تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الأول

ورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوهم في تمام بنائه على يد سيف الدولة؛ لأن ملكهم لزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغار والروس والصقالبة وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، فنظر فيها يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه؛ لضبطهم الطرق، فلما أسحر لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث، عادت إليه الطلائع فأخبرته بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول سيف

الدولة على عقبة يقال لها العيراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار خوفا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يمكن الله من نصره عليهم إلا في نقوب نقبوها، فأتتهم طلائع بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب، وولى كل فريق على ودهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم، وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه:

ذي المَعَالي فَلْيَعْلُونَ مَنْ تَعَالَىهكَذا هكذا وإلاَّ فلا لا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
شَرَفٌ يَنْطَحُ النُّجومَ بِرَوْقَيْهِ وعِزٌّ يُقَلْقِلُ الأَجْبَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
حَالُ أَعدائِنا عظيمٌ وسَيْفُ الدَّولَةِ ابنُ السُّيوفِ أَعْظَمُ حالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
كلَّما أَعْجَلوا النَّذيرَ مَسِيراًأَعْجَلَتْهُمْ جِيادهُ الإِعْجَالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
فَأَتَتْهُم خَوارِقُ الأَرْضِ ماتَحمِلُ إِلاَّ الحَدِيْدَ والأَبْطالا
خافياتِ الأَلوانِ قد نَسَجَالنَّقعُ عليها بَرَاقِعاً وجِلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
حالَفَتْهُ صُدُورها والعَواليلَيَخُوضُنَّ دُونَهُ الأَهْوَالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَلَتَمْضِنَّ حيثُ لا يَجِدُ الرُّمحُ مَداراً ولا الحِصانُ مَجَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
لا أَلومُ ابنَ لاونٍ مَلِكَ الرُّوممِ وإِن كانَ ما تَمنَّى مُحَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
أَقْلَقَتْهُ بَنيَّةٌ بين أذُنَيْهِوبانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالا
كُلَّمَا رامَ حَطَّها اتَّسَعَ البَنْيُ فَغَطَّى جَبِينَهُ والقَذالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
يَجْمَعُ الرُّومَ والصَّقَالِبَ والبُلْ- غَرَ فيها، وتَجْمَعُ الآجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
وتُوافِيهُمُ بها في القَنا السُّمْرِ كما وافَتِ العِطاشُ الصّلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
قَصَدوا هَدْمَ سُورِها فَبَنَوْهُوأَتَوْا كَيْ يُقَصَّروهُ فَطَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
واستَجَرُّوا مكايدَ الحَرْبِ حَتَّى- تَرَكوها لَهَا عَلَيْهِمْ وَبالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
رُبَّ أَمْرٍ أَتَاكَ لا تَحْمَدُ الفُعْعَالَ فيه وتَحْمَدُ الأفْعَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
وقِسِيًّ رُمِيْتَ عَنْها فَرَدَّتْفي قُلُوبِ الرُّماةِ عَنْكَ النَّصَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
أَخذوا الطُّرقَ يَقْطَعونَ بها الرُّسْلَ فَكَانَ انْقِطاعُها إِرسالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
وهُمُ البَحْرُ ذُو الغَزَارِبِ إِلاَّأَنَّهُ صَارَ عِنْدَ بَحْركَ آلا
ما مَضَوْا لَمْ يُقاتِلُوكَ وَلكِنْ- نَ القِتالَ الذي كَفَاكَ القِتَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الغوارب: الأمواج، والآل: السراب.

فيقول مخبرا عن الروم، ومخاطبا لسيف الدولة: أخذوا الطرق موكلين بها، وقاطعين عنك للرسل منها، فكان ذلك القطع إشعارا، وقام ذلك الضبط مقام الإرسال إليك، لأنك أنكرت فعلهم، واستربت أمرهم، فأسرعت نحوهم، وبادرت بنفسك وجيشك إليهم.

ثم قال: إنهم كالبحر ذي الغوارب؛ لتكاثف جمعهم، وتكاثر عددهم، إلا أنهم صاروا عند قوتك وعديدك، وبأسك وجنودك، كالآل الذي يتخيل ولا يصدق، ويتمثل ولا يتحقق، ففروا هاربين، وولوا عنك مدبرين.

ثم قال يخاطب سيف الدولة: ما مضى الروم عنك غير مقاتلين لجيشك، ولا ولو غير متيقنين لأمرك.

ثم قال: ولكن القتال عند التأمل، والنزال الشديد عند التبين، ما أسكنت قلوبهم وقائعك من الهيبة، وما أودعتها من مهابة، حتى صار اسمك يهزم عساكرهم، وذكرهم يثني عزائمهم.

والذي قَطَّعَ الرَّقابَ مِنَ الضَّرْبِ بِكَفَّيْكَ قَطَّعَ الآمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
والثَّبَاتُ الذي أجادوا قديماعَلَّمَ الثَّابِتِيْنَ ذا الإجْفالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الإجفال: الإسراع.

فيقول مخاطبا لسيف الدولة: والضرب الذي قطعت به كفاك رقاب الروم في

وقائعك، وأفنيت به أبطالهم في ملاحمك، قطع ما أملوه في حصن الحدث من مكايدتك، وأكذب ما حاولوه فيه من مغالبتك.

ثم قال مخاطبا له: والثبات الذي أجاد الروم قديما في قتالك، فأفضى بهم إلى المهالك، وأعقبهم أشد الهزائم، علم الثابتين من رجالهم، وأهل البأس من حماتهم وأبطالهم، الهرب منك، والاجتهاد في الإجفال عنك.

نَزَلُوا في مَصَارِعٍ عَرَفوهايَنْدُبُونَ الأَعْمَامَ والأخوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
تَحِملُ الرَّيحُ بَيْنَهُمْ شَعَرَ الهامِ وتُذْري عَلَيْهِمُ الأَوْصَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
تُنْذِرُ الجِسْمَ أَنْ يُقِيمَ لَدَيْهاوتُرِيْهِ لِكُلَّ عُضْوٍ مِثَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الندب: ذكر الميت بجميل أفعاله، وتذري: تثير وتفرق.

فيقول: نزل الروم على الحدث في مواضع تقدمت معرفتهم بها وبإيقاع سيف الدولة عليهم فيها، فجعلوا يندبون من قتل [أبطالك] من أعمامهم وأخوالهم وأبطالهم وفرسانهم، وامتثلوا تلك الحال في أنفسهم، وتوقعوا أن يحدث ما يشبهها عليهم.

قم قال: تحمل الريح بينهم شعر هام القتلى منهم، وتذري ما تدفق من عظامهم عليهم وأوصالهم، فيخيفهم ويذعرهم، ويقلقهم ويفزعهم.

ثم قال: تنذر تلك الأوصال جسمهم بأن يؤول إلى مآلها، ويقيم لديها في مثل حالها، وتريه لكل عضو من أعضائه مثالا شاهدا، ونظيرا حاضرا، وأشار بما ذكره إلى رفعة سيف الدولة على الروم عند بنيانه لحصن الحدث التي وصفها في قصيدته التي أولها:

على قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ

ولم تَكُنْ بَعِيدة من هذه الغزوة، فقال: إن الروم لما اشرفوا على موضع تلك الوقعة، وتذكروا عظم تلك النكبة، أشفقوا من أن يعاودهم سيف الدولة بمثلها، فولوا هاربين، وفروا بين يديه منهزمين.

أَبْصروا الطَّهْنَ في القُلُوبِ دِراكاًقَبْلَ أَن يُبْصِروا الرَّماحَ خَيَالا
وإذا حاوَلَتْ طِعانَكَ خَيلٌأَبْصَرَتْ أَذْرُعَ القَنَا أَمْيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الدراك: التتابع، والخيال: ما ترى على غير حقيقة.

فيقول لسيف الدولة: مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم، وأرتهم طعان رماحك دراكا في قلوبهم، قبل أن يتخيلوا ذلك ويتحققوه، ويتمثلوه ويشاهدوه، فعاذوا بالفرار منك، وولوا منهزمين عنك.

ثم قال: وإذا حاولت خيل طعانك، ومثلت لأنفسها قتالك، أراها الفزع أذرع رماحك أميالا متصلة؛ [لما تتوقعه من طعنها، وتحذره من مخوف فعلها].

بَسَطَ الرُّعْبُ في اليَمِيْنِ يَمِيْناًفَتَوَبَّوا وفي الشَّمالِ شِمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
يَنْفُضُ الرَّوْعُ أَيْدِياً تَدْرِيأَسُيوفاً حَمَلْنَ أَم أَغْلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
وَوجُوهاً أخافَهَا مِنْكَ وَجْهٌتَرَكَتْ حُسْنَها لَهُ والجَمَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الروع: الفزع، والأغلال: رَوابط تشد بها الأيدي إلى الأعناق، واحدها غل.

فيقول: بسط الرعب في أيديهم أيديا مثلها، تمنعها من البطش، وتقصرها على الكف، فولوا وقد خذلتهم أعضاؤهم من الفزع، فاستولى على أنفسهم شدة الجزع.

ثم قال على نحو ما قدمه: ينفض الروع من أيديهم السلاح فيسقطه، ويسلبهم إياه الذعر فيذهبه، حتى كأن سيوفهم في أيديهم أغلال تملكها، وموانع تمنعهم من التصرف بها.

ثم قال على نحو ما تقدم، مخاطبا لسيف الدولة: وينفض الرعب عنهم وجوها قد امتقعها الخوف، وأذهب جمالها الذعر، فهي ترعد متغيرة، وتعبس متوقعة قد أخافها منك وجه أحرز غاية الحسن، وغلبها على الجمال والفضل.

والعِيَانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ لِلظَّنَّزوالا ولِلْمُرادِ انْتِقالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وإذا ما خلا الجَبَانُ بأَرضٍطَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ والنّزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
أَقْسَمُوا لا رأَوْكَ إِلاَّ بِقَلْبٍطال مَا غَرَّتِ العُيونُ الرَّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجلي: المكشوف.

فيقول مشيرا إلى الروم، وفرارهم عن أرض الحدث بين يدي سيف الدولة؛ بعدما تكلفوه من غزوه، وتعاطوا من حصاره: أن ما تيقنوه من قصد سيف الدولة لهم، وتسابق خيله نحوهم، أكذب ما ظنوه، واراهم الجلية فيما حاولوه، وعرفهم أن حظهم في الانتقال عما أضمروه من الإقدام إلى الفرار والانهزام.

ثم ضرب للروم مثلا في فعلهم فقال: وإذا ما خلا الجبان في أرضه، وبعد عن الأقران بنفسه، طلب الطعن والمنازلة، وتعاطى القتال للمبارزة، فإذا أحس بمن يقاتله، رجع إلى طبعه، واعتصم بالفرا عن قرنه، وكذلك شأن الروم وشأن سيف الدولة، اظهروا الإقدام عليه، فلما أحسوا به، فروا بين يديه.

ثم قال مخاطبا لسيف الدولة: أقسم الروم أنهم لا يرونك إلا بقلوبهم متباعدين عنك، ولا يلحظونك بعيونهم مقربين منك، فطالما اغتروا بموافقتك فأفنيت جيوشهم، وكثرا ما أقدموا في الحرب على معاينتك، فأتلفت نفوسهم. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة [قصده].

أَيُّ عَيْنٍ تَأَمَّلَتْكَ فَلا قَتْكَوطَرْفٍ رَنَا إِليكَ فآلا
ما يَشُكُّ اللّعِينُ في أخْذِكَ الجَيْشَ فهل تَبْعَثُ الجُيُوشَ نَوَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
ما لِمَنْ يَنْصِبُ الحبائِلَ في الأرضِ ومَرْجَاهُ أَنْ يَصِيْدَ الهِلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الرنو: النظر، وآل بمعنى: رَجَعَ، والنوال: العطاء، والحبائل: الأشراك، واحدتها حبالة، ومرجاة: مفعلة من الرجاء.

فيقول لسيف الدولة: أي عين بطل تأملتك فرقاك صاحبها، وأقدم على موافقتك الناظر بها، وأي شجاع مجرب، أو كمي مقدم دنا إليك طرفه، ولاحظتك عينه، فرجع قاصدا إليك، وتعرض للكر مقدما عليك؟!

ثم قال، وهو يريد ملك الروم: ما يشك اللعين في أنك تغلب جيشه وتأخذه، وتتحكم فيه وتتملكه، وتشمل أهله بالقتل والأسر، ويتكفل الله لك عليه بأبلغ النصر، أفتراه إنما يجهز الجيوش إليك عطاء لك تقصده، وإتحافا تعتمده.

ثم قال مؤكدا للإزراء على ملك الروم: ما لمن ينصب حبائله في الأرض، ويبث مكائده بين الناس، ورجا التأثير في سيف الدولة، وهو القمر في رفعته، وسبيه [به] في علو منزلته، فكيف لملك الروم أن يؤثر في القمر، ويعترض على سابق القدر؟!

إِنَّ دُونَ التي على الدَّرْبِ والأَحدَبِ، والنَّهْرِ مِخْلَطا مِزْيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
غَضَبَ الدَّهرَ والمُلُوكَ عليهافَبَناها في وَجْنَةِ الدَّهْرِ خَالا
وحَمَاها بكلَّ مُطَّردِ الأكْعُبِ جَوْرَ الزَّمانِ والأَوْجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الدرب: المدخل إلى أرض العدو من أرض الإسلام، والأحدب: جبل بقرب حصن الحدث، والاختلاط بالشيء: الالتباس به، والزوال عنه: المباعدة، والمخلط المزيال: الذي يلابس الشيء تارة، ويباعده تارة، والغضب: الأخذ بالقهر، والخال: شامة في الوجه، تخالف سائر لونه، والمطرد: المتصل الذي لا عوج غيه، والأكعب: العقد التي تكون بين أنابيب الرمح، واحدها كعب، والأوجال: المخاوف، واحدها وجل.

فيقول مشيرا إلى مدينة الحدث، وإلى سيف الدولة: إن دون المدينة المبنية على الدرب والأحدب والنهر من سيف الدولة، الذي يحمي حريمها، ويقاتل الأعداء دونها، ملكا متيقظا مقتدرا، مزيالا عن أطراف بلاده، واثقا بما يحميها من هيبته، مخلطا بالأعداء فيها عند مرامهم لها، سريعا لا يتأخر من سطوته، فهو وإن بعد، أدنته قوته، وإن انتزح، قربته مقدرته.

ثم قال: غضب الدهر والملوك على هذه المدينة، [وأدخل على كان في أول الكلام

غلب]، والعرب تفعل ذلك، وتحمل الكلام على المعنى إذا تقارب ولم يستحل، فبناها في وجنة الدهر كالخال الذي يزين الوجه مع مخالفته للونه، ويحسنه مع ما يثبت فيه من وسمه، فبين أن هذه المدينة امتنع أمرها، وجل قدرها، فكأن الدهر زين بها وجهه، ووسم برفعتها نفسه.

ثم قال يريد سيف الدولة: وحمى هذه المدينة بكل رمح مطرد الكعوب، جور الزمان وظلمته، ومخاوفه وصرفه، يشير إلى منعه لها من الروم بمسارعته دونها إليهم.

وهي تَمْشِي مَشْيَ العَرُوسِ اخْتِيالاوتَثَنَّى على الزّمانِ دَلالا
في خَمِيْسٍ مِنَ الأُسودِ بئِسٍيَفْتَرسْنَ النُّفوسَ والأموالا
وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ مِنَ الحِلَّفَقَدْ أَفْنَتِ الدَّماَء حَلالا

الاختيال: الزهو والتكبر، الدلال: الشكل، والخميس: الجيش، [والبئيس]: الكثير الشجعان، والافتراس: شدة الأخذ، وأصله دق العنق، والظبا: السيوف، والحرام: الممنوع، والحل: الحلال.

فيقول، وهو يريد مدينة الحدث: فهي تمشي مشي العروس اختيالا بمنع سيف الدولة منها، وتثنى على الزمان دلالا بمدافعته عنها، وأتى بهذا القول على سبيل الاستعارة، وأشار إلى أن هذه المدينة من الاعتزاز بسيف الدولة في حال تتيه معها على الدهر، وتفرط في الخيلاء والكبر.

ثم قال: وهي في خميس من جيشه، وكثرة من جمعه، وهم كالأسود الضارية، والسباع العادية، يفترسون نفوس الأعداء، ويأخذون أموالهم، ويقربون حتوفهم وآجالهم.

ثم قال، يريد... من سيوف هذا الجيش مشكور فعلها، محمود أثرها، تعرف الحلال والحرام، والمباح والمحظر، فقد أفنت الدماء التي أحل الله سفكها، ومنعت

البلاد التي أوجب حمايتها ومنعتها.

إِنَّما أَنْفُسُ الأَنِيْس سِبَاعٌيَتَفارَسْنَ جَهْرَةً واغْتِيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
من أَطَاقَ التِماسَ شيءٍ غِلابَاواغْتِصابا لم يَلْتَمِسْهُ سُؤالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»
كلُّ غادِ لِحَاجَةٍ يَتَمنَّىأَنْ يَكُونُ الغَضَنْفَرَ الرَّئْبالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذي المعالي فليعلون من تعالى»

الأنيس: جماعة الناس، والتفارس: التقاتل، والجهرة: معروفة، والاغتيال: القتل بالخديعة، والغلاب: المغالبة، والاغتصاب: الأخذ بالقهر، والغضنفر والرئبال: اسمان من أسماء الأسد.

فيقول: إنما أنفس الناس كالسباع فيما تبتغيه وتطلبه، من الاستعلاء بالقدرة، فهي تتفارس سرا وجهرة، ومكاشفة وغيلة.

ثم قال: وكل غاد منهم لحاجة، ومعتمد لبغيته، يود أنه الأسد بأسا وشدة، واقتدارا وقوة؛ ليتناول ما يقصده بفضل قوته، ويستظهر عليه ببأسه وشدته. وأشار إلى أن الروم لم يفروا بين يدي سيف الدولة على الخديعة أنفا ومكارمة، وإنما كان فرارهم فرقا ومحاذرة؛ لأن في طبائع الإنس أن يستعملوا فيما يطلبونه غاية قوتهم، [وأن يتناولوا ذلك بأبلغ قدرتهم].

وفزع الناس لخيل لقيت سرية لسيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب معه، فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه، فنظر إلى الدم عليه، وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت، فتمثل سيف الدولة بيتي النابغة:

ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أَنّ سُيُوفَهُمْبِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
تُوُرَّثْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍإِلى اليَوْمِ قَد جُرَّبْنَ كُلَّ التَّجارِبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

فَأَنْشَدَ ارتجالا:

رَأَيْتُكَ تُوسِعُ الشُّعراَء نَيْلاًحَدِيْثَهُمُ المُوَلَّدَ والقَدِيْمَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»
فَتُعْطِي مَنْ بَقَى مالاً جَسِيْماًوتُعْطي مَنْ مَضَى شَرَفاً عَظِيْماً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

المولد: المتأخر من الشعراء، وبقى: بمعنى بقي، وهي لغة لطيء، يبدلون الكسرة فتحة، إذا كانت بعدها ياء مفتوحة، ويقلبون الياء ألفا، فيقولون في رضي: رضى، وفي ناصية ناصاة.

فيقول لسيف الدولة (.......) وتعمهم بنيلك؛ حديثهم المولد في عصرك، وسالفهم المتقدم من قبلك.

ثم بين ذلك فقال: فتعطي (........) يقنعهم، وتعطي ماضيهم شرفا عظيما يدفعهم.

سَمِعْتُكَ مُنْشِداً بَيْتي زيادٍنَشِيْداً مِثْل مُنشِدِهِ كريما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»
فما أَنْكَرْتُ مَوْضِعَهُ ولكنغَبَطْتُ بِذاكَ أَعْظُمَه الرَّميما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رأيتك توسع الشعراء نيلا»

زياد: نابغة بني ذبيان، وغبطت الرجل بحاله: إذا أيدت بصيرته (........)، والرميم: العظم إذا بلي وتقطع.

فيقول لسيف الدولة: سمعتك تنشد بيتي النابغة نشيدا يشبه كرمه كرمك، [ويماثل صوابك شعره]، فما أنكرت موضع النابغة من (......) لما رفعت من قدره، ولكنني غبطت عظامه البالية بتشريفك (.........).

كمل السفر والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله

أجمعين، وكان الفراغ منه يوم السبت الموفي ثلاثين من شهر ربيع الآخر عام أربع... وكتبه بخطه لنفسه عفا الله عنه علي بن محمد بن جعفر.

اجتاز أبو الطيب برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة وبني رياح من بني تميم، يمدح سيف الدولة بهذه القصيدة، ولم ينشده إياها، فلما أنشده هذه القصيدة اللامية، أنشده إياها، وألحقت في هذا الموضع، وهي من قوله في صباه:

ذِكْرُ الصَّبا ومَرَابِعُ الآرامِجَلَبَتْ حِمَامِي قَبْلَ وَقْتِ حَمامي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
دِمَنٌ تَكاثَرَتِ الهُمومُ عَلَيَّ فيعَرَصَاتِها كَتَكاثُرِ اللُّوَّامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
فَكَانَّ كُلَّ سَحَابَةٍ وَقَفَتْ بِهاتَبْكِي يِعَيْنَيْ عُرْوَةَ بنِ حِزَامِ

الذكر: جمع ذكرى. والآرام: الظباء، ومرابعها: المواضع التي تقيم فيها مدة الربيع، والحمام: الموت، والدمن: المواضع التي ينزل بها القوم فتبقى فيها أبعار إبلهم، وآثار نارهم، (وعرصات) الدمن: أوساطها، وعروة بن حزام العذري: أحد العشاق المتقدمين وهو ممن قتله العشق.

فيقول: ذكر الصبا وما فرط من طيبه، والشباب وما سلف من السرور به (...) زمن إلمامي على ربع الآرام من الأحبة، جلبت إلي الحمام قبل وقته (...).

ثم قال: دمن تكاثرت الهموم علي (...) في عرصاتها من دروس رسومها (...) كتكاثر اللوام على ما لحقني من الحزن، وأحاط بي من البث والشجن، وكأن سحاب (...) الأمطار المغيرة لها تبكي عليها رثاية لتغيرها، وأسفا على دروسها وتبدلها بعيني عروة بن حزام، الذي كان لا يرقا دمعه، ولا يفتر حزنه، فأشار ببكاء السحاب على هذه الدمن إلى ما كانت عليه من الحسن والجلالة، وبمداومة المطر لها إلى ما صارت إليه (....).

وَلَطَالَما أَفْنَيْتُ رِيْقَ كَعَابهَافِيها، وأَفْنَتْ بالعِتَابِ كَلامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
قَدْ كُنْتَ تَهْزَأُ بِالفرَاقِ مَجَانَةًوَتَجُرُّ ذَيْلَي شِرَّةٍ وَعُرامِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لَيْسَ القِبَابُ على الرَكاب وإنماهُنَّ الحَياةُ تَرحَّلَتْ بِسَلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الكعاب: الجارية التي ينبت ثديها في صدرها. والعتاب: المؤاخذة على الزلة.

والماجن: الذي لا يبالي بما صنع. والعرام: الشدة، والركاب: الإبل تحمل القوم.

فيقول: ولطالما أفنيت في هذه الدار ريق كعابها، مسرورا بوصلها، مبلغا أبلغ الأمل من قربها، وأفنت كلامي بمعاتبتها لي، واستكثرت من حديثي معجبة بي.

ثم قال مخاطبا لنفسه: قد كنت تهزأ بالفراق آمنا لفجاءته، وتمجن بذكره جهلا بمخوف عاقبته، وتجر في (.....) ذيلي شره وعرام، وتتصرف فيه تصرف شبيبة واغترار.

ثم قال مشيرا إلى فراق أحبته، ورحيل من شغف بألفته: ليس على الركاب في (...).

لَيْتَ الَّذي خَلَقَ النَّوىَ جَعَلَ الحَصَىلِخِفَافِهِنَّ مَفَاصِلِ وَعِظَامِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
مُتَلاحِظْيَنَ نَسُحُّ مَاَء شُؤُونِنَاحَذَارَاً مِنَ الرُّقَبَاءِ في الأَكْمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
أَرْواحُنَا انهَمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَامِنْ بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الَقدامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

النوى: البعد. وخفاف الإبل: ما تطأ به الأرض من أيديها وأرجلها. والسح: الانسكاب. والشؤون: مجاري الدموع. والانهمال: شدة الجري. والقطر: سقوط المطر الشيء بعد الشيء، ويستعار ذلك فيما قاربه. والمفاصل: ما تتصل عليه الأعضاء.

فيقول: ليت الذي خلق النوى وأنشأها، وابتدعها واخترعها، جعل بتلك القدرة حصى أحفاف إبل الأحبة عظامي؛ لأصحبها ولا أفارقها، وأقاربها ولا أباعدها.

ثم قال؛ يريد نفسه وأحبته الراحلين عنه: متلاحظين في موقف البين، نسخ ماء شؤونها - وأومأ إلى الدمع - غير معلنين بسكبه، ولا مظهرين لأمره، نسكبه في الأكمام، ونستره عن الرقباء واللوام.

ثم قال: ولم يكن ما بكينا به دموعا نسكبها ونذريها ويرسلها، وإنما كانت أرواحنا قطرت على أقدامنا منهلة، وظعنت عن أجسامنا مرتحلة، وعشنا منها بأنفس

ضعيفة، وحيينا بحشاشات يسيرة.

لَوْ كُنَّ يَوْمَ جَرَيْنَ كُنَّ كَصَبْرنَاعِنْدَ الرَّحِيْلِ لَكُنَّ غَيْرَ سِجَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
لَمْ يَتْرُكُوا لِيَ صَاحِباً إِلاَّ الأَسَىوَذَمِيْلَ ذِعْلِبَةٍ كَفَحلِ نَعَامِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَتَعَذُّرُ الأَحْرَارِ صَيَّرَ ظَهْرَهَاإِلا إليكَ عَلَيَّ فَرْجَ حَرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

السجام: الجارية، واحدها ساجم، والأسى: الحزن، والذميل: ضرب من مشي الإبل، والذعلبة: الناقة السريعة.

فيقول: لو كانت (...) عند الوداع في حين (...) على مثل حال صبرنا؛ لكانت معدومة لا تسجم، ومفقودة لا تسكب. يشير إلى ما كان عليه في تلك الحال، من كثرة الجزع والدمع، وقلة العزاء والصبر. ثم قال، يريد أحبته: لم يتركوا لي صاحبا آنس بقربه، وموالفا أسكن إلى وصله، إلا الأسى الملازم، والكمد المداخل، وسير ذعلبة أركبها؛ رجاء السلوة، وأسير بها متعللا من كمد الفرقة.

ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: وتعذر الأحرار في الزمن الذي (....) فضلك، وصغر أقدارهم قدرك، صير ظهر تلك الناقة علي فرج حرام لا أقربه (...).

أَنْتَ الغَريْبَةُ في زَمَانٍ أَهْلُهُوُلِدَتْ مَكَارِمُهُمْ لِغَيْرِ تَمَام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
أَكْثَرْتَ مِنْ بَذْلِ النَّوالِ ولَمْ تَزَلْعَلَماً على الإفْضالِ والإِنْعَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
صَغَّرْتَ كُلَّ كَبيْرَةً وَكَبُرْتَ عَنْلَكَأَنَّهُ، وَعَدَدْتَ سِنَّ غُلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الغريبة من الأشياء: التي يعدم نظيرها، والمولود لغير تمام: الذي يولد قبل استيفاء مدة حمله، وذلك يخدج المولود، ويضعف خلقه، والنوال: العطاء، والعلم: العلامة، والغلام: الصبي.

فيقول لسيف الدولة: أنت غريبة الزمان بعموم فضله، وجلالة قدره، في زمان

مكارم أهله مخدجة ناقصة، مستقلة مستصغرة، فأنت مستغرب في دهرك، أنك بلغت غاية التمام في أوان النقصان (......) فكيف بك وقد تناهت قوتك، وتمكنت شبيبتك. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة منه، وغير خارجة في جملتها عنه.

وَرَفَلْتَ في حُلَلِ الثَّنَاءِ، وإِنّماعَدَمُ الثَّنَاءِ نِهَايَةُ الإِعْدَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
عَيْبٌ عَلَيْكَ تُرَى بِسَيْفٍ في الوَغَىما يَصْنَعُ الصَّمْصَامُ بالصَّمْصَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
إِنْ كَانَ مِثْلُكَ كانَ أو هُوَ كائِنٌفَبَرِئْتُ حِيْنَئِذٍ مِنَ الإسْلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

رفل الرجل: إذا جر ذيله، والإعدام: الفقر، والوغى: الحرب، والصمصام: السيف.

فيقول لسيف الدولة: ورفلت صغيرا وكبيرا في حلل الثناء والحمد، وأحرزت أبعد غايات الكرم والمجد، وإنما عدم الثناء نهاية الإعدام والفقر، وغاية الإقلال والعسر.

ثم قال مخاطبا له: عيب عليك وأنت السيف نفاذا وحدة، وصرامة وهيبة، أن تتقلد السيف في حربك، ونستعمله (في) بطشك، والسيف يقصر (عن) فعلك، ويتصاغر عن جلالة قدرك، فما تفعل، وأنت الصمصام، بصمصام يعضدك، وما تريد، وأنت السيف، بسيف يعينك ويؤيدك.

ثم قال: إن كان مثلك في نظرائك من الرؤساء، ومن تقدمك من أكبر الكرماء، أو تظنه كائنا في الأغلب من (....) ومنتظرا في غير عصرك، فبرئ حينئذ من الإسلام (......).

مَلِكٌ زُهَتْ بِمَكَانِهِ أَيَّامُهُحَتَّى افْتَخَرْنَ بِهِ على الأَيَّامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
وَتَخَالُهُ سَلَبَ الوَرَى أَحْلاَمَهُمْمِنْ حِلْمِهِ فَهُمُ بِلا أَحْلامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
وإِذا امْتَحَنْتَ تَكَشَّفَتْ عَزمَاتُهُعَنْ أَوْحَدِيَّ النَّقْضِ والإبْرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الزهو: العجب والكبر، وزهت بمعنى زهيت فأبدل من الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفا، وحذفها لالتقاء الساكنين، وهي لغة طيء، وقد تقدم شرحها، والحلم: العقل، والإبرام: الإحكام، والنقض: ضده.

فيقول وهو يريد سيف الدولة: ملك زهيت أيامه بجلالة قدره وأعجبت بتكامل فضله حتى افتخرت به على الأيام كلها، وترفعت بمكارمه على الأزمنة بأسرها. وهذا على التجوز والإشارة إلى الأكثر.

ثم قال: وتخاله لوفور حلمه، وسعة إحاطته وعلمه، قد اجتمعت له أحلام الورى بجملتها، وقصرت عليه بعامتها، وصاروا بمعزل عنها قد سلموها لحلمه، وتصرفوا فيها على حكمه.

ثم قال: وإذا امتحنت أصالة رأيه، وجلالة أمره، تكشفت لك عزائمه على ألمعي في قوله وفعله، وأوحدي في إبرامه ونقصه.

وإذا سَاَلْتَ بَنَانَهُ عَنْ نَيْلِهِلَمْ يَرْضَ بالدُّنْيَا قَضَاَء ذِمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
مَهْلاً، أَلا لِلَّهِ ما صَنَعَ القَنَافي عَمْرِو حَابِ، وضَبَّةَ الأَغْتَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
لَمَّا تَحَكَّمَتِ الأَسِنَّةُ فيهِمِجَارَتْ، وَهُنَّ يَجُرْنَ في الأَحْكامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الذمام: الحرمة، وعمرو حاب: أراد عمرو حابس فرخم في غير النداء، وعمرو [بن] حابس بطن من بطون [بني أسد]..............................................).

ثم قال: لما تحكمت أسنته فيهم، وتسلطت سلاح جنوده عليهم، جارت بالإسراف في قتلهم، وأفرطت فيما أفنت من جمعهم، وكذلك الرماح وأحكامها جائرة، وأفعالها في العقوبة بالغة.

فَتَرَكْنَهُمْ خَلَلَ البُيوتِ كَأَنَّمَاغَضِبَتْ رُؤُوسُهُمُ على الأَجْسَامِ
أَحْجَارُ نَاسٍ فَوْقَ أَرْضٍ مَنْ دَمٍونُجُومُ بَيْضٍ في سَمَاءِ قَتَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
وذِراعُ كُلَّ أَبي فُلانٍ كُنْيَةًحَالَتْ فَصَاحِبُها أَبو الأَيْتَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

الخلل: الفرجة بين الشيئين، والقتام: الغبار، وبيض الحديد معروفة، والواحد بيضة، والذراع: علامة معروفة يسم بها بنو سعد العشيرة.

فيقول لسيف الدولة: فتركت هاتين القبيلتين، وكأن رؤوسهم قد غضبت على أجسامهم ففارقتها، وتسخطت صحبتها فباينتها، وصاروا في خلل بيوتهم أجساما لا رؤوس لها، ورؤوسا لا تتصل الأجسام بها.

ثم قال على نحو ما قدمه: أحجار ناس، يشير إلى كثرتهم، وما قطعه القتل من حركتهم، وأنه أبقاهم جثثا كالأحجار في أرض قد لبسها الدم لكثرته، وستر (...........) فصاروا في معتركهم كالأحجار الساكنة على أرض من لدماء الجارية تحت سماء من القتام؛ مثار سنابك الخيل، ونجومها لوامع البض.

ثم قال وعلامة (...................................................).

عَهْدِي بِمَعْرَكَةِ الأَميرِ وَخَيْلُهُفي النَّقْعِ مُحْجِمَةً عن الإحْجَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
صَلَّى الإلهُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍوَسَقَى ثَرَى أَبَوَيْكَ صَوْبَ غَمَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
وَكَساكَ ثَوْبَ مَهَابَةٍ مِنْ عِنْدِهِوأَرَاكَ وَجْهَ شَقِيقِكَ القَمْقَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

المعركة: موضع القتال، والنقع: الغبار، والإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والصلاة الترحم، والشقيق: الأخ من الأب والأم، والقمقام: السيد الكثير الخير.

فيقول: عهدي بمعركة الأمير سيف الدولة في القوم الذين ذكر إيقاعهم بهم، وخيله في الرهج الذي ثار في تلك المعركة، مقدمة إلى الأعداء غير محجمة، متسابقة إليهم غير متهيبة، تتأخر عن الإحجام، وتقتحم أشد الاقتحام.

ثم قال مخاطبا له: وفر الله حظك من رحمته، ورضي عنك لا بالتوديع عند (..

)، وسقى ثرى أبويك غماما يرويه صوبه، وسحابا يتصل عليه سكبه، وكساك من عنده ثوب المهابة، ومتعك بالتأييد والكرامة، وأراك وجه شقيقك، يريد: ناصر الدولة السيد (...).

فَلَقَدْ رَمَى بَلَدَ العَدُوَّ بِنَفْسِهِفي رَوْقِ أَرْعَنَ كالغِطَمَّ لُهَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
قَوْمٌ تَفَرَّسَتِ المَنَايَا فِيْكُمُفَرَأَتْ لَكُمْ في الحَرْبِ صَبْرَ كِرَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»
تَاللَّهِ ما عَلِمَ امرُؤ لَوْلاكُمُكَيْفَ السَّخَاءُ وكَيْفَ ضَرْبُ الهَامِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

(..........................................................

..........................................................).

ثم قال يخاطبهم: تالله لولا ما نهجتموه من البذل، وأظهرتموه من الإقدام في الحرب، ما عرف الناس حقيقة السخاء، ولا كيف تجالد الأبطال عند اللقاء.

وقال يمدحه، أنشدها إياه بآمد، وكان منصرفا من بلاد الروم في آخر نهار يوم الأحد لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:

الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِهُوَ أَوَّلٌ وَهْيَ المَحَلُّ الثانِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فَإذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْس مِرَّةٍبَلَغَتْ مِنَ العَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الفَتَى أَقْرَانَهُبالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُن الأَقْرَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

النفس المرة: الأبية التي لا تستعذب (...) من أقدم على (.........) والأقران: الأكفاء، والواحد قرن.

فيقول: (.........................................................).

لَوْلاَ العُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍأَدْنَى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
وَلَمَا تَفَاضَلَتِ النُّفوسُ وَدَبَّرَتْأَيْدِي الكُمَاةِ عَوَالِيَ المُرَّانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
لَوْلاَ سَمِيُّ سُيُوفِهِ وَمَضَاؤهُلَمَّا سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأَجْفَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الضيغم: الأسد، والكماة: أبطال الشجعان، والمران: الرماح التي تجمع اللين مع الصلابة، واحدها مارن، والمضاء: النفاذ. والأجفان: أغماد السيوف.

فيقول مؤكدا للتنبيه على فضيلة الرأي: لولا العقول التي تبعث (على) الرأي، وتدل على مواضع الشجاعة، لكان أقل الأسد حالا، وأوضعها منزلة، أقرب (إلى) شرف الرفعة، وعلو المنزلة (من) الإنسان؛ لأنه يبلغ من ذلك ما لا يبلغه، ويدرك منها أكثر مما يدركه، ولكن الإنسان يفضله بعقله، ويزيد عليه بمعرفته وعلمه.

ثم قال على نحو ما قدمه: ولولا العقول لما فضلت نفوس الإنس نفوس سائر الحيوان، ولا استعملت الكماة السلاح للمنازلة، ولا (استظهرت) به عند المقاتلة ولا دبرت أيدي الفرسان عوالي الرماح، ولا صرفتها فيما تقصده من الطعن، ولكن العقول أفادت ذلك ودلت عليه (..........) إليه.

ثم قال، يريد سيف الدولة: لولا سمي سيوفه وهيبته، ومضاؤه في الحرب (...

).

خَاضَ الحِمَامَ بهِنَّ حَتَّى ما دُرِيأَمِنِ احْتِقارِ ذاكَ أَمْ نِسْيَانِ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
وَسَعَى فَقَصَّرَ عَنْ مَدَاهُ في العُلاأَهْلُ الزَّمانِ، وأَهْلُ كُلَّ زَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

(................) والجموع المكسرة مع ذلك محمولة على التأنيث في الإخبار عنها، يقال: اجتمعت الرجال وسارت الجمال.

ثم قال، يريد سيف الدولة: خاض غمرات الموت بمن معه من أصحاب تلك السيوف، مبادرا لا يتوقف، ومقتحما لا يتهيب، حتى ما دري إلى أي الحالين ينسب فعله؛ إلى احتقاره لمن قاتله، أم إلى تناسيه لعظيم ما حاوله.

ثم قال: وسعى فيما ابتغاه من المجد، وما قصره على نفسه من الشكر والحمد، فقصر عن إدراك شأوه، ومماثلة فعله، أهل زمانه بجملتهم، والمحاولون لإدراكه بعامتهم، ومن تقدمه من الكرماء في الأزمنة الخالية، ومن كان قبلهم منهم في المدد السالفة.

تَخِذُوا المَجَالِسَ في البُيوتِ وعِنْدَهُأَنَّ السُّروجَ مَجَالِسُ الفِتْيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
وتَوَهَّمُوا اللَّعبَ الوَغَىَ والطَّعْنَ في الهيجاءِ غَيْرُ الطَّعْنِ في المَيْدانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

تخذوا: لغة في اتخذوا. قرئ: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا)، و (لتخذت عليه أجرا)، والميدان: موضع يتخذ (.....) الخيل.

فيقول: (....................................................................).

قَادَ الجِيَادَ إِلى الطَّعَانِ ولَمْ يَقُدْإِلاَّ إِلى العَادَاتِ والأَوْطَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
كُلُّ ابنِ سَابِقَةٍ يُغِيْرُ بِحُسْنِهِفي قَلْبِ صَاحِبِهِ على الأَحْزَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
إِنْ خُلَّيَتْ رُبِطَتْ بِآدابِ الوَغَىفَدُعاؤها يُغْنِي عَن الأَرْسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الجياد: الخيل العتاق، والأوطان: مواضع الإقامة، والوغى: الحرب.

فيقول، وهو يريد سيف الدولة: قاد عتاق الخيل، وأشار بها إلى مواضع فرسانها من البأس؛ لأن استجادة الفرسان لها بحسب ملازمتهم للحروب بها.

فيقول: إنه قادها إلى الطعن، واقتحم بها غمرات الحرب، ولم يقدها من ذلك إلا عاداتها السالفة، وأفعالها الفارطة، ولا أراها من تلك الملاحم إلا فيما حولها بطول الاعتياد، كالأوطان التي تلزمها، والمساكن التي تألفها.

ثم قال واصفا لكرم تلك الخيل: كل ابن سابقة معرق في العتق، جار على وراثة من الكرم، يغير بحسن خلقته، وجمال صورته، على الأحزان في قلب صاحبه، فيكشفها عنه، ويطردها منه، ويبعث له السرور بنفسه، وشدة الإعجاب بحسنه.

ثم أكد ما قدمه، فقال: إن خليت تلك الخيل مهملة، وأطلقت مرسلة، ربطتها آداب الحرب، وملكها اعتياد التصرف (............) فهي تنقاد إذا دعيت دون أرسان، وتفعل ما يرغب منها دون فرسان.

في جَحْفَلٍ سَتَرَ العُيُونَ غُبارُهُفَكَأَنَّما يُبْصِرْنَ بالآذَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
يَرْمِي بِهَا البَلَدَ البَعِيْدَ مُظَفَّرٌكُلُّ البَعِيْدِ لَهُ قَرِيْبٌ دَانٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فَكَأَنَّ أَرْجُلَها بِتُرْبَةِ مَنْبِجٍيَطْرَحْنَ أَيْدِيَها بِحِصْنِ الرَّانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

(......................................................................................) يقرب له البعيد إقبال جده، ويدنيه منه تمكن سعده، ثم أكد ذلك فقال: فكأن أرجل خيله بتربة منبج، وأرضه تطرح أيديها بحصن الران الذي أمه بقصده، واعتمده بجيشه، يشير إلى سرعة لحاقه لما قصد نحوه، وهذه (........) فيمن أراد غزوه، وأن العوائق لم تعترضه دون بغيته، ولا أقدم الروم على مدافعته دون رغبته.

حَتى غَبَرْنَ بأَرْسَنَاسَ سَوَابِحايَنْشُرْنَ فِيْهِ عَمَائِمَ الفُرْسَانِ
يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى مِنْ بَاردٍيَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصْيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أرسناس: واد من أودية بلاد الروم، والسابح: العائم، والجمع سوابح، والقماص: التوثب، والمدى: شفار السكاكين، واحدتها مدية.

فيقول على نحو ما قدمه من وصف إسراع خيل سيف الدولة إلى الروم: حتى عبرن - يريد الخيل - أرسناس، وهو النهر، وهي سوابح غير سائرة، وعوائم غير ماشية، تنتشر عمائم فرسانها من شدة نهوضها، وتضطرب بكثرة ازدحامها في (............).

ثم قال - يريد الخيل: يقمصن في هذا النهر في مثل المدى

منْ مُنْعَقِدِ ثَلْجِهِ، وبَارِدِ مَائِهِ.........................

..............).

والماءُ بَيْنَ عَجَاجَتَيْنِ مُخَلَّصٌتَتَفَرَّقَانِ بِهِ وتَلْتَقِيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
رَكَضَ الأَمِيْرُ، وكالُّّلجِيِن حَبَابُهُوَثَنَى الأَعِنّةَ، وهو كالعِقْبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العجاجة: الغبار الساطع، واللجين: الفضة، وحباب الماء: معظمه، والعقيان: الذهب.

فيقول: ماء ذلك النهر (.........) على شطيه تنيرهما خيول سيف الدولة المترادفة القادمة (........................................................................).

ثم قال: ركض الأمير - يريد سيف الدولة - ومعظم هذا النهر كالجين في ابيضاض مائه، وخلوصه وصفائه، وثنى أعنة خيله عابرا غيه، وهو كالعقيان بما سفك عليه من دماء الروم (..................).

فَتَلَ الحِبَالَ من الغَدائِرِ فَوْقَهُوَبَنَى السفِيْنَ لَهُ مِنَ الصُّلْبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
وَحَشَاهُ عَادِيَةً بِغَيْر قَوائِمٍعُقْمَ البُطُونِ، حَوْالِكَ الألْوانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
تَأْتِي بِمَا سَبَتِ الخيولُ، كأنَّهاتَحْتَ الحِسَانِ مَرابضُ الغِزْلاَنِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الغذائر: الضفائر، واحدتها غديرة، والسفين: جمع سفينة، والصلبان: جمع صليب، وهي آلة معروفة يعظمها النصارى، والعادية: الجارية. والقوائم معروفة، والعقم التي لا تحمل ولا تنتج، واحدتها عقيم، والحوالك: السود ومرابض الغزلان: موضع إقامتها، واحدها مربض.

فيقول، وهو يريد سيف الدولة: فتل الحبال على (..........) لغدائر نساء الروم، يشير إلى كثرتهن، وما بهن من الحزن على من قتله من رجالهن، وأنهن قطعن غدائرهن مظهرات (................)، ومؤذنات بما بهن من شدة الثكل، وإن تلك الغدائر كانت (...........).

ثم قال: تأتي تلك القوارب في ذلك النهر، بما تجلبه خيول سيف الدولة من سبايا الروم تحتهن، فكأنها تحتهن مرابض غزلان، ومكانس ظباء وآرام.

بَحْرٌ تَعَوَّدَ أَنْ يُذِمَّ لأَهْلِهِمِنْ دَهْرِهِ وَطَوارِقِ الحِدْثَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فَتَرَكْتَهُ وإذا أَذَمَّ مِنَ الوَرَىراعَاكَ واسْتَثْنَى بَنِي حَمْدَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
المُخْفِريْنَ بِكُلَّ أَبْيَضَ صَارِمِذِمِمَ الدُّرُوعِ عَلى ذَوي التَّيجَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

البحر: الماء الكثير، وأراد به هاهنا النهر الذي ذكره، ويذم: يعطي من نفسه عهدا، والحدثان: ما يحدثه الدهر من طوارفه، والمراعاة: المراقبة، والإخفار: نقض العهد، والذمم: العهود، والواحدة ذمة.

فيقول في النهر الذي قدم ذكره: بحر تعود يجتازه جيش إلى من خلفه، فكان يذم من جاوره على الدهر من أن يغشاه (...............).

ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: فتركته وإذا أجار من البرية، وأذم على جميع (................).

مُتَصَعْلِكِيْنَ على كَثَافَةِ مُلْكِهِمْمُتَوَاضِعِيْنَ على عَظِيْمِ الشَّانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
يَتَقَيَّلونَ ظِلالَ كُلَّ مُطَهَّمٍأَجَلِ الظَّلِيْمِ وَرِبْقةِ السرْحَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
خَضَعَتْ لِمْنْصُلِكَ المَنَاصِلْ عَنْوَةُوأَذَلَّ دِيْنُكَ سَائِرَ الأَدْيانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

التصعلك: الاحتمال على أفعال الصعاليك الذين لا مال لهم ولا نشب يرجعون إليه، فهم يفعلون ما بدا لهم غير (......)، والكثافة: الثخن وشدة الاقتحام، والتقيل: القصد والاعتماد، والمطهم: التام الخلق، والظليم: ذكر النعام، والربق والربقة: ما يشد به عنق الشاة، والسرحان: الذئب، والعنوة: القسر والغلبة.

فيقول، - وهو يريد بني حمدان -: إنهم يتصعلكون في حروبهم بالمباشرة لها، والتقدم في النهوض بها على كثافة ملكهم، وجلالة أمرهم، ويتواضعون مع عظيم شأنهم، وارتفاع منزلتهم ومكانتهم.

ثم قال: يتقيلون ظلال خيولهم المطهمة في خلقها، المقدمة في عتقها، فيسكنون إليها، ويألفون الراحة فيها، وتلك الخيل آجال الظلمان؛ لأنها لا يفوتها عند الطلب، وربق السراحين؛ لأنها (...............)، فأشار بما ذكره من راحتهم في ظلال خيولهم إلى ما هم عليه من مواصلة الغزو والمباشرة (................).

ثم قال لسيف الدولة: خضعت لسيفك سيوف ملوك الأمم عنوة، وأسلم جميعهم لأمرك هيبة، وأذل دين الإسلام سائر أديانهم، وأهان الله بجلالتك ما كان أرفع من شأنهم.

وعلى الدُّروبِ وفي الرُّجوعِ غَضَاضَةٌوالسَّيْرُ مُمْتَنِع مِنَ الإمكانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسَالكِ بالقَنَاوالكُفْرُ مُجْتَمِعٌ على الإيمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
نَظَروا إلى زُبَرِ الحَدِيْدِ كَأَنَّمايَصْعَدنَ بَيْنَ مَنَاكِبِ العِقْبَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

الدروب: المداخل إلى بلاد الروم، والغضاضة: الاحتقار والمهانة، والقنا: الرماح،

وزبر الحديد: (............).

فيقول لسيف الدولة: وعلى الدروب في حين اعتراض الروم (...........)، وضعف يتعلق بك، والتوقف لا يحسن والنهوض ممتنع لا يمكن.

ثم قال على نحو ما قدمه: وقد ضاقت مسالكها بالتفاف الرماح، وامتنع السير فيها لتكاثر السلاح، والكفر قد تداعت على الإيمان ضروبه، وتناصرت على الإيقاع به جموعه.

ثم قال: نظروا - يريد الروم - في ذلك الموقف إلى البيض في رؤوس فرسانك، وكأنها زبر حديد ماثلة، تحملها بين مناكبها عقبان طائرة، يصاولونهم فيستعلون عليهم، ويقصدونهم فيتسابقون إليهم.

وَفَوارِسٍ يُحْيِي الحِمَامُ نُفُوسَهَافَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
مَا زِلْتَ تَضْرِبُهُمْ دِراكاً في الوَغَىضَرْبَاً كَأَنَّ السَّيْفَ فِيْهِ اثْنانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
خَصَّ الجَمَاجِمَ والوُجُوهَ كَأَنَّمَاجَاَءتْ إليكَ جُسومُهُمْ بِأَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.