم قال: وما حسن الوجه شرفاً لصاحبه، ورفعة للمتزين به، إذا لم يكن في الأفعال والخلائق، والمذاهب والشمائل. وضرب هذا المثل لما قدمه من اقتران حسن الأغيد الذي وصفه بإحسانه في صناعته، وتقدمه في درايته.
وَمَا بَلَدُ الإنْسَانِ غَيْرُ المُوافقِولا أهْلُهُ الأَدْنَوْنَ غَيْرُ الأَصَادِقِ
ثم قال، مبيناً لعذره في التخلف عن البلاد التي ذكرها: وما بلد الإنسان إلا البلد الذي يوافقه بكثرة مرافقه، ويسعده على الظفر بجملة مقاصده، ولا الأدنون من أهله، واللاصقون به من قرابته، إلا الأصادق الذين يصفونه ودهم، والأحبة الذين لا يؤخرون عنه فضلهم. يريد: أن بلد سيف الدولة الذي استوطنه، هو بلده، لموافقته له، وأهله أقاربه، لما أظهره سيف الدولة من شدة الاعتناء به.
وَجَائِزةُ دَعْوَى المحَبَّةِ وَالْهَوىوإنْ كَانَ لاَ يَخْفَي كَلاَمُ المُنَافِقِ
ثم قال: وجائز أن تدعى المحبة بالقول، وأن تنتحل بالذكر، ولكن المنافق لا يخفي اضطراب لفظه، والمخلص لا يستتر صحة أمره، يشير إلى أن
شكره لسيف الدولة، ليس كشكر من يتصنع له بقوله، ولا يمحضه حقيقة وده.
بِرَأْي مَنِ انقَادَتْ عُقْيلُ إلى الرَّدَىوإِشْمَاتِ مَخْلوقٍ وإسْخَاطِ خَالِق؟
ثم يقول: برأي من انقادت هذه القبيلة إلى ما تعرضت له من المكروه، بخلاف سيف الدولة الذي أشتمت فيه المخلوقين بأنفسها، وأسخطت الله ﷿ بسوء فعلها.
أَرَادُوا عَلَّياً بالَّذي يعجزُ الوَرَىوَيُوسِعُ قَتْلَ الجْحَفلِ المُتَضَايقِ
ثم قال: أرادوا سيف الدولة فيما تمثل لهم من الظهور عليه، والإيقاع بجيشه، بما أعجز الورى نيله، وبعد عليهم فعله، وما مثله يوسع الجحفل المتضايق لكثرته، بما يشمل أهله من القتل، وما يوردهم أشد موارد الحتف.
فَمَا بَسَطو كفاً إلى غير قاطعٍوَلاَ حَمَلوا رَأسا غير فالِق
ثم قال: فما بسطوا في حين تغرضهم لسيف الدولة يداً من أيديهم، إلا إلى سيف قطعها، ولا حملوا في تلك الحرب هاماتهم، إلا إلى فاق من أصحاب سيف فلقها. يشير إلى أن بني عقيل كانوا في
تلك جزر السيوف، وأغراض الحتوف.
لَقَدْ أَقْدَمُوا لَوْ صَادَفوا غَيْرَ آخذٍوَقَدْ هَرَبوا لَوْ صَادَفوا غَيْرَ لاَحِقِ
ثم يقول: لقد أقدموا وشجعوا في تلك الحرب؛ لو صادفوا غير آخذ لهم، مقتدر على الإيقاع بهم، وقد هربوا جاهدين؛ لو صادفوا من لا يلحقهم جيوشه، ويقحم في آثارهم جموعه. يريد: أنهم لم يؤتوا من ضعف في حربهم، ولا من تقصير في هربهم، ولكنهم ناصبوا من سيف الدولة من لا يواقف في حرب، ولا يمتنع منه بهرب.
وَلَّمَا كَسَا كَعْبَاً ثِيَاباً طَغَوْا بِهَارَمَى كُلَّ ثَوْبٍ مِن سِنَانٍ بِخَارقِ
ثم قال، يريد سيف الدولة: ولما كسا كعباً، هذه القبيلة الجامعة لهذه البطون المذكورة، حللاً، أطغاهم حسنها، وألحفهم من رضاه ثياباً، أبطرهم أمنها، (رمى كل ثوب) بخارق خرقها من أسنته، وهاتك هتكها من عقوبته.
وَلَّما سَقَى الغَيْثَ الّذي كَفَرُوا بِهِسَقَى غَيْرَهُ في غَيْرِ البَوَارقِ
ثم قال: ولما سقاهم من جوده الغيث الذي أخصبت به منازلهم، وتروضت بسقياه مواضعهم، فقابلوا ذلك بالكفر، وتلقوه بقلة الشكر، أرسل عليهم من جيوشه غير ذلك الغيث، قبرقت لهم السيوف، وهطلت عليهم الحتوف، وعادت البوارق التي كانت تقدم إليهم نعمة، بوارق سلاح أفرغت عليهم نقمة.
وَمَا يُوْجِعْ الحِرْمَانُ من كفَّ حَارِمٍكَمَا يُوْجِعُ الحِرْمَانُ مِنْ كَفَّ رَازِقِ
ثم يقول، موبخاً لقبائل كعب بن ربيعة، بما حرمت أنفسها من فضل سيف الدولة: وما يوجع الحرمان من كف من شهر بخله، ولا يؤمل فضله، كما يوجع من كف جواد لا يبخل، وفاتح لأسباب الرزق لا يغفل. يشير إلى أن ما منعوه أنفسهم من فضل سيف الدولة، إنما كان عادة دائمة، ونعمة سابغة.
أَتَاهُم بِهَا حَشْوَ العَجَاجَةِ والْقَنَاسَنَابِكُها تَحْشُو بُطُونَ الحَمَالقِ
ثم قال مشيراً إلى سيف الدولة: أتاهم من الخيل والقنا بكثرة حشت العجاج الذي أثارته، وملأت الرهج الذي أقامته، وسنابكها تبعث من الغبار
ما تحتشي به أعين الفرسان، يريد: أن سيف الدولة أتاهم بخيله، وهي طالبة لهم تتسابق، ومسرعة تتبادر، لم تتوقف عنهم محجمة، ولم تتأخر عن الاقتحام عليهم متهيبة.
عَوَابِسَ حَلْيٍ يَابِسُ الماءِ حُزْمَهافَهُنَّ عَلَى أَوْسَاطِها كاَلَمناطِقِ
ثم قال، يصف تلك الخيل: عوابس لما لحقها من الركض، متغيرة الوجوه لما نالها من شدة الطلب، قد يبس ماء عرقها على الحزم في أوساطها، فصار كأنه حلي قصد، وتفضيض اعتمد، وبدت تلك الحزم في أوساط تلك الخيل، كالمناطق التي يشملها التزيين، ويحاول فيها التحلية والتحسين.
فَلَيْتَ أَبَا الهَيْجاَ يَرَى خَلْفَ تَدْمُرٍطِوالَ العَوَالي في طِوَالِ السَّمَالقِ
ثم يقول: فليت أبا الهيجاء أنسيء عمره، وتأخر يومه، حتى يرى خيل سيف الدولة؛ علي ابنه، وقد أجفلت العرب من مخافتها، وتجاوزت في
آثارها تدمر، مع
تعذر الوصول إليها، ويرى طول عواليه في تلك السمالق الطويلة، على أهل تلك الفلوات البعيدة.
وَسَوْقَ عَلَّي من مَعَدَّ وَغَيْرِهاقَبَائِلَ لاَ تُعْطِي القُفِيَّ لِسَائق
ثم قال: وليته يرى سوق علي ابنه الأعزة من قبائل معد وغيرها من قبائل اليمانية، وتلك القبائل الخاضعة لأمره، الهاربة عن جيشه، لا تعطي أقفاءها مولية عن لاحقها، ولا تصد أوجهها محجمة عن معارضها، ولكنها لما قصدها سيف الدولة ضعفت عن حربه، ولما اعتمدها ولت هاربة من مخافة جمعه.
قُشَيْرُ وَبَلْعَجْلاَنِ فيها خَفَّيِةُكَرَاَءين في أَلْفَاظِ أَلْثَغَ نَاطِقِ
ثم وصف هذه القبائل، بما كنت عليه من الكثرة، وأخذ في ذكر ما كانت تعرف به من المنعة، ثم قال: قشير وبلعجلان، هاتان القبيلتان، مع كثرة عددهما، وشدة شوكتهما، خفيتان في هذه القبائل، كخفاء رائين في
ألفاظ ألثغ، لا يفصح بهما، ولا يمكنه النفاذ في ذكرهما. فأشار بهذا إلى كثرة الجموع التي ظهر عليها سيف الدولة من العرب، وأنهم مع ذلك إنما اعتصموا منه بالهرب.
تُخَلَّيِهمُ النَّسْوانُ غَيْرَ فَوارِكٍوَهُمْ خَلُّوا النَّسْوَانَ غَيْرَ طَوالِقِ
ثم يقول: إن فرسان تلك العشائر غلبوا على نسائهم، ففارقنهم غير فوارك لهم، يشير إلى السبي، ويخلهن بعولتهن غير طوالق، يشير إلى الفرار، وأن خيل سيف الدولة غلبتهم على حريمهم، وحالت بينهم وبين أبنائهم، وبين نسائهم.
يُفَرَّقُ مَا بَيْنَ الكُمَاةِ وَبَيْنَهابِطَعْنٍ يُسَلَّي حَرُّهُ كُلَّ عَاشِقِ
ثم وصف الحال، فقال: يفرق سيف الدولة بين فرسان تلك القبائل، وبين نسائهم، بطعن يسلي حره العاشق عمن عشق، وينسي المشغوف الدنف من أحبه وومقه. يشير إلى أن شدة ذلك الطعن، وإسرافه بهم على القتل، أنساهم حياطة أحبتهم، وحملهم على إسلام (نسائهم) وذريتهم.
أتى الظُّعْنَ حَتَّى ما تَطِيُر رَشَاشَةُمن الخيلِ إلا في نُحورِ العَواتِقِ
ثم قال: أتى ذلك الطعن الظعن، وبلغ بالرجال إليهن، وقتلوا بحضرتهن حتى ما تطير رشاشة من جراح تلك الخيل إلا في نحر عاتق خريدة، وكريمة منهن محجوبة، فأشار إلى أن خيل سيف الدولة قتلتهم بين نسائهم، وغلبتهم على حريمهم.
بِكُلَّ فَلاةٍ تُنْكِرُ الإنْسَ أَرْضُهاَظَعائِنُ حُمْرُ الحُليْ حُمْرُ الأَيانِقِ
ثم قال: بكل فلاة لا تعرف أرضها الإنس لعدمهم بها، وتعذر إدراكهم لها، ظعائن نساء هؤلاء الأعراب، الذين هربوا بين يدي سيف الدولة، حمر الحلي، يريد: أنهن حاليات بالذهب، وهو أرفع الحلي، متجملات على حمر الإبل، وهي أكرم النوق، يشير بهذه الصفة إلى رفعة هؤلاء النساء في قومهن، ورفعة من تحمل بهن (من) بعولتهن.
وَمَلْمُومَةُ سَيْفِيَّةُتُصِيحُ الحَصَا فيهَا صِيَاحَ اللَّقَالِقِ
ثم قال: وفي تلك الفلوات التي قد وصفها، كتيبة ملمومة بكثرة فرسانها، سيفية ربيعة، تصيح الحصا باصطكاكها بين أرجل خيلها، كما تصيح اللقالق، وهي طير معروفة.
بَعِيْدَةُ أَطْرَافِ القَنَا مِنْ أُصُولِهِقَرِيْبَةُ بَيْنَ البَيْضِ غَبْرُ اليَلاَمِقِ
ثم قال واصفاً لتلك الكتيبة: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يريد: أن فرسانها طوال الرماح، شداد الأجسام، قريبة البيض، يريد: أنهم متلاصقون قد ملئوا الفضاء لكثرتهم، وتقاربوا لتكاتف جماعتهم، وهم غبر اليلامق، لما علاهم من الرهج، وأحاط بهم من العجاج. فأشار إلى أن تلك الفلوات النائية التي ظن ظعائن الأعراب أنها تعصمهم، اقتحمها جيش سيف الدولة عليهم، ولم يتهيب اختراقها منهم.
نَهَاهَا وَأَغْنَاهَا عَن النَّهْبِ جُودُهُفما تَبْتَغي إلاَّ حُمَاةَ الحَقائِقِ
ثم يقول: إن جود سيف الدولة نهى هذه الكتيبة عن الأنهاب، وأغناها
عن (التسريح) على الأسلاب، فما تبتغي غير حماة الحقائق لتوقع بهم وأهل البصائر الصادقة في الحرب لتكون سطوتها عليهم.
تَوَهَّمَها الأعْرابُ سَوْرَةَ مُتْرفٍتُذَكَّرُهُ البَيْدَاءُ ظِلَّ السُّرَادِقِ
ثم قال: توهم الأعراب ما أظهر سيف الدولة في قصدهم من العزيمة، سورة ملك شأنه الإتراف والدعة، وعادته السكون والراحة، يعوقه عن البيداء ومباشرة هجيرها، واقتحامها ومواجهة سمومها، تذكره لظل السرادق وأبنيته، وإيثاره لخفض ذلك ودعته.
فَذَكَّرْتَهُمْ بالماءِ سَاعَة غَبَّرَتْسَمَاوَةُ كَلْبٍ في أُنُوفِ الخَرَائِقِ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: فذكرتهم بالماء الذي أجليتهم عنه، بالري الذي منعتهم منه، حين أحاطت بعم غبرات سماوة كلب، وحزائقهم تقتحمها هاربة، وتتسابق فيها متهالكة، يشير إلى إمعان سيف الدولة في طلبهم، واجتهادهم في شدة هربهم.
وَكَانُوا يَرُوعُونَ المُلُوكَ بأَنْ بَدَوْاوأَنْ نَبَتتْ في الماءِ نَبْتَ الغَلاَفِقِ
ثم يقول لسيف الدولة: وكانت كعب ومن استضاف إليها من القبائل التي أوقعت بها من الأعراب، يروعون الملوك قبلك، بسكناهم في الفلوات، وانتزاحهم في تلك المهامه التائهات النائيات، وصبرهم عن البعد على الماء، والانقطاع عن مواضع الري، وأن الملوك الذين أنت منهم، كانوا يتهيبونهم لعدم الماء في المواضع التي تسلك إليهم، وأن الملوك في إيثارهم للماء، والقرب منه، كالطحلب الذي يلازمه ولا يفارقه، ويباشره ولا يتاركه.
فَهَاجُوكَ أَهْدى في الفَلاَ مِنْ نُجُومِهِوَأَبْدَى بُيُوتاً من أَدَاحي النَّقَانِقِ
فهاجوك، يخاطب سيف الدولة، أهدى في الفلا من النجوم التي بها تستفاد الهداية، وبمعرفتها تكون الدلالة، وأنبت بيوتاً في البدو، وآنس بالبلد القفر من النقانق التي هنالك موضع نشأتها، وإليه تحن بخلقتها.
وَأَصْبَرَ عَنْ أَمْوَاهِهِ من ضِبَابِهوآلفَ منها مُقْلَةً لِلْوَدَائق
ثم قال: وألفوك أصبر عن أمواه القفر من ضبابه التي تتارك الماء بالجملة، وتستغني عنه بالحبلة، كما أنهم ألفوك آلف منها للهواجر، وأشد عليها إقداماً وجرأة. فأشار إلى أن الأعراب قصرت عن معرفته باختراق القفر، وعجزت عما أظهر في ذلك من الجلد والصبر.
وَكَانَ هَدِيراً من فُحُولٍ تَرَكْتهامُهاَّبَةً الأَذْنابِ خُرْسَ الشَّقائِقِ
ثم قال له: وكان ما أظهرته العرب من معصيتك هديراً أسكته، وإسعالاً أذهبته، وتركت قروم تلك القبائل، وفحول تلك العشائر، كفحول الإبل التي تستذل بهلب أذنابها، وتسكتها الغلبة فتنقطع أصوات شقاشقها. يشير إلى أن سيف الدولة أذل عز أولئك الأعراب بغلبته لهم، وأذهب تطاولهم بإيقاعه بهم.
فَمَا حَرَموا بالرَّكْضِ خَيْلَكَ رَاحةًوَلَكِنْ كَفَاها البّرُّ قَطْعَ الشَّوَاهِقِ
ثم قال مخاطباً له: وما عاقوك بما تكلفته من اقتحام الفلوات عليهم عن لذة، ولا منعوا بذلك خيلك من راحة، ولا أخرجوك عن عادتك، ولا عدلوا بك عن طريقتك، ولكن فلواتهم التي اقتحمتها كفت خيلك شواهق الجبال؛ جبال الروم التي تركتها.
وَلاَ شَغلوا صُمَّ القَنَا بُقُلُوبِهْمعن الرَّكْزِ لَكِنْ عَنْ قُلوبِ الدَّمَاسِقِ
ثم قال: ولا كانت رماحك قبل قتالهم مركوزة غير معلمة، ومترروكة غير متصرفة، ولكن شغلوها بقلوبهم عن قلوب دماسق الروم التي هتكتها بطعنها، وخرقتها بأسنتها. فأشار إلى أن سيف الدولة وجيشه لم يتكلف في طلب الأعراب
مؤونة، ولا تجشم مشقة، وإنما خرج من الحرب إلى الحرب، وصحبه ما عهد من النصر والصنع.
أَلْم يَحْذَرُوا مَسْخَ الَّذي يَمْسَخُ العِدَىوَيَجْعَل أَيْدي الأُسْدِ أَيْدِي الخَرَانِقِ
ثم يقول: ألم يحذر الأعراب سطوة سيف الدولة التي هي على أعاديه، كالمسخ يقلب الخلق، ويقبح الصور؛ لأنه يعيد بها عزيزهم ذليلاً، وكبيرهم بالقتل قليلاً، ويجعل أيدي الأسد من أياديه، وقد تناهت في القوة، كأيدي الخرانق، مما يكسبهم إياه من الذلة.
وَقَدْ عايَنُوهاَ في سِواهُمْ وَرُبَّما رَأَىمَارِقُ في الحَربِ مَصْرَعَ مَارِقِ
ثم قال: وعاينت الأعراب وقائعه في غيرهم، فما وعظتهم تلك
المصارع، ولا بصرتهم تلك الزواجر، وكثيراً ما يعظ سيف الدولة المارق بمصرع مارق مثله، ويكشف له بذلك عواقب فعله.
تَعَوَّدَ أَنْ لا تَقْضَمَ الحَبَّ خَيْلُهُإذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُيُوبَ العَلائِقِ
ثم يقول: تعود سيف الدولة لكثرة وقائعه، واتصال ملاحمه، ألا تقضم خيوله الحب، إذا لم ترفع أكداس الرؤوس إليها علائقها، فتعطف عليها جوانبها، فإذا عدمت ذلك، لكثرة انتهابه، واعتيادها له، امتنعت قضيمها، واضطربت أمورها.
وَلاَ تَرِدُ الغُدْرَانَ إلاَّ وماؤُهامن الدمَِّ كالرَّيحانِ تَحْتَ الشَّقَائِقِ
ثم قال: وكذلك تعودت خيله ألا تباشر الغدران واردة، ولا تقتحم مياهها شاربة، إلا وتلك المياه تحت ما تسفكه من دماء أعاديه، كالريحان إذا استبانت تحت الشقائق خضرته، بحمرتها جملته. وأشار بخضرة الماء إلى صفائه وكثرته، ونبه بذلك على جمومه ومنعته، وأن هذه الخيل إنما تأنس من الماء بما هذه صفته، وترد منه ما هذه حقيقته.
لَوَفْدُ نُمَيْرٍ كَانَ أَرْشَدَ مِنْهُمُوَقَدْ طَرَدُوا الأَظْعانَ طَرْدَ الوَسَائِقِ
ثم يقول: لوفد نمير كان أرشد من هذه القبائل، التي انجفلت بين يدي سيف الدولة.
أَعَدُّوا رِمَاحَاً من خُضُوعٍ فَطَاعَنُوابِهَا الجَيْشَ حَتَّى رَدَّ غَرْبَ الفَيَالِقِ
ثم قال، يريد بني نمير: أعدوا من خضوعهم لسيف الدولة رماحاً نافذة، وأسلحة ماضية، فطاعنوا بذلك الخضوع جيشه، وكفوا بذلك الاعتراف خيله، حتى رد الخضوع غرب فيالقه، وكف حسن الإعراب بأس كتائبه، ونال ما استدفعته بنو نمير سائر بني عقيل؛ بسوء نظرهم، وقلة تدبرهم.
فَلَمْ أَرَ أَرْمَي مِنْهُ غَيْرِ مُخَاتِلٍوَأَسْرَى إلى الأَعْداءِ غَيْرَ مُسارِقِ
ثم يقول: فلم أر أرمي من سيف الدولة، غير مخادع في رميه، ولا
أسرى إلى الأعداء منه، غير مسارق من قصده.
تُصِيبُ المَجَانِيقُ العِظَامُ بكَفَّهِدَقَائقَ قد أَعْيَتْ قِسيَّ البَنَادِقِ
ثم قال، منبها على قوة سعده، وما يمكنه الله في الأمور من أمره: يصيب بالمجانيق العظام، مع اختلاف رميها، وتعذر ضبطها، دقائق يقصر قسي البنادق عن مثلها، ويعجز عما تحاول من أمرها. يشير إلى أنه معان مؤيد، ومنصور مسدد.
قال أبو الطيب هذه القصيدة في هذه السرية، إلا أنه لم يذكر المنازل، ولا وصف الوقعة؛ لأنه لم يشهدها، فشرحها له سيف الدولة، وسأله أن يصفها، فقال:
طِوالُ قَناً تُطَاعِنُها قِصَارُوَقَطْرُكَ في نَدىً ووغىً بِحَارُ
يقول لسيف الدولة: أبطال الفرسان ومشاهير الشجعان، تقصر رماحهم عند تعرضهم لمطاعنتك، ويحذر لهم بأسهم إذا أقدموا على مخالفتك، والقليل منك في الجود والحرب بحار تزخر، وكثرات لا تحصر، وكنى بالقطر عن القلة، وبالبحار عن الكثرة.
وَفِيْكَ إذَا جَنَى الجَاني أَنَاةُتُظَنُّ كَرَامَةً وَهي احِتِقارُ
ثم قال: وفيك إذا (جنى) الجاني عليك أناة يوجبها حلمك، وتغافل ينبعث عليه فضلك، فيعد الجاهل ذلك إكراماً تقصده، وإنما هو احتقار للجاني يعتقده.
وَأَخْذُ لِلْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِيبِضَبْطٍ لم تُعَوَّدْهُ نِزَارُ
قوله: (وأخذ للحواضر والبوادي) أخبر عن الحواضر والبوادي، وهو
يريد أهلها، والعرب تفعل ذلك، قال تعالى: (وسئل القرية التي كنا فيها)؛ يريد: أهل القرية، وتقول العرب: اجتمعت اليمامة، وهم يريدون: أهل اليمامة، ونزار أبو مضر وربيعة؛ الجمهور الأعظم من العرب. فيقول لسيف الدولة: وفيك أخذ لأهل الحواضر والبوادي من العرب، بضبط يحصرهم، وسلطان يقهرهم، ولم تعتد نزار ذلك؛ لأنهم لقاح لم يملكوا قبلك، ومماليك لك يضبطهم غيرك.
تَشَمَّمُهُ شَمِيمَ الوَحْشِ إنْسَاًوَتُنْكِرهُ فَيَعْرُوهَا نِفَارُ
ثم قال: يتشممون ذلك الضبط كما تتشمم الوحش الإنس، فينكرونه إذ لم يعتادوه، ويأنفون منه إذ لم يعهدوه، ويعروهم من النفار ما يعرو الوحش عند مقاربة الإنس لها، ومحاولتهم للاتصال بها.
وَمَا انْقَادَتْ لِغَيْرِكَ في زَمَانٍفَتَدْرِي ما المَقَادَةُ والصَّغارُ
ثم يقول لسيف الدولة: وما انقادت نزار لغيرك في زمان من الأزمان الخالية،
ومدة من المدد الماضية، فتنكر عليها النفار مما أخذتها به من الانقياد
لأمرك، والإصغار بملكك.
فأَقْرَحَتِ المقَاوِدُ ذِفْرَيَيْهَاوَصَعَّر خَدَّها هَذا العِذَارُ
ثم قال: ولكنها ملكتها الغلبة، وسكن شماسها المقدرة، وصارت كالإبل المذللة التي قد أقرحت المقاود ذفاريها، وكالخيل المرتاضة التي تصعر اللجم خدودها. وأجرى هذا على سبيل الاستعارة. مشيراً إلى ما أحاط بنزار من سلطان سيف الدولة، الذي ضبط نافرها، وقمع مخالفها.
وَأَطْمَعَ عامِرَ البُقْيَا عَلَيْهاوَنَزَّقَها احتِمَالُكَ وَالْوَقَارُ
ثم يقول: وأطمع بني عامر في السلامة من عقوبتك، طول ابقائك عليهم، وكثرة تحلمك عنهم، وأوجب تنزقهم في الفتنة، احتمالك وتوقرك، وأناتك وتثبتك.
وَغَيَّرَهَا التَّرَاسُلُ والتَّشَاكيوَأَعْجَبَها التَّلَبُّبُ والمُغَارُ
ثم قال مخاطباً له: وغير بني عامر، هذه القبيلة، عما كانت عليه من طاعتك، تراسلهم بما حاولوه من إظهار معصيتك ومعذلتك، وأعجبهم
التلبب في الإغارة، والاقتدار على ذلك بالكثرة.
جِيَادُ تَعْجِزُ الَرْسَانُ عنهاوفُرْسَانُ تَضِيقُ بها الدَّيَارُ
ثم وصف مقدار عدتهم، ومبلغ جموعهم وكثرتهم، فقال: إن خيولهم تعجز الأرسان عن الاستيفاء لها، وفرسانهم تضيق الديار عن الإحاطة بها.
وَكَانتْ بالتَّوَقُّفِ عَنْ رَدَاهانُفُوساً في رَدَاهَا تُسْتَشَارُ
ثم يقول: وكانت نفوس بني عامر بتوقف سيف الدولة عن الإيقاع بهم، وتثبطه عن التطلب لهم، نفوساً تستشار في الردى الواقع بها، فإن تابت قبل سيف الدولة توبتها، وإن أبت استظهر بالحجة في عقوبتها.
وَكُنُتَ السيفَ قَائِمُهُ إِليهاوَفي الأَعْدَاءِ حَدُّكَ والغِرَارُ
ثم قال مخاطباً له: وكنت السيف قائمه إلى بني عامر، بحياطتك لهم، وكفك عنهم، وكان حدك وغرارك في أعدائهم، وهم آمنون لسطوتك، غير نتوقعين لعقوبتك.
فَأَمْسَتْ بالْبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُوَأَمْسَى قَائِمِهِ الحِيْارُ
ثم قال: فصيرت معصيتهم ذلك الأمر بخلاف ذلك، فصار حدك في البدية، التي هي من منازلهم، يشير بذلك إليهم، وخلف قائمك الحيار، التي هي بمعزل عن مواضعهم، فأشار بالقائم والحد إلى العقوبة والعفو، على سبيل الاستعار.
وَكَانَ بَنُو كِلاَبٍ حَيْثُ كَعْبُفَخَافُوا أَن يَصِيرُوا حَيْثُ صَارُوا
ثم قال: وكان بنو كلاب حيث بنو كعب، من التجاور في الدار في الدار، والتشارك في الرأي، فخافوا أن يصيروا بمعصية الدولة إلى مثل صار إليه بنو كعب، وأن ينالهم ما نال به أولئك من شدة الوطأة، ومؤلم السطوة.
تَلَقّوا عِزَّ مَوْلاًهم بِذُلَّوَسَارَ إلى بَني كَعْبٍ وساروا
ثم قال، يريد بني كلاب: تلقوا عز مولاهم؛ سيف الدولة، بالتذلل له، واستجاروا منه بالتعوذ به، وسار إلى بني كعب بسائرهم، فساروا معه مكثرين لجمعه، وبادروا ممتثلين لأمره.
فَأَقْبَلَهَا المُرُوجَ مَسُوَّمَاتٍضَوَامِرَ لا هِزَالَ وَلاَ شِيَارُ
ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة: فأقبلها المروج مغيرة في آثار بني كعب، ضوامر بما اتصل لها من الركض، لا هزال فيقعدها الضعف، ولا شيار فيثقلها اللحم.
تُثِيُر عَلى سَلَمْيَةَ مُسْبَطرَّاتَنَاكَرُ تَحْتَهُ لَوْلاَ الشَّعَارُ
ثم قال: تثير هذه الخيل على سلمية؛ هذا الموضع، من ساطع عجاجها، ومتكاثف رهجها، مسبطراً ممتداً، يتناكر الفرسان فيه فلا يتعارفون إلا بالشعار في ظلامه، ولا يتميزون إلا بالكلام تحت قتامه.
عَجَاجَا تَعْثُرُ العِقْبَانُ فِيهِكَأَنَّ الجَوَّ وَعْثُ أَو خَبَارُ
ثم أكد وصف ذلك القتام، فقال، مشيراً إلى تكاثفه، ومنبهاً على التحامه وتراكمه: عجاج تصير العقبان منه في الجو إلى المشي بعد طيرانها، فتعثر فيه سائرة، ولا تتخلص منه ناهضة، حتى كأنه وعث متصل، وخبار
مرتكم، هذا مع ارتفاع مواضع العقبان، وقوتها على الاستعارة في الطيران.
وَظَلَّ الطَّعْنُ في الخَيْلَيْنِ خَلْسَاًكَأَنَّ الموتَ بَيْنَهُما اختِصَارُ
ثم يقول: وظل الطعن بين خيل الأعراب وخيل سيف الدولة خلساً، لا مهلة فيه، حتى كأنه الموت بينهما اختصار، قد سقطت فيه الكلفة، وقصد قد ذهبت عنهم معه المؤونة.
فَلَزَّهُمُ الطَّرَادُ إلى قِتَالٍأَحَدُّ سِلاحِهمْ فيهِ الفِرَارُ
ثم قال: فلز بني كعب الطراد إلى شدة من القتال، وحقيقة من الحرب، كان أحد سلاحهم في ذلك الموقف الاعتصام بالفرار، والتعويل على تولية الأدبار.
مَضَوْا مُتَسَابِقي الأَعْضَاءِ فيهِلأَرؤُُسِهِمْ بأرْجُلِهمْ عِثَارُ
ثم يقول: مضى بنو كعب في ذلك القتال فراراً، تتسابق أعضاؤهم، وتفصل السيوف أجسامهم، بما يتطاير من رؤوسهم عثار في أرجُلِهم؛ لأن هوي الرؤوس ساقطة، تسبق الأرجل في المشي، وتغلبها على شدة العدو،
فالرؤوس تعلقها، والأرجل تتعثر بها.
يَشُلُّهُمْ بِكُلَّ أَقَبَّ نَهْدلِفَارِسِهِ عَلَى الخيلِ الخِيارُ
ثم قال: يشلهم سيف الدولة، بكل فرس نهد في خلقه، ضامر بشدة عدوه، لفارسه الخيار على الخيل، لتحكمه في فروسيته، وتقدمه في شجاعته.
وَكُلُّ أَصَمَّ يَغْسِلُ جَانِبَاهُعَلَى الكَعْبَيْنِ مِنْهُ دَمُ مُمَارُ
ثم يقول؛ ويطردهم سيف الدولة بكل رمح أصم، يهتز طرفاه على أعلى كعوبه،
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع