من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الأول (٢)
الحِمامُ: الموت، والحيوان: ما كان فيه حياة وحركة، والدراك: التتابع، والوغى: الحرب، والجماجم: الرؤوس.
فيقول، - وهو يريد الروم -: ونظروا من فرسان سيف الدولة إلى فوارس كأن الموت يحيي أنفسها لسرورها به (....)، فهم يتبادرون إليه، غير مستوحشين منه، ويقدمون عليه غير منحرفين عنه، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان (.......................................).
فَرَمَوْا بِمَا يَرْمُونَ عَنْهُ وأَدْبَرُوايَطَؤونَ كُلَّ حَنِيَّةٍ مِرْنَانِ
يَغْشَاهُمُ مَطَرُ السَّحَابِ مُفَصَّلاًبِمُهَنَّدٍ، ومُثَقَّفٍ وَسِنَانِ
حُرِمُوا الَّذي أَمَلُوا، وأَدْرَكَ مِنْهُمُآمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمَانِ
الحنية: القوس، والمرنان: التي تصوت عند الرمي، والمثقف: المقوم، وأملوا
بالتخفيف: لغة في أملوا، يدل على ذلك آمل، ومؤمل لا يكون إلا من أمل مثقل، وعاذ: لجأ.
فيقول، - وهو يريد الروم -: فرموا بالقسي التي كانوا يرمون عنها، وولوا هاربين، وأدبروا منهزمين، يطؤون كل حنية مرنان من قسيهم، وينبذون كل ما كانوا يستعملونه من سلاحهم.
ثم قال: يغشاهم من سلاح سيف الدولة ما هو كمطر السحاب في كثرته، وفي تتابعه وسرعته، إلا أنه مفصل بالسيوف المهندة، والرماح (...........) المحدودة.
ثم قال: حرموا الذي أملوه من الظفر في حربهم، والإنجاح في سعيهم، ومن تتبع ذلك (...........) قصاراه، والحتف ماله، وأدرك آماله منهم من ألجأ إلى الحرمان نفسه، مستنفدا في الفرار جهده، وكان (.............) عليه غنما أدركه، ورجاء بلغه.
وإذا الرَّمَاحُ شَغَلْنَ مُهْجَةَ ثَائِرٍشَغَلَتْهُ مُهْجَتُهُ عَن الإخْوَانِ
هَيْهَاتَ عَاقَ عَنِ العِوادِ قَوَاضِبٌكَثُرَ القَتِيْلُ بِهَا، وَقَلَّ العَانِي
وَمُهَذَّبٍ أَمَرَ المَنَايَا فِيْهِمُفَأَطَعْنَهُ في طَاعَةِ الرَّحْمانِ
الثائر: الذي يطلب بدم وليه، والعواد: المعاودة، والقواضب: السيوف القواطع، والعاني: الأسير.
فيقول: وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر بمطالبة نفسه، والإشراف على حتفه، شغلته مهجته على إخوانه وأحبته، وألهته عن الأقربين من ذوي مودته و (...)، كذلك كان المتخلص بالهرب من الروم في هذه الوقعة، مشغولا بنفسه عمن تخلفه من أهله، ومن أسلمه من قرابته (......).
ثم قال: هيهات، عاق الروم عن معاودة سيف الدولة ومناصبته، وأقعدهم عن
معارضته ومبارزته، سيوف قواضب أعملها فيهم، وسلطها عليهم، فكثر فيهم الفناء والقتل، وقل من أسعده البقاء والأسر.
ثم قال: وعاقهم عن المعاودة من سيف الدولة ملك مهذب، جليل معظم، أمر المنايا فيهم فأطعنه، واستجدها عليهم فأجبنه، مطيعات للرحمن بنصرته، متزلفات إليه بإعزاز دعوته.
قَدْ سَوَّدَتْ شَجَرَ الجِبالِ شُعُورُهُمْفَكَأَنَّ فِيْهِ مُسِفَّةَ الغِرْبَانِ
وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجِيْعُ القَانِيفَكَأَنَّهُ النَّارَنْجُ في الأَغْصَانِ
المسفة من الغربان وغيرها: التي تقرب من الأرض في طيرانها، والنجيع: الدم، والقاني: الشديد الحمرة، والنارنج: شجر له ثمر أحمر طيب الرائحة.
فيقول: إن ما نصبه جيش سيف الدولة من رؤوس الروم في أشجار الموضع الذي أوقع (......) ذلك الشجر، فكأن ما (...............) من شعورهم، وتغير فيها من رؤوسهم، غربان مسفة على الأرض، لا تزال ثابتة (...........) طائرة.
ثم قال: وجرى على ورق تلك الأشجار النجيع القاني من دمائهم، فكأنه النارنج في حمرته، وما (....) إلى الأمصار من (................................).
إِنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذين قُلُوبُهُمْكَقُلُوبِهِنَّ إِذا التَقَى الجَمْعَانِ
تَلْقَى الحُسَامَ عَلى جَرَاَءةِ حَدَّهِمِثْلَ الجَبَانِ بِكَفَّ كُلَّ جَبَانِ
الحسام: السيف القاطع، والجراءة: النفاذ والإقدام، يقال: جرو الرجل يجرو جراءة وجرأة.
فيقول: أن السيوف إنما تصح نصرتها، وتخلص معونتها للذين قلوبهم كقلوبها في الإقدام والجرأة، والشجاعة والشدة، فإذا التقى الجمعان فالسيوف تنصر من
الطائفتين أشبههم بقوتها، وأشدهم احتمالا على مثل جرأتها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: تلقى السيف الصارم على جراءة حده، ونفاذه في فعله، إذا صار في كف (....) كالرجل الجبان الذي يحجم ولا يقدم، ويفرق ولا يصدق. وإذا كان السيف في يد الشجاع جل قدره، وبان فضله، ونفذ فيما يستعمل فيه فعله. وهذا يصدق بما ذكره من أن السيوف إنما تنصر أشباهها من أهل الشدة، وتعين (...) من المشتهرين بالجرأة.
رَفَعَتْ بِكَ العَرَبُ وصَيَرَتْقِمَمَ المُلُوكِ مَواقِدَ النَّيْرانِ
أَنْسَابُ فَخْرِهِمُ إِليك وإِنَّماأَنْسَابُ أَصْلِهِمِ إِلى عَدْنَانِ
العماد والعمود: الخشية التي تكون في وسط الخباء فيعتمد عليها، والقمم: أعالي الرؤوس، وعدنان بن أد: إليه ينتسب أكثر العرب.
فيقول: رفعت العرب بك عماد فخرها، وأبانت بك مقدار شرفها، واستعملت بموضعك على من خالفها من الأمم (............)، وصيرت في قمم الملوك مواقد نيرانها، وأثافي قدورها، يشير إلى كثرة من قتله سيف الدولة (.............).
ثم قال مخاطبا له: أنساب العرب عند تعديد مفاخرهم، والإشارة بمآثرهم مصروفة إليك، مقصورة عليك، وغاية فخر جميعهم الاتصال بنسبك، والترفع بشرفك، وإن كانت أنساب أصولهم (....) عدنان بن أد، فكما أن عدنان (...........).
يَا مَنْ يُقَتَّلُ مَنْ أَرَادَ بسَيِفهِأَصْبَحْتُ مِنْ قَتْلاَكَ بِالإِحْسَانِ
فإذا رَأَيْتُكَ حَارَ دُونَكَ نَاظِريوإذا مَدَحْتُكَ حَارَ فِيْكَ لِسَانِي
القتل معروف، والحائر: الذي لا يهتدي لسبيله.
فيقول لسيف الدولة: يا من يقتل بسيفه من أراد فيغلبه، (.......) ويقهره
بإتلاف حياته، قد قهرني إحسانك فلا أستقل بشكره، وأعجزني فلا أقوم بأيسر حقه، فحالي حال المقتول به لعجزي عن أقل الواجب، وقد استبان من عجزي بتتابع إحسانك، كالذي استبان على من قتلته باستعلاء سلطانك.
ثم قال مخاطبا له، ومؤكدا لما قدمه: فإذا رأيتك حار بصري دون ما أقابله من بهائك وهيبتك، وجلالتك ورفعتك، وإذا مدحتك حار لساني في تعديد فضائلك، وإدراك حقيقة مكارمك (..........) بالعجز عما يجب في وصفك.
تحدث بحضرة سيف الدولة أن البطريق أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، ففعل، فخيب الله ظنه، وأتعس جده، فقال أبو الطيب، وأنشدنا إياه بحلب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:
عُقْبَى اليَمِيْنِ عَلَى عُقْبَى الوَغَى نَدَمُمَاذَا يَزيْدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ؟
وفي اليَمينِ على ما أَنْتَ فَاعِلُهُما دَلَّ أَنَّكَ في المِيْعَادِ مُتَّهَمُ
عقبى الشَّيِْ وعاقبته: آخره ومآله، والوغى: الحرب.
فيقول، وهو يريد صاحب جيش الروم، ويشير إلى (...) على التعرض للقاء سيف الدولة: عقبى اليمين على ما يستأنف في الحرب، ويعتقد أن (................................) صاحب جيش الروم، فقال: ماذا يزيد القسم في جرأتك، وما الذي تستفيد به من الإقدام (..........) في اليمين على ما وعدت به من نفسك، وزعمت أنك تظهره من فعلك، ما يدل على أنك متهم في وعدك، غير مستعد للصدق في قولك؛ لأن ما أقسمت عليه إنما يصدقه الوفاء به، ويحققه الاستكمال له، واليمين عليه.
آلى الفَتَى ابنُ شُمُشْقِيْقٍ فَأَحْنَثَهُفَتًى مِنَ الضَّرْبِ يُنْسَى عِنْدَهُ الكَلِمُ
وَفَاعِلٌ ما اشْتَهَى يُغْنِيْهِ عَن حَلِفٍعَلَى الفِعَالِ حُضُورُ الفِعْلِ والكَرَمِ
آلى الرجل: إذا حلف.
فيقول زاريا (............): آلى الفتى ابن شمشقيق على منازلة سيف الدولة ومقاومته، فأحنثه منه فتى ينسي باللعن والضرب، وإقدامه على شدائد الحرب، ما سلف من الكلم، وما تقدم في ذلك من القسم.
ثم أكد ما قدمه فقال: وأحنثه من سيف الدولة فاعل ما يشتهيه باتساع قدرته، واصل إلى ذلك بتمكن سعادته، يغنيه عن الحلف ما يعتقد فعله، والتقدم بذكر ما (......) إنفاذه لفعله (............) ذلك على حسب (.....
) مع كرمه الذي يمنعه من العجب بما يفعله، وشرفه الذي يغنيه عن الفخر بما يبلغه. وهذه العبارة وإن كان فيها زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة منه، وغير خارجه في الحقيقة عن قصده.
كُلُّ السُّيُوفُ إذا طَالَ الضّرابُ بِهَايَمَسُّهَا، غَيْرَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ السَّأَمُ
لَوْ كَلَّتِ الخَيْلُ حَتَّى لا تَحَمَّلُهتَحَمَّلَتْهُ إلى أَعْدَائِهِ الهمَمُ
السأم: الملل، والهمم: جمع همة، والهمة ما يهم به الإنسان مما يعتقد فعله.
فيقول: كل السيوف إذا طال الضراب بها (..........) الاستعمال لها، تسأم وتفتر، وتنتفل وتقصر، غير سيف الدولة (............) لا يقصر فعله.
ثم قال: لو كلت الخيل عن الاستقلال بحمله، وعجزت عن البلوغ به إلى قصده، لأنهضته (.............).
أَيْنَ البَطَارِيْقُ والحَلْفُ الذي حَلَفوابِمَفْرِقِ المَلْكِ، والزَّعْمُ الذي زَعَمُوا
وَلَّى صَوارِمَهُ إكذابَ قَوْلِهِمُفَهُنَّ أَلْسِنَةٌ أَفْواهُهَا القِمَمُ
نَواطِقٌ مُخْبِراتٌ في جَمَاجِمِهِمْعَنْهُ بِمَا جَهَلوا، منْهُ وما عَلِمُوا
البطاريق: أكابر الروم، والملك: الملك، والمفرق معروف، وأشار به إلى رأس الملك (...........)، والصوارم: السيوف، والقمم: أعالي الرؤوس.
فيقول: أين بطاريق الروم وحلفهم الذي حلفوا لملكهم، وزعمهم الذي زعموا له، وضمانهم الذي ضمنوه عنده انهم يلقون سيف الدولة معتزمين على مبارزته، مستميتين في مدافعته.
ثم قال: ولى سيف الدولة سيوفه إكذاب ما ضمنوه، وحملها إبطال ما زعموه (.......).
الرَّاجعُ الخَيْلَ مُحْفَاةً مقَوَّدَةًمِنْ كُلَّ مِثْلِ وَبَارٍ أَهْلُها إِرَمُ
كَتَلّ بِطْريقٍ المَغْرورِ سَاكِنُهابِأَنَّ دَارَكَ قِنَّسْرِيْنَ والأَجَمُ
وَظَنّهِمْ أَنَّكَ المِصْبَاحُ في حَلَبٍإِذا قَصَدْتَ سِوَاها عَادَها الظُّلَمُ
الراجع: الصارف، والمحفاة: التي أخفاها السير، والمقودة: التي تقاد ولا تركب لشدة إعيائها (..........)، وإرم: سكان (....) الهالكون فيها. ويقال: إن عادا هو ابن إرم، وتل بطريق. (.......................................) لسيف الدولة: الراجع الخيل من بلاد الروم موضع غزوة، مستقر عدوه، محفاة (..........)، مقودة إعيائها من شدة الركض من كل بلد كوبار الهالكة أهلها، كارم هذه الطائفة الذاهبة.
يريد أن سيف الدولة (.....................................).
ثم قال: كتل بطريق هذه البلدة التي اغتر ساكنوها (................................).
والشَّمْسُ يَعْنونَ إِلا أَنَّهُمْ جَهِلُواوالمَوْتَ يَدْعونَ إلاَّ أَنَّهُمْ وَهِمُوا
فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ نَاظِرِهَاإِلاَّ وَجَيْشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
والنَّقْعُ يَأُخُذُ حَرَّانَاً وَبَقْعَتَهاوالشَّمْسُ تُسْفِرُ أَحْيانَا وتَلْتَثِمُ
سُحْبٌ تَمُرُّ بِحِصْنِ الرَّانِ مُمْسِكَةًوما بِهَا البُخْلُ لَوْلاَ أَنَّها نِقَمُ
جَيْشٌ كَأَنَّكَ في أَرْضٍ تُطَاوِلُهُفَالأَرِضُ لا أَمَمٌ والجَيْشُ لا أُمَمُ
إِذا مَضَى عَلَمٌ مِنْهَا بَدَا عَلَمٌوإِنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
وَشُزَّبٌ أَحْمَتِ الشّعْرَى شَكائِمَهاوَوَسَّمَتْهَا على آنافِهَا الحَكَم
حَتَّى وَرَدْنَ بِسِمْنِيْنَ بُحَيْرَتَهاتِنِشُّ بالماءِ في أَشْداقِهَا اللُّجُمُ
وَأَصْبَحَتْ بِقُرَى هِنْزَبْطَ جَائِلَةًتَرْعَى الظُّبَا في خَصِيْبٍ نَبْتُهُ اللَّمَمُ
فما تَرَكْنَ بها خُلْدَاً له بَصَرٌتَحْتَ التُّرابِ ولا بَازاً لَهُ قَدَمُ
ولا هِزَبْرَاً لَهُ مِنْ دِرْعِهِ لِبَدٌولا مَهَاةً لَهَا مِنْ شِبْهِهَا حَشَمُ
تَرْمِي على شَفَراتِ الباتِراتِ بِهِمْمَكَامِنُ الأَرْضِ والغِطانُ والأُكُمُ
وَجَاوَزُوا أُرْسَناسا مُعْصِمِيْنَ بِهِوَكَيْفَ يَصْمُهُمْ ما لَيْسَ يَنْعَصِمُ
ولا تَصُدُّكَ عَنْ بَحْرٍ لَهُمْ سَعَةٌولا يَرُدُّكَ عَنْ طَوْدٍ لَهُمْ شَمَمُ
ضَرَبْتَهُ بِصُدورِ الخَيْلِ حَامِلَةًقَوْمَاً إِذا تَلِفُوا قُدْماً فَقَدْ سَلِمُوا
تَجَفَّلَ المَوْجُ عن لَبَّاتِ خَيْلِهمَكَمَا تَجَفَّلُ تَحْتَ الغَارَةِ النَّعَمُ
عَبَرْتَ تَقْدُمُهُمْ فيهِ وفي بَلَدٍسُكَّانُهُ رِمَمٌ، مَسْكُونُها حُمَمُ
وفي أَكُفَّهِمُ النَّار التي عُبِدَتْقَبْلَ المَجُوس إلى ذا اليَوْمِ تَضْطَرِمُ
هِنْدِيَّةٌ إِنْ تُصَغَّرْ مَعْشَراً صَغُرُوابِحَدَّها، أو تُعَظَّمِ مَعْشَراً عَظُمُوا
قَاسَمْتَهَا تَلَّ بِطْرِيْقٍ فَكانَ لَهاأَبْطَالُها، وَلَكَ الأَطْفَالُ والحُرَمُ
تَلْقَى لِهِمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبَةٌعَلى جَحَافِلِهَا مِنْ نَضْجِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوارِسُها، رُكَّابُ أَبْطُنِهَامَكْدُودَةٌ وَبقَوْم لا بَها الأَلَمُ
مِنَ الجِيَادِ التي كِدْتَ العَدوَّ بِهاومَا لَهَا خِلَقٌ مِنْهَا ولا شِيَمُ
نِتَاجُ رَأُيكَ في وَقْتٍ على عَجَلٍكَلَفْظِ حَرْفٍ وَعَاهُ سامِعٌ فَهِمُ
وَقَدْ تَمَنَّوا غَدَاةَ الدَّرْبِ في لَجَبٍأَن يُبْصِروكَ فَلَمَّا أَبْصَروكَ عَمُوا
صَدَمْتَهُمْ بِخَمِسْسٍ أَنْتَ غُرَّتُهُوَسَمْهَرِيَّتُه في وَجْهِهِ غَمَمُ
فَكَانَ أَثْبَتَ ما فِيهِمْ جُسُومُهُمُيَسْقُطْنَ حَوْلَكَ والأَرْواحُ تَنْهَزِمُ
والأَعْوَجِيَّةُ مِلءُ الطُّرْقِ خَلْفَهُمُوالمَشْرَفِيَّةُ مِلءُ اليَومِ فَوْقَهُمُ
إِذا توافَقَتِ الضَّرْبَاتُ صَاعِدَةًتَوَافَقَتْ قُلَلٌ في الجَوَّ تَصْطدِمُ
وَأَسْلَمَ ابنُ شُمُشْقيقٍ أَلِيَّتَهُإِلا انْثَنَى فَهْوَ يَنْأَى وهي تَبْتَسِمُ
لا يَاُمُلُ النَّفَسَ الأَقْصَى لِمُهْجَتِهِفَيَسْرِقُ النَّفَسَ الأَدْنَى ويَغْتَنِمُ
تَرُدُّ قَنَا الفُرْسَانِ سَابِغَةٌصَوْبُ الأَسِنَّة في أَثْنَائهَا دِيَمُ
تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُهاكَأَنَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
فَلاَ سَقَى الغَيْثُ ما وَارَاهُ مِنْ شَجَرٍلَوْ زَلَّ عَنْهُ لَوارَى شَخْصَهُ الرَّخَمُ
أَلْهَى المَمَالِكَ عَنْ فَخْرٍ قَفَلْتَ لِهِشُرْبُ المُدَامَةِ والأَوْتارُ والنَّغَمُ
مُقَلَّداً فَوْقَ شُكْرِ اللَّهِ ذا شُطَبٍلا تُسْتَدَامُ بِأَمْضَى مِنْهُمَا النَّعَمُ
أَلْقَتْ إِليكَ دِماءُ الرُّوم طَاعَتهافَلَوْ دَعَوْتَ بِلا ضَرْبٍ أَجَابَ دَمُ
يُسَابِقُ القَتْلُ فِيْهمْ كُلَّ حَادِثَةٍفَمَا يُصِيْبُهُمُ مَوْتٌ ولا هَرَمُ
نَفَتْ رُقَادَ عَليًّ عَنْ مَحَاجِرِهِنَفْسٌ يُفَرّجُ نَفْساً غَيْرَها الحُلُمُ
القائِمُ المَلِكُ الهادِي الذي شَهِدَتْقِيَامَهُ وهُدَاهُ العُرْبُ والعَجَمُ
ابنُ المُعَفَّرِ في نَجْدٍ فَوَارِسَهَابِسَيْفِهِ وَلَهُ كُوفَانُ والحَرَمُ
لا تَطْلُبَنَّ كَرِيْماً بَعْدَ رُؤيَتِهِإِنَّ الكِرامَ بأَسْخَاهُمْ يَدَاً خُتِمُوا
وتوفيت أخت سيف الدولة وورد خبرها الكوفة، فقال أبو الطيب يرثيها، وكتب بالرثاء إليه:
يا أُخْتَ خَيْرِ أَخٍ يا بِنْتَ خَيْرِ أَبٍكِنَايَةً بِهِما عَنْ أَشْرَفِ النَّسَبِ
أُجِلُّ قَدْرَكَ أَنْ تُسْمَى مُؤبَّنَةٌوَمَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ
لا يَمْلِكُ الطَّرِبُ المَحْزُونُ مَنْطِقَهُوَدَمْعُهُ وَهُمَا في قَبْضَةِ الطَّرَبِ
الكناية: الإشارة إلى الشيء دون إظهار له، والتأبين: البكاء على الميت بعد موته، والطرب: خفة تغلب الإنسان عند شدة الفرح والحزن.
فيقول وهو يشير بالأخ إلى سيف الدولة، وبالأب إلى أبي الهيجاء أبيه: يا أخت خير الأخوة وأكرمهم، وابنة ارفع الآباء وأفضلهم، كناية بهذه المقابلة عن النسب الذي لا يعادل في شرف منصبه، والحسب الذي لا يماثل في كرم محتده.
ثم قال: أجل قدرك أيتها المؤبنة عن أن أرثيك مصرحا باسمك، وأندبك معليا بذكرك، ومن وصفك فقد سماك بعامة العرب؛ لأن أوصافك عليهم غير ملتبسة.
ثم قال: لا يملك الطرب، الذي غلبه حزنه، والمفجوع الذي قد استولى عليه وجله، منطقه، فيجريه على قصده، ودمعه، [فيرسله] على حكمه، إذا كان المنطق والدمع في قبضة الطرب، واستولى عليه شدة الأسف. وأراد أنه لم يخرجه بالأوصاف التي قامت مقام التسمية بها، والمفاخر الذي عرفت العرب بها، إلا أنه صار من الحزن إلى حال لم يملك معها دمعة، ولا صرف على إرادته نطقه.
غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ
وَكَمْ صَحِبْتَ أَخَاهَا في مُنازَلَةٍوَكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَجِبِ
اللجب: اختلاط الأصوات، والمنازلة: المقاتلة.
فيقول: غدرت أيها الموت بهذه المتوفاة، وضيعت ما كان يلزمك من حقها، ومراعاة أمرها، فكم أفنيت بإصابتك لها من عدد قوم كان فضلها يظهرهم ويجمعهم، وكم أسكت من لجب طوائف كان إحسانها يعمهم ويشملهم.
ثم قال وهو يشير إلى سيف الدولة: وكم صبحت أخاها في منازلته لأعاديه، ومداومته لمغازيه، وكم سألته من نفوس فيما سلف من ملاحمه، وتقدم من وقائعه، فلم يبخل عليك لكثرة من قتله، ولا خبت لديه لعظيم ما فعله. وهذا من التجوز الذي لا يخفى قصد قائله، ولا يجري على الحقيقة لفظ ناظمه، وإنما أراد المتوفاة كانت من بيان الفضل، وجلالة القدر، على حال لو أن الموت يحفظ لأحد ذمة لحفظ لها ذمتها، ولو راعى وكيد حرمة، لما أخل برعاية حرمتها.
طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاَءني خَبَرٌفَزِعْتُ فِيْهِ بآمالِي إِلى الكَذِبِ
حَتَّى إِذا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلاًشَرِقْتُ بالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بِي
تَعَثَّرتْ بِهِ في الأَفْوَاهِ أَلْسُنُهاوالُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ
طي البلاد: قطعها، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشيء: الاعتصام به، والشرق: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من عثار أرجل، والبرد: رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها بريد.
فيقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، حتى طرقني بغتة، وورد علي فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه، ومخادعة نفسي بأمره.
ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا أتعلل بانتظاره، ورجاء أخدع نفسي بارتقابه، أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع، فأذريت ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كألمي له، وأشرقه كشرقي به.
ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تبنه لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، كذلك تعثرت به البرد في الطرق استثقالا لحمله، والأقلام في الكتب استراها لذكره.
كَأَنَّ فَعْلَةَ لم تَمْلأْ مَوَاكِبُهاديِارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ
ولم تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍوَلَمْ تُغِثْ دَاعِياً بالوَيْلِ وَالحَرَبِ
فعلة: كناية عن اسم المتوفاة عَلَى سَبِيْلِ التَّعْظِيمِ لَهَا، وديار بكر: بلد كان فيه استقرارها، والويل والحرب: كلمتان يدعو بهما المفجوع.
فيقول: كأن هذه المتوفاة لم تملا ديار بكر بالمواكب من حولها، والجموع من خدمها، ولم تخلع هنالك على من قصدها، ولم تهب الجزيل من العطاء لمن رجاها وأملها.
ثم قال: وكأنها لم تلاقي من يئس عن الجياة بإحسانها وعفوها، ولم تغث من يدعو على نفسه بالويل والحرب بتداركها وفضلها. يشير إلى ما كانت عليه من جلالة القدر، وما عدم بموتها من الإحسان والفضل.
أَرى العِراقَ طَويلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْفكَيْفَ لَيْلُ فَتى الفِتْيانِ في حَلَبِ
يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادي غَيْرُ مُلْتَهِبٍوَأَنَّ دَمْعَ جُفونِي غَيْرُ مًنْسَكِبِ
العراقُ: بلاد معروفة، كان أبو الطيب فيها صناعته لهذا الشعر، وحلب: مدينة من مدائن الشام كان فيها استقرار سيف الدولة، والفؤاد: القلب، والالتهاب: التوقد، والمنسكب: السريع الجري.
فيقول: أراني بالعراق طويل الليل؛ لكثرة السهر، شديد الحزن؛ بكثرة الأسف، مذ نعيت هذه المتوفاة، فكيف ليل سيف الدولة؛ فتى الفتيان، وولي الإحسان في حلب؛ دار ملكه، وموضع مستقره.
ثم قال: أتراه يظن أني لا أشاركه في حزنه، وأساهمه في توجعه ورزئه، وأن فؤادي غير ملتهب لما دهمه، ودمع جفوني غير منسكب لما طرقه.
بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُراعِيَةًلِحُرْمَةِ المَجْدِ والقُصَّادِ والأَدَبِ
وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْروثٍ خَلاَئِقُهاوَإِنْ مَضَتْ يَدُها مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ
وَهَمُّها في العُلاَ والمَجْدِ ناشِئَةًوَهَمُّ أَترابِها في اللَّهْوِ واللَّعِبِ
الحرمة: ما لا يضيع من الذمام، والمراعاة: المحافظة، والنشب: المال الثابت.
فيقول: بلى أني على أفضل ما يمكنني من مشاركة سيف الدولة، أقسم على ذلك بحرمة هذه المتوفاة، التي لم أزل مراعية لحرمة المجد، مثنية بالعطاء عن القصد، معظمة للأدب وأهله، عالمة بما يجب من حقه.
ثم قال على نحو ما قدمه من القسم بالمتوفاة: ومضت وخلائقها معدومة غير موروثة، ومفقودة غير موجودة، وإن كانت يدها مضت، وما أفادته هباتها من النشب، موروث لا ينفد، ومشهود لا يفقد.
ثم قال: وهمها من أول نشأتها في العلى والمجد وما تكسبه من الشكر والحمد، لا تدع ذلك ولا تغفله، ولا تتناساه ولا تهمله، وهم أترابها ممن حدث سنه، وتقاصر عمره، في اللهو والنعمة، واللعب والغفلة.
يَعْلَنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمهاوليسَ يَعْلَمُ إلاَّ اللهُ بالشَّنَبِ
مَسَرَّةٌ في قُلُوبِ الطَّيْبِ مَفْرِقُهاوحَسْرةٌ في قُلوبِ البَيْضِ واليَلَبِ
إِذا رَأَى وَرَاَءها رَأْسَ لابِسِهِرَأَى المَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ في الرُّتَبِ
الشنب: بريق الثغر مع ما يجول عليه من رضاب الفم، ومفرق الرأس: معروف، وبيض الحديد: معروفة أيضا، واحدتها بيضة، واليلب: الدرق، وقيل إنها بيض تتخذ من جلود الإبل، تصرف تصريف بيض الحديد، وصرف الضمير في قوله: لابسه إلى البيض واليلب، وأفرد لأنه أراد هذا الضرب من السلاح، وحمل الكلام على المعنى دون اللفظ، والعرب تفعل ذلك.
[فيقول]، وهو يريد الأتراب اللواتي قدم ذكرهن: يعلمن حسن مبسم المتوفاة من الحجاب، وجلالة النصاب، [ولا] يخبر شنب ذلك المبسم إلا الله الذي أتقن صنعه، وأكمل حسنه، وأشار إلى أنها ارتفعت عن أن تساوى في شرفها فتتزوج، وتماثل
في زمانها فتملك.
ثم قال: مسرة في قلوب الطيب وضروبه، استعمالها له، والتباس مفرقها به، واستعار للطيب قلبا على سبيل التجوز، وجمعه على معنى أن الطيب جنس اشتمل على ضروب كثيرة، وحسرة في قلوب البيض واليلب، ما تبغيه من أن يعلق ذلك المفرق، وتحمل ذلك الموضع.
ثم قال: إذا رأى هذا الضرب من السلاح رأس من يلبسه، ورأى هذه السيدة الجليلة، والعقيلة الكريمة، رأى المقانع التي تستعملها مكانه، وتحلها محله، أعلى منه رتبة، وأظهر جلالة ورفعة. يشير إلى أنها مع التأنيث يتواضع عنها فحول الرجال، ولا يساويها مشاهير الأبطال.
فَأِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْكَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثى العَقْلِ والحَسَبِ
وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الغَلْبَاءُ عُنْصُرَهافَإِنَّ الخَمْرِ مَعْنى لَيْسَ في العِنَبِ
الحسب: الشرف، وتغلب: القبيلة المعروفة، إليها ينسب بنو حمدان، والغلباء الضخمة القوية، والعنصر: الأصل.
فيقول: فإن تكن هذه المتوفاة أنثى في خلقها، وامرأة في حقيقتها، وكان التأنيث من صفات النقصان، فقد خلقت هي كريمة سيدة، فاضلة مقدمة، غير أنثى في عقلها وحسبها، ولا منقصة في رفعتها وشرفها.
ثم قال: وإن تكن تغلب؛ هذه القبيلة، مع جلالتها واشتهار فخامتها، أصل هذه المتوفاة، وكان لها من بين نسائها الشرف الذي لا يعادل، والفضل الذي يماثل، فذلك غير بديع، فالعنب أصل الخمر، وليس فيه ما يوجد في الخمر من توليد الفرح، وإثارة الطرب. يشير إلى أن الفرع قد يشرف أصله، والآخر قد يفضل أوله.
فَلَيْتَ طالعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌوَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ
وَلَيْتَ عَيْنَ التي آبَ النَّهارُ بَهَافِداءُ عَيْنِ زَالَتْ وَلَمْ تَوبِ
فَمَا تَقَلَّدَ بالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَاوَلاَ تَقَلَّدَ بالهِنْدِيَّةِ القُضُبِ
عين الشيء: شخصه، وآب: بمعنى رجع، والقضب: القواطع: الواحد قضيب.
فيقول: فليت طالعة الشمسين غائبة، يريد: المتوفاة، وشمس النهار، والطالع منهما: الشمس المعهود، فتمناها أن تكون غائبة لا تطلع، ومعدومة لا ترجع، وليت هذه الشمس المفقودة طلعت موضعها فلم تعدم، وأقامت مكانها فلم تفقد، وكنى عن المتوفاة بالشمس، مشيرا إلى علو رتبتها، واستبانة شرفها ورفعتها.
ثم قال على نحو ذلك: وليت عين الشمس المعهود التي رجع النهار بها طالعة، وأظهرها بعد الغروب مشرقة، فداء عين الشمس التي غابت، فلم تكن لغيبتها أوبة، وفقدت فلم تكن لفقدها رجعة.
ثم قال مشيرا إلى موضع المتوفاة من الفضل، ومنزلتها من كرم الأصل: فما تقلد بالياقوت من النساء من أشبهها، ولا تقلد بالسيوف الصارمة من الرجال من يعدل بها، يريد: أنها فضلت النساء والرجال من أهل دهرها، وزادت عليهم بشرفها وقدرها.
وَلا ذَكَرْتُ جَمِيلاً مِنْ صَنائِعِهاإِلا بَكَيْتُ وَلاَ وُدٌّ بِلا سَبَبِ
قَدْ كَانَ كُلُ حِجَابٍ دُونَ رُؤيَتِهافَمَا قَنِعتِ لَهَا يا أَرْضُ بالحُجُبِ
وَلاَ رَأَيْتِ عُيونَ الإنسِ تُدْرِكُهافَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْها أَعْيُنَ الشُّهُبِ!
الصنائع: الأيادي المشكورة، واحدتها صنيعة، والشهب: النجوم.
فيقول: ولا ذكرت جميلا مما كانت توليه، وكثيرا مما كانت تفعله وتسديه، إلا بكيت حزنا ورقة، وأسفت توجعا وشفقة، ولا يكون الود دون سبب يبعث عليه، ولا يتمكن دون موجب يقود إليه، وإحسان هذه المتوفاة أوجب علي ودها، وألزمني أن أنشر فضلها.
ثم قال: قد كان دون رؤيتها كل حجاب يمنع مثله، وكل شيء من الستر يمكن فعله، فما قنعت لها أيها الأرض حتى حجبتها بسترك، وصيرتها مغيبة مغيبة في تربك.
ثم قال: وقد كنت أيها الأرض آمنة عليها من عيون الإنس، أن تدركها من أبصارهم وأن تلحظها، أفتراك حسدت عليها أعين الكواكب فتضمنتها مغيبة لها؟! واشتملت عليها لبخلك بها؟! وأشار بهذا القول إلى موضع المتوفاة من الستر، وما كانت عليه من جلالة القدر.
وهل سَمِعْتِ سَلاَمَاً لِي أَلمَّ بِهَا؟فَقَدْ أطَلْتُ وما سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ
وَكَيْفَ يَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتي دُفِنَتْوَقَدْ يُقَصّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الغَيَبِ
الكثب: القرب.
فيقول: وهل سمعت أيتها الأرض من سلامي الذي أردده، وذكري الذي أوصله؟ فقد أطلت في ذلك، وما تناولته من قرب، فأستمع من أخاطبه، وأدرك من هذا ما أحاوله.
ثم قال: وكيف يبلغ ما اسلم به موتانا الذين سترهم الدفن وغيبهم الترب، وهو يقصر عن أحيائنا الذين غيبهم عنا انتزاح منازلهم، وتباعدهم منا في مواضعهم.
يا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى القُلُوبِ بهاوَقُلْ لِصَاحِبِه يا أَنْفَعَ السُّحُبِ
وَأكرمَ النَّاسِ لا مُسْتَثْنِيا أَحَداًمِنَ الكِرَامِ سِوَى آبائِكَ النُّجُبِ
يقول، وهو يريد سيف الدولة، أخا المتوفاة المرثية: يا أحسن الصبر وأوفره، زر أولى القلوب بهذه المتوفاة، يريد: قلب سيف الدولة الذي هو شفيق اخوتها، وأقعد الناس بقرابتها، وقل أيها الصبر لصاحب ذلك القلب، مخاطبا لسيف الدولة، ومرفعا به: يا أنفع السحب الساجمة، وأحمد الغيوث الوابلة.
ثم قال، على نحو ما قدمه، مخاطبا لسيف الدولة: ويا اكرم الناس! لا استثني أحدا
منهم، ولا أخص مذكرا فيهم، سوى آبائك النجب السادة، والرؤساء القادة، فهم الذين بلغوا من الكرم غايته، وأحرزوا من الفضل نهايته، فليس يجوز لأحد أن يبلغ من الكرم ما لم يبلغوه، ويفعل من الجميل ما لم يفعلوه.
قَدْ كانَ قاسَمَكَ الشَّخْصَيْنِ دَهْرَهماوَعَاشَ دُرُّهُمَا المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ
وَعَادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تَارِكُهُإِنَّا لَنَغْفُلُ والأَيَّامُ في الطَّلَبِ
ما كَانَ أَقْصَرَ وَقْتَاً كانَ بَيْنهُمَاكَأَنَّهُ الوَقْتُ بَيْنَ الورْدِ والقَرَبِ
القرب: الدنو من الماء، والورد: الاحتلال به.
فيقول لسيف الدولة، ذاكرا لتتابع وفاة أختيه، وتأخر الكبرى التي رثاها بهذا الشعر بعد الصغرى: قد كان قاسمك الدهر الشخصين اللذين كنت تأنس بهما، وتسكن إليهما، وآثرك بالأحب إليك، وكلاهما كريم في نفسه، رفيع في حاله، وكنت كمن كان له در وذهب؛ فرزي بالذهب ومتع بالدر، ونامت عنه فيه حوادث الدهر.
ثم قال: وعاد الدهر عليك في طلب ما تركه، واسترجاع ما سلمه، يريد: ما حدث عليه بوفاة أخته الكبرى التي عزاه بها، إنا لنغفل والأيام طالبة، والحوادث في الإسراع نحونا جاهدة.
ثم قال، يريد أختي سيف الدولة المتوفاتين: ما كان أسرع ما كان بينهما من المدة، وأقل ما لحق ذلك من المهملة، كأنه لخفة وقعته، وسرعة جملته، ما بين القرب والورد، اللذين يتصلان بلا تأخر، ويتواليان دون توقف.!
جَزَاكَ رَبُّكَ بالأَحْزَانِ مَغْفِرَةًفَحُزْنُ كُلَّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الغَضَبِ
وأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخو نُفُوسُكُمُبِمَا يَهَبْنَ ولا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ
حَلَلْتُمْ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلَّهِمُمَحَلَّ القَنَا سُمْرِ القَنَا مِنْ سَائِرِ القَصَبِ
يقول لسيف الدولة: جزاك ربك بالأحزان التي تحدث على رزاياك مغفرة تشملك، وتجاوزا يعجله لك، فحزن الحزين باب من الغضب؛ لأنه يتخبط حاله، ويتكره
شأنه، وهذه سبيل صاحبها فقير إلى تجاوز ربه، وتداركه لمغفرة ذنبه.
ثم قال يخاطبه: وأنت وقومك نفر أعزة، وملوك أجلة، تسخو أنفسكم بجليل الهبات، وتسمح بجسيم الصلات، ولا تسمحون لقليل تستلبونه، ويسير تغتصبونه، ومن أصيب بحميم فالحزن مخوف عليه، وشدة الأسف سريعة إليه.
ثم قال يخاطبه: حللت وقومك من بين سائر الملوك في علوكم عليهم، وتقدمكم فيهم، وإن كان الاسم يجمعكم بهم، محل قنا الرماح من سائر القصب التي تشاركه في الاسم، وتنفرد دونه بالغناء والفضل.
فَلا تَنَلْكَ اللَّيْالي إِن أَيْدِيَهاإِذا ضَرَبْنَ كَسَرنَ النَّبْعَ بالغربِ
ولا يُعِنَّ عَدوّاً أَنْتَ قَاهِرُهُفإنَّهُنَّ يَصَدْنَ الصَّقْرَ بالخَرَبِ
وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ فَجَعْنَ بِهِوَقَدْ أَتَيْنَكَ في الحالَيْنِ بِالعَجَبِ
النبع: شجر صلب العود تعمل منه القسي، والغرب: شجر ليست له صلابة النبع ولا كرمه، والصقر: طائر من الجوارح كالبازي وما أشبهه، والخرب: ذكر الحبارى.
فيقول داعيا لسيف الدولة: فلا جعل الله الليالي أن تنالك بمكروهها، وتتخطى إليك بمحذورها، فإن أيديها تكسر الأكثر بالأقل، وتحط الأرفع بالأوضع. وجعل النبع والغرب كالمثل في ذلك، وجعل لليالي أيديا على سبيل الاستعارة.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا جعلها اله أن تعين عدوا أنت قاهره، وتظهر عليك مخالفا أنت غالبه، فإن شأنها أن تظهر الدني على السري، وتديل الضعيف على القوي.
ثم قال على نحو ما قدمه، وهو يريد الليالي، وإن سررن بمحبوب فجعن بفقده، وإن أنسن به أعقبن ببعده، وقد أتينك، يخاطب سيف الدولة، من الحالين؛ في السرور بمن كنت تأنس به، والحزن بما أعقب ذلك من وفاته، والأسف له، بعجب
عجيب، وواعظ بليغ، والسكون إلى مساعدة الدهر غرور، والتمتع بمسرته يسير.
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الإنْسَانُ غَايَتَهاوَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لُبَانَتَهُوَلاَ انْتَهَى أَرَبٌ إِلاَّ إِلى أَرَبِ
الاحتساب: التقدير، واللبانة: الحاجة، والأرب: المراد.
فيقول: وربما احتسب الإنسان ما تصيبه الليالي من صروفها، وتعتمده به من خطوبها، غاية فعلها، ومبلغ جهدها، ثم تفجأه بعد ذلك بما لم يبلغه تقديره، ولا انتهت إليه ظنونه.
ثم قال: وهي مع ذلك مرجوة فائدتها، ومنتظرة عائدتها، لا يقضي أحد منها غاية لبانته، ولا يبلغ فيها جملة إرادته؛ لأن أربه فيها موصول بمثله، وأمله مشفوع لشبهه.
تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لا اتَّفَاقَ لَهُمْإِلاَّ عَلَى شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَّجَبِ
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سَالِمَةًوقِيْلَ تَشْرَكَ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ
وَمَنْ تَفَكَّرَ في الدُّنْيَا ومهْجَتِهِأَقامَهُ الفِكْرُ بَيْنَ العَجْزِ والتَّعَبِ
الشجب: الموت.
فيقول: تخالف الناس مدة الدهر في مذاهبهم، وتداينوا في مقاصدهم، فليس بينهم اتفاق إلا على الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه، وهم في الموت مع تيقنهم له، على عادتهم في الاختلاف، وما عهد منهم من قلة الائتلاف.
ثم وصف اختلافهم في الموت فقال: منهم من يذهب إلى أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام إلى مواقيتها باقية، ومنهم من يذهب إلى أنها بفناء الأجسام فانية، وكلا القولين قد روي وذكر، وكثر الاختلاف فيه ونقل.
ثم قال: ومن تفكر في الدنيا، وتصرفها في أمور نفسه وتقلبها، أقامه فكرة بين التعب فيما يتدبره، والعجز عما يعاينه ويطلبه. يشير إلى أن علم الإنسان يسير،
وهو على العجز والنقصان مفطور.
وأنفذ إليه كتابا إلى الكوفة يحصله بأمان، وسأله فيه المسير إليه، فأجابه عنه، وأنفذها إلى ميارفارقين في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
فَهِمْتُ الكِتَابَ أَبَرَّ الكُتُبْفَسَمْعَاً لأَمْرِ أَميرِ العَرَبْ
وَطَوْعاً لَهُ وابْتِهَاجَاً بِهِوإنْ قَصَّرَ الفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ
أبر الكتب: بمعنى أصدقها، وسمع: مصدر بمعنى الوقوف عند الأمر.
فيقول لسيف الدولة: قرأت كتابك، أبر الكتب وأكرمها، وأعزها وأفضلها، فسمعا لأمرك يا أمير العرب وسيدهم، وزعيمهم وأوحدهم.
ثم قال: وطوعا لكتابك وابتهاجا، ووقوفا عنده وامتثالا له، وإن قصر فعلي عما يجب من حقك، وعجز كثير شكري عما أحاط به من فضلك.
وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الوُشَاةِوَإِنَّ الوِشَايَاتِ طُرْقُ الكَذِبْ
وتَكْثِيرُ قَوْمٍ وَتَقْلِيْلُهُمْوَتَقْرِيْبُهُمْ بَيْنَنَا والخَبَبْ
وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُوَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ والحَسَبْ
عاقني: بمعنى صرفني، والوشايات: النمائم، والوشاة: الناقلون لها، والتقريب والخبب: ضربان سريعان من المشي، والحسب: الشرف.
فيقول لسيف الدولة: وما عاقني عن قصدك، ولا صرفني عن استيطان أرضك، غير تخوفي من الوشاة وكذبهم، وتوقعي لأهل الحسد وحيلهم، والوشايات طريق أهل الكذب، والنمائم سلاح أهل الحسد.
ثم أكد ذلك فقال: وما توقعته مما عهدته من تكثير أولئك الوشاة في جهتي عند التقرب، وتقليلهم عند قلة الاهتبال بهم، وتقريبهم بيننا، وخببهم بما يختلقونه من إفكهم، واجتهادهم فيما ينقلونه من كذبهم.
ثم قال مخبرا عن سيف الدولة: وقد كان ينصرهم باستماع ما ينقلونه وإظهار التقبل لما يقولونه، وينصرني قلبه بجميل معتقده، ويسعدني شرفه بكريم مذهبه، فكان يسمع منهم في جهتي ما لا يصدقه، ويظهر الإصغاء إليهم فيما لا يحققه.
وما قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجيْنُولا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتِ الذَّهَبْ
فَيَقْلَقَ مِنْهُ البَعِيْدُ الأَنَاةِويَغْضَبُ مِنْهُ البَطِيءُ الغَضَبْ
اللجين والذهب: معروفان، وبعد الأناة: شدة التثبيت.
فيقول: وما بخست سيف الدولة يسيرا من حقه، ولا قصرت به في شيء من ذكره، ولا وصفته بأقل أوصافه، ولا نسبته إلى أخص أحواله، فأكون كمن مثل البدر بالجين، والشمس بالذهب، فلم يعط التمثيل حقه، ولا في التشبيه قسطه، مع قليل ما فرط فيه، ويسير ما دخل من السهو عليه، ولكنني وصفته غير مقصر في وصفه، ومدحته غير متأخر في مدحه.
ثم قال: ولم يكن فيما ذكرته به ما يقلق منه مثله، من أهل الأناة البعيدة، والتؤدة الشديدة، وما يغضب منه من يبطئ الحلم بغضبه، ويحمله على التلبث شرف حسبه.
وما لاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْولا اعْتَضْتُ مِنْ ريَّ نُعْمايَ رَبْ
ومَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الجَوَدِ أَنْكَرَ أَظْلافَهُ والغَبَبْ
لاق الشيء بالشيء: إذا ضمه ولصقبه، ورب الشيء: مالكه، والأظلاف من الشاة والثور: بمنزلة الحافر من الدابة، وغبب الثور: ما تحت عنقه من الجلدة الرخوة.
فيقول لسيف الدولة: وما لاقني بلد بعدك أستقر فيه، ووطن أعتمد عليه، ولا اعتضت منك وأنت رب نعمتي، وحافظ جملتي، ربا أسند إلى فضله، ومالكا أتعبد نفسي لمثله.
ثم قال: ومن صحبك على جلالتك، وشاهدك مع عظيم سيادتك، ثم فارقك وصحب غيرك ممن يتسمى بالإمرة، وينتسب إلى العلو والرفعة، وأحواله مع ذلك تعقده، وأخلاقه تقصر به وتؤخره، كان كمن ركب الثور مع هجنة خلقه، بعد ركوب الجواد المتقدم في عتقه. وهذه العبارة وإن لم تجر على رتبة لفظه فهي
معربة عن حقيقة قصده.
وما قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ البلادِفَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ، بِمَنْ في حَلَبْ
ولو كُنْتُ سَمَّيْتُهُم بِاسْمِهِلَكانَ الحَدِيْدَ وكانُوا الخَشَبْ
أَفي الرَّأْي يُشْبِهُ، أَمْ في السَّخاءِ، أَمْ في الشَّجاعَةِ، أَمْ فِي الأَدَبْ؟
حلب: مدينة من ثغور الشام فيها كان مستقر سيف الدولة.
فيقول: وما قست ملوك البلاد بجملتهم، غير مستثن لأحد من جماعتهم بمن في حلب منهم، يريد سيف الدولة، إلا كانوا لا يساوونه في أقل فضائله، ولا يحكون منه أخصر مكارمه.
ثم قال: ولو كنت سميتهم باسمه، وألحقهم به في اللقب المعرب عن قدره؛ يشير إلى معنى سيف الدولة، هذا الاسم، لكان هو السيف حقيقة في مضائه وجدته، وصرامته وشدته، وكانوا هم من السيوف كالخشبة في نبوهم وكلالهم، وضعفهم ومهابتهم.
ثم قال: وفي أي خصاله يشبهونه، أفي رأيه وصحته، أم في سخائه وكثرته، أم في شجاعته وصرامته، أم في أدبه ونباهته؟! وكل هذه الأحوال تقدمه عليهم، وتحكم له بالشرف فيهم.
مُبارَكُ الاسْمِ، أَغرُّ اللَّقَبِكَرِيْمُ الجرِشَّى، شَرِيفُ النَّسَبْ
أَخُو الحَرْبِ، يُخْدِمُ ممَّا سَبَىقَنَاهُ، ويَخْلَعُ مما سَلَبْ
إِذا حَازَ مالاً فَقَدْ حَازَهُفَتًى لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
الأغر: الفاضل، ولقب الرجل: ما وسم به، والجرشى: النفس.
فيقول في الممدوح، واسمه علي، ولقبه سيف الدولة: مبارك الاسم، فاضل اللقب، كريم النفس، شريف النسب، أخو حروب يداومها، وغزوات يواصلها، فهو يخدم قاصده من الإماء والعبيد، ما سبته رماحه وصوارمه، ويخلع عليه مما أفادته
ملاحمه ووقائعه.
ثم قال: إذا حاز المال وجمعه، واستفاده وتملكه، فقد حازه فيه فتى لا يسر من المال إلا بما وهبه، ولا يغتبط منه إلا بما أعطاه ومنحه.
وإِنّي لأُتْبِعُ تَذْكَارَهُصَلاَةَ الإِلهِ وسَقْيَ السُّحُبْ
وأُثْنِي عَلَيْهِ بآلائِهِوأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ
فَإِنْ فارَقَتْني أَمْطارُهُفَأَكْثَرُ غُدْرَانِها ما نَضَبْ
التذكار: التذكر، وصلاة الإله: رحمته، والآلاء: النعم، والغدران: مجامع المياة، والنضوب: الجفوف.
فيقول: وإني لأتبع تذكري لسيف الدولة أفضل الدعاء وأبلغه، وأزكاه وأكرمه، وأسأل الله أن يخصه بزلفاه ورحمته، وأن يسقيه من السحاب بحسب رغبته، وأثني عليه بآلائه الشاملة، وأياديه الحديثة السالفة، وأقرب منه بامتثالي له، وما اعتقده من تعلق أملي به، أكان مني بعيدا نائيا، أو كان مني قريبا دانيا.
ثم قال: وإن فارقتني نعمه السابغة، ولم تسقني أمطاره الساجمة، فآثار تلك النعم، وغدران تلك السحب، مشهورة عندي لا تبعد، وكثيرة لدي لا تنفد.
أَيَا سَيْفَ رَيّكَ لا خَلْقِهِويا ذا المَكارِمِ لا ذا الشُّطَبْ
وأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةًوأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بالرُّتَبْ
وأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطَّيَّةًوأَضْرَبَ مَنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ
الشطب: طرائق في متن السيف، واحدتها شطبة، والخطية: واحدة من قنا الرماح، تنسب إلى الخط، وهو بلد معروف. فيقول لسيف الدولة: أيا سيف الله، لا سيف أحد من خلقه، ويا رحمته التي يبسطها في أرضه، ويا ذا المكارم لا ذا الشطب، يريد: إنه وإن وافقه السيف في اسمه، فإنه يفارقه بمشهور فضله.
ثم قال: ويا أبعد ذوي الهمم همة، وأظهرهم علوا ورفعة، ويا أعرف ذوي
المراتب بحقائق الرتب، واقعدهم بكرم الحسب.
ثم قال: ويا أطعن من حمل رمحا بنفسه، وأضرب من قلب حساما بكفه؛ يشير إلى إنه أعلم الناس بالطعن والضرب، وأشدهم إقداما على مضائق الحرب.
بِذا اللَّفظِ ناداكَ أَهْلُ الثُّغورِفَلَبَّيْتَ والهَامُ تَحْتَ القُضُبْ
وَقَد يَئِسوا مِنْ لَذيذِ الحَيَاةِفَعَيْنُ تَغُورُ وقَلْبٌ يَجِبْ
القضب: السيوف القواضب، واحدها قضيب، والقضب: القطع، ووجيب القلب: شدة خفقانه.
فيقول لسيف الدولة، بعد ما ذكره من فضائله: بمثل ما أقول به في وصفك، وأعدده من فضائلك في مدحك، ناداك أهل الثغور مستصرخين لك، واستعانوا مستجيرين بك، عند نزول الروم عليهم، وتصميم جموعهم إليهم، فلبيتهم مسرعا نحوهم، وأغثتهم مؤمنا ذعرهم، وهامهم تحت السيوف تمتثل وقعها، وأنفسهم في قبض الحتوف وهي ترتقب فعلها.
ثم قال: وقد يئسوا عن لذة الحياة لعظيم ما لحقهم، وتيقنوا مباشرة الهلاك؛ لكثرة من حل من الروم بهم، فعين ثغور لما نالهم من السهر والتعب، وقلب يجب لما اشرفوا عليه من مقاربه العطب.
وَغرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الوُشَاةِ: إِنَّ عَليَّاً ثَقِيْلٌ وَصِبْ
وقد عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُإذا هَمَّ وهو عَلِيلٌ رَكِبْ
الدمستق: صاحب جيش الروم، والوشاة: الأعداء، والثقيل: الضعيف عن الحركة، والوصب: الشديد المرض.
فيقول: وغر الدمستق عند تحركه إلى ثغور المسلمين قول من كان يواليه على سيف الدولة من أهل تلك البلاد، إنه ثقيل المرض، شديد الشكية والألم، فتحرك وقد أمن إغاثة سيف الدولة للثغر، وتحقق ما كان فيه من الألم والضر.
ثم قال: وقد علمت خيل سيف الدولة أن علته لا تثني همته، وشكاته لا تعوق عزيمته، وإنه إذا هم عليل ركب غير متوقف، وإذا أراد أمرا أمضاه غير متلوم، وأن تجلده لا تثنيه العلل، واعتزامه لا يصرفه الألم.
أَتاهُمْ بأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْطِوال السَّبِيْب قِصارَ العُسُبْ
تَغِيْبُ الشَّواهِقُ في جَيْشِهِوتَبْدو صِغاراً إذا لم تَغِبْ
ولا تَعْبُرُ الرَّيحُ في جَوَّهِإذا لَمْ تَخَطَّ القَنَا أَو تَثِبْ
السبيب: خصل الذنب، والعسب: جمع عسيب وهو العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب، وقصره من الفرس دليل على عتقه، وطول سبائبه من شواهد كرمه، والشواهق: الجبال العالية، واحدها: شاهق،
والجو ما ارتفع من الهواء.
فيقول، وهو يشير إلى سيف الدولة، وإلى أهل الثغر: أتاهم الدمستق بجيش ضاقت عنه أرضهم، وزادت سعته على سعة بلدهم، كثيرة جموعه، كريمة خيوله؛ سبائب تلك الخيول...، تغيب شواهق تلك الجبال في ذلك الجيش لعظمه، وتخفى فيه لكثرة عدده، وما بدا منها فهو صغير في عين مبصره، قليل فيما يسبق إلى متأمله.
ثم قال: يمنع ذلك الجيش الريح من أن تعبره لتكاثف كتائبه، ويعوقها عن أن تسلكه لالتفاف رماح عواليه، فليس تنهض الريح في جوه إلا مستعلية متحيلة، ولا تتخلص منه إلا مرتفعة متوثبة.
فَغَرَّقَ مُذْنَهُمُ بالجُيوشِوأَخْفَتَ أَصْواتَهُمْ باللَّجَبْ
فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِباً قَتْلَهُمْوأَخْيِبْ بِهِ تارِكاً ما طَلَبْ
الأخفات: الإخفاء، واللجب: اختلاط أصوات أهل العسكر.
فيقول: فغرق الدمستق مدن الثغر في جمعه، وغيبها فيما أحاط بها من حشده،
واخفت أصوات أهلها بلجبه، وغطى عليها بكثرة عدده، فما أخبثه في طلب قتلهم، ومحاولة الظفر بهم، عند معرفته بعلة سيف الدولة، ومسارعته إلى انتهاز تلك الفرصة، ومبادرة تلك الغرة، وما أخيبه في ترك مت طلبه، وإعراضه عما قصده، عند مقاربة سيف الدولة له، ودنوه منه، واعتصامه بالفرار بنفسه، ومعرفته بما له مع سيف الدولة في حربه.
نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ باللَّقاءِوجئتَ فَقَاتَلَهُمْ بالهَرَبْ
وكانوا لَهُ الفَخْرَ لَما أَتَىوكُنْتَ لَهُ العُذْرَ أَمْا ذَهَبْ
يقول لسيف الدولة: نأيت عن أهل الثغر، ووقفتك عنهم علتك، فقاتلهم الدمستق بغزو أرضهم، ولقاء خيلهم، وجئت نحوهم فقاتلهم بالهرب عنهم، والفرار منهم.
ثم قال: وكانوا له الفخر بغزوه إليهم، وإقدامه عليهم، وكنت له العذر في انصرافه عما كان أنفذه من قصدهم، وفراره عما اقتحم فيه من أرضهم؛ لأن من عجز عن حربك فهو غير ملوم في عجزه، ومن فر عن لقاك فهو غير مضيق عليه في عذره.
سَبَقْتَ إليْهِمْ مَنَاياهُمُومَنْفَعَةُ الغَوْثِ قَبْلَ العَطَبْ
فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّداًوَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدوا لِلصُّلُبْ
وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بالرَّدَىوَكَشَّفتَ مِنْ كُرَبٍ بالكُرَبْ
ذدت: بمعنى دفعت، والعطب: الهلاك.
فيقول لسيف الدولة: سبقت إليهم مناياهم التي كانت قد قاربتهم ومهالكهم التي كانت شافهتهم، مسرعا نحوهم غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، ومنفعة الغوث أن تكون قبل وقوع العطب، وفائدته أن يسبق به قبل حلول التلف.
ثم قال: فخر أهل الثغر لخالقهم ساجدين لقصدك نحوهم، ونادوك شاكرين على احتلالك أرضهم، ولو لم تغثهم لغلبت الروم عليهم وكانوا يفتنونهم عن دينهم،
ويلزمونهم السجود لصليبهم.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: وكم دفعت عن أهل الثغر من وقائع الروم بإيقاعك بهم، وكم صرفت عنهم من رداهم بردى أحدثته عليهم، وكم كشفت من كربهم؛ الكرب التي واليتها على الروم في قتلك لهم، وإيقاعك بهم، فأمنت أهل الثغور بإخافتهم، وأرحتهم بمواصلة نكايتهم.
وَقَدْ زَعَموا إنه إِنْ يَعُدْيَعُدْ مَعهُ المَلِكُ المُعْتَصِبْ
ويَسْتَنْصِرانِ الذي يَعْبدانِوعِنْدَهُما إنه قَدْ صُلِبْ
ويَدْفَعُ ما نَالَهُ عَنْهُمافيا لَرَّجالِ لِهذا العَجَبْ
المعتصب: ملك الروم الأعظم الذي يعتصب بالتاج، والاعتصاب بالتاج: حمله على الرأس، موضع العصابة.
فيقول: وقد زعم الروم أن الدمستق إن عاد إلى الثغر عاد معه ملكهم الأعظم المعتصب بالتاج، فحشد مع نفسه جميعهم، وكثر بحضوره عديدهم.
ثم قال: ويستنصران عيسى بن مريم الذي يعتقدون ربوبيته، ولا ينكرون إلهيته، ويزعمون مع ذلك أن اليهود صلبوه واستضعفوه وغلبوه.
فيقول: إنه سيدفع عن الدمستق وعن ملك الروم من القتل ما لم يدفعه عن نفسه، ويملك من أمرهما ما لم يملكه من أمره، فيا للرجال لهذا العجب العجيب، والثناء الغريب.
أَرى المُسْلِمينَ مَعَ المُشْرِكِيْنَإِما لِعَجْزٍ وإِما رَهَبْ
وأَنْتَ مَعَ اللَّهِ في جَانِبٍقَلِيْلُ الرُّقَادِ كَثيرُ التَّعَبْ
كأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُوَدانَ البَريَّةُ بِابْنٍ وأَبْ
الرهب: الخوف.
فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم
ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم.
ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن.
ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، وكان من سواك من المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه.
فَلَيْتَ سُيُوفَكَ في حاسِدٍإذا ما ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَئِبْ
ولَيْتَ شَكاتَكَ في جِسْمِهولَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ زحُبْ
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنْكَ أَضْعَفَ حَظًّ بِأَقْوى سَبَبْ
يقول: فليت سيوفك معملة في حاسد ينكر مشهور فضلك، ولا يعرف لك بكريم سعيك، فإذا أظهرك الله على الروم أسف وحزن، وإذا أظفرك بهم ارتمض واكتأب.
ثم قال: وليت شكاتك في جسم ذلك الحاسد، يكفيك ألمها، وعلتك مقصورة عليه، تنوب عنك في تحملها، وليتك تجزي من أحبك على مقدار حبه، ومن أبغضك بمقدار ما يعتقده لك من بغضه، فتقارض كلا بقسطه، وتجزيه على حقيقة قدره.
ثم قال: فلو كان ذلك رأيك ومذهبك، واختيارك ومعتقدك، لنلت أضعف حظ من تقبلك، بأقوى سبب أمت به من الإخلاص لك. يشير إلى أن سيف الدولة يغمض لكثير ممن حوله، على ما تيقن منه من قلة الخالصة، والبعد من سلامة الناحية، وإنه اغفل أمر أبي الطيب مع ما هو عليه من ثابت البصيرة في مودته ونصحه، وخالص النية في الاعتراف بإحسانه وفضله.
نجز ما قاله أبو الطيب في سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وفي جملة ذلك الأشعار الثلاثة التي كتب بها إليه من العراق، وهي آخرها، أثبتناه من أشعاره
فيه.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع