تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٨)

وقال حسان بن جعد القنفذي، وخرج إلى عبد الله بن خازم بخراسان فلم يحمده - أي لم يجده محمودا - وانصرف من عنده وقال:

(الثاني من الطويل والقافية متدارك)

أبلغ بني خازم أني مفارقهم وقائل لجمالي غدوة بيني

إني امرؤ غرض من كل منزلة لا شدتي تبتغي فيها ولا ليني

وقائل لجمالي أي أني أرحل عنهم غدا وأفارقهم، وغرض أي ضجر من كل منزلة لا يحتاج إلي فيها في حالتي الحرب والسلم. المعني: يقول أني أبي النفس لا أرضي ما يرضي به العاجز، إذا لم أر صاحبي مظهرًا الحاجة إلي فارقته.

وقال القتال الكلابي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إذا هم همأ لم ير الليل غمةعليه ولم تصعب عليه المراكب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

قرى الهم إذ ضاف الزماع فأصبحت منازله تعتس فيها الثعالب

جليد كريم خيمه وطباعهعلى خير ما تبني عليه الضرائب
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

قرى الهم أي إضافة، والزماع، العزم على الأمر، تعتس فيها الثعالب أي تطوف فيها، والخيم الخلق. المعنى: يصفه بالجلادة وأن ظلمة الليل لا تمنعه من ركوب الأسفار وأنه لما هم بالشئ أزمعه فأخلى منازله حتى صارت مأوى الثعالب، ثم وصفه بحسن الخلق وكرم الطباع.

إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب

يرى أن بعد العسر يسرًا ولا يرى إذا كان عسر أنه الدهر لازب

يبتئس يفتعل من البؤس أي لم يحزن إذا جاع، والساغب الجائع، ولازب دائم. المعنى: يقول: لا يبطره اليسر ولا يبئسه العسر أي هو حسن الاحتمال في الغني والفقر، ويصفه بسعة الخلق وبعد الهمة وأنه لا يقنط من الخير إذا ناله العسر.

وقال أوس بن حبناء التميمي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إذا المرء أولاك الهوان فأوله هوانا وإن كانت قريبا أواصره

فإن أنت لم تقدر على أن تهينه فذره إلى اليوم الذي أنت قادره

وقارب إذا ما لمتكن لك حيلة وصمم إذا أيقنت أنك عاقره

الأواصر جمع آصرة وهى القرابة العاطفة، يقال طبق الضارب إذا أصاب المفصل فقطعه، وصمم إذا أصاب العظم ففصله. المعنى: يدل على الدهاء، ويهدي إلى الجلادة، يقول من أهانك فهنه وإن كان بينكما رحم فإن عجزت عن إهانته فلا تظهر له ما في نفسك وانتظر به الوقت الذي تقدر عليه فيه، وداره فإن أيقنت أنك متمكن منه فاستأصله، ويروى عن المأمون أنه قال: "إذا مد العدو إليك يده فاقطعها فإن لم تقدر على ذلك فقبلها".

وقال آخر:

(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)

إني إذا ما القوم كانوا أنجيه

واضطرب القوم اضطراب الأرشيه

وشد فوق بعضهم بالأرويه

هناك أوصيني ولا توصي بيه

أنجية جمع نجي وهو المناجي، والأروية جمع رواء وهو حبل يشد به على البعير خوف السقوط، والهاء في "بيه" لبيان الفتح. المعنى: فيه قولان: أحدهما أنه أراد إذا اجتمع القوم يتناجون في أمر عظيم، واختلفوا فيه اختلاف الحبال إذا التوى بعضها على بعض، وشد فوق بعضهم بالأروية أمسك بالجهد لعجزه هناك أوصيني أيتها المرأة ولا توصي بيه، فإنهم يحتاجون إلي ولا أحتاج إليهم. والقول

الآخر أنه أراد إذا كان القوم يتناجون في النوم على ظهور رواحلهم لا في اليقظة واضطربوا من النعاس اضطراب الحبال، وشد بعضهم على الرواحل مخافة السقوط هناك أوصيني بجلادتي ولا توصي بي، والأول أصوب لقوله: "كانوا أنجية" ولا خلاف في أنه يصف جلادته.

وقال المتلمس وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله، وهذا قول الكلبي، وقال أبو عبيدة: هو جرير بن زيد وسمي متلمسا ببيت قاله وهو:

فهذا أوان العرض حي ذبابه زنابيره والأزرق المتلمس

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألم تر أن المرء رهن منية صريعا لعافي الطير أو سوف يرمس

يرمس: يدفن تحت التراب. المعنى يقول: إن الإنسان صائر إلى إحدى المنزلتين يقتل فيعفوه الطير أو يموت على فراشه فيدفن، أي لابد من الموت في كل حال.

فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرا وجلدك أملس

فمن طلب الأوتار ما حز أنفه قصير وخاض الموت بالسيف بيهس

نعامة لما صرع القوم رهطه تبين في أثوابه كيف يلبس

جلدك أملس يريد نقيًا من العار، ومعنى فمن طلب الأوتار يعني قصير بن سعد اللخمي، صاحب جذيمة بن مالك بن فهم الأزدي الذي يقال له جذيمة الأبرش وجذيمة الوضاح، وأما بيهس فهو الذيوصف بنعامة والنعامة تحمق، وبيهس هوفزارة، وكان له تسعة أخوة قتلوا جميعًا، فرجع إلى أمه فقالت: أنجوت أنت منبينهم؟ ! فقال: لو خيرت لاخترت، وكانت قبل ذلك لا تحبه، فصارت تحبه لما لم يبق غيره من أولادها، فلما قتل أخوته لم يلبس ثوبه إلا مقلوبًا، وكان يحمق في ذلك أيضًا. المعنى: يهون أمر الموت ويبين أن نيل المراد مع ركوب الخطر.

وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا

ألم تر أن الجون أصبح راسيا تطيف به الأيام ما يتأيس

عصى تبعا أزمان أهلكت القرى يطان عليه بالصفيح ويكلس

هلم إليها قد أثيرت زروعها وعادت عليها المنجنون تكدس

فهذا أوان العض حي ذبابه نابيره والأزرق المتلمس

أي إنما هم عن قريب لا يكونون كما لم يكونوا من قبل، وتبقى أحاديثهم حسنة أو قبيحة، وما العجز إلا أن يقبلوا الضم فيجلسوا عن طلب الثأر، والجون اسم حصن باليمامة معروف، وراسيًا أي ثابتًا، وقال أبو عبيدة: الجون حصن باليمن من حصون طسم وجديس، وما يتأيس ما يتغير أي لم يقدر تبع على هذا الحصن، التبابعة ملوك اليمن، كما أن الخلائف ملوك الإسلام، ويكلس أي يطين ويصهرج، والصفيح الحجارة الغليظة، وهلم إليها استهزاء، أي أنك لا تقدر عليها فإن قدرت فهلم فقد أثيرت زروعها،

والمنجنون الدولاب وتكدس أي ترتفع وتنحدر كما يتكدس الإنسان في مشيته، يلقى نفسه إلقاء. وقال أبو سعيد التكدس التقحم، والعرض اسم واد معروف، ويروى "جن ذنابه" أي كثر لأن الذباب لا يكون في القفر، وجعل ذبابه لساعًا قتالاً. المعنى: يحث على المنعة ويحذر قبول الضم مخافة أن يتحدث عنه بالعجز، وذكر الجون وعصياته تبعًا فلم يقدر تبع عليه ثم هدد من طمع فيه، ودعاه إليه على سبيل الاستهزاء غير مكترث به.

وجمع بني قران فاعرض عليهم فإن يقبلوا هاتات التي نحن نؤبس

أي نقر أبسه يأبسه أبسًا قهره. والمعنى: أعرض على جمع بني قران مما تريد منا من القهر فإن يقبلوا ذلك فإنا لا نقبل.

فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله وإلا فإنا نحن آبي وأشمس

أي أفعل من الإباء وأشمس من قولهم دابة شموس. المعنى: يذكر العدو والنصفة يقول: إن وددتمونا وددناكم، وإن تعززتهم علينا فنحن أولى بالعزة والإباء.

فإن يك عنا في حبيب تثاقل فقد كان فينا مقنب ما يعرس

حبيب قبيلة وقيل: أنه حبيب لكنه خففه للضرورة، والمقنب جماعة من ثلاثين إلى المائة، وجمعه مقانب. المعنى يقول: إن لميرافدنا بنو حبيب ففينا كفاية.

يكون نذير من وراثي جنة وينصرني منهم جلي وأحمس

نذير قبيلة وجلي وأحمس حيان. المعنى: إن تأخرت بنو حبيب عن نصري فإن في هؤلاء القبائل نذير وجلي وأحمس كفاية.

وقال سعد بن ناشب:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

تفندني فيما ترى من شراستي وشدة نفسي أم سعد فما تدري

فقلت لها إن الكريم وإن حلا ليلفي على حال أمر من الصبر

وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ومن لا يهب يحمل على مركب وعر

تفندني أي تجهلني. المعنى يصف امرأته - وهي أم سعد - لامته في صعوبة نفسه ولم تدر وإن أجابها إن الكريم وإن كان حلوًا فقد يضطر أحيانًا إلى المزاودة لأنه اللين يستضعف والشديد يهاب.

وما بي على من لان لي من فظاظة ولكنني فظ أبي على القسر

أقيم صغا ذي الميل حتى أرده وأخطمه حتى يعود إلى القدر

المعنى: ليس بفظ على من لان لي، ولكن فظاظتي على من هو يروم قهري، ومعنى البيت الأخير أقيم ميل المائل حتى أرده إلى القصد وأذله حتى يعود إلى مقداره.

فإن تعذليني تعذلي بي مرزأ كريم نثا الإعسار مشترك اليسر

إذا هم ألقى بين عينيه همه وصمم تصميم السريجي ذي الأثر

المرزأ: الذي أصيب ماله مرة بعد أخرى. المعنى: يصف بأنه معتاد للنوائب، كريم عند العسر، بذول عند اليسر، ماض في الأمور مضي السيف ذي الرونق.

وقال أيضاً:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

لا توعدنا يا بلال فإننا وإن نحن لم نشقق عصا الدين أحرار

وإن لنا إما خشيناك مذهبا إلى حيث [لا] نخشاك والدهر أطوار

فلا تحملنا بعد سمع وطاعة على غاية فيها الشقاق أو العار

فإنا إذا ما الحرب ألقت قناعها بها حين يجفوها بنوها لأبرار

ولسنا بمحتلين دار هضيمة مخافة موت إن بنا نبت الدار

والدهر أطوار أي أحوال يعني يدور حالا بعد حال، وهذا تهديد منه، أي لا يبقى لك ما أنت فيه، وإن لنا مذهبًا أي لنا طريق الهرب إلى موضع لا نخافك ولا تظلمنا، محتلين: نازلين. المعنى: يخاطب بلال بن أبي بردة ويقول: لا تهددنا فإنا أحرار نأبي الضيم وإن لم نخالفك، وإن خوفتنا فلنا مهرب إل حيث لا تقدر علينا، والدهر لا يبقى على حاله، ولا تحملنا بعد سمع وطاعة لك على أن صبرنا عليه كان عارا، وإن لم نصبر عليه كان شقاقا.

وقال قراد بن عباد:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إن المرء لم تغضب له حين يغضب فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا

ولم يحبه بالنصر قوم أعزةمقاحيم في الأمر الذي يتهيب
للشاعر قراد بن العيار المازني، من قصيدة «إذا المرء لم يغضب له حين يغضب»

تهضمه أدنى العدو ولم يزل وإن كان عضا بالظلامة يضرب

ويروى بالملامة ويروى "اركبوا الخيل" والعض: الداهية كأنه عضه الدهر وأثر فيه، وهو فعل بمعنى مفعول. المعنى: يقول: إذا انفرد الرجل ولم يكن له فوارس يغضبون بغضبه، ويركبون إلى الحرب بأمره، ولم ينصره قوم يدخلون في الأمور الصعاب استضعفه أدنى العدو، ولم يزل يظلم وإن كان داهية، وفي المثل "من قل ذل".

فآخ لحال السلم من شئت وعلمن بأن سوى مولاك في الحرب أجنب

ومولاك مولاك الذي إن دعوته أجابك طوعًا الدماء تصبب

فلا تخذل المولى وإن كان ظالما فإن به تثأى الأمور وترأب

تثأى: تفسد يعني أمور الأعداء، وترأب أي تصلح أمور ابن عمك. المعنى لا تعتمد في الشدائد الأجانب واعتمد على ابن عمك، فإن دعوته والدماء تسيل أجابك وغيره يجانبك، فلا تخذله واحتمله وإن كان ظالماً، فإن تفسد أمور الأعداء تصلح أمور الأولياء، وهذه الأبيات فيها حث على مواصلة بني الأعمام.

وقال زاهر أبو كدام التميمي، وبارزه رجل من يشكر يقال له تيم وكان فارسًا فقتله:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

لله تيم أي رمح طراد لاقى الحمام به ونصل جلاد

ومحش حرب مقدم متعرض للموت غير معرد حياد

كالليث لا يثنيه عن إقدامه خوف الردى وقعاقع الإيعاد

مذل بمهجته إذا ما كذبت خوف المنية نجدة الأنجاد

لله تيم يمدحه، أي رمح طراد ونصل حلاد، يشبهه بالرمح والسيف ومحش حرب كقولك: مسعر حرب، وحياد رواع، مذل بمهجته أي قلق بروحه لا يضن بها، إذا كذبت نجدة الأنجاد أي شجاعة الشجعان. المعني: يمدح قرنه الذي قتله بالجلادة وشبهه بالرمح والسيف الليث، ويصفه بأنه يسمح بروحه إذا خاف الشجعان.

ساقيته كأس الردى بأسنة ذلق مؤللة الشفار حداد

فطعنته والخيل في رهج الوغى نجلاء تنضح مثل لون الجادي

فكأنما كانت يدي من حتفه لما انثنيت له على ميعاد

فهوى وجائشها يفور بمزبد من جوفه متدارك الإزباد

ساقيته أي سقيته معناه قتلته بالأسنة الزلق المحددة، والجادي الزعفران، ومعنى فكأنما كانت أي لما انثنيت لطعنه فهلك مع طعنتي فكأنه كانت على ميعاد وهوى سقط، وجائشها أي دم الطعنة، يفور أي يسيل بدم له زبد، وقال: طعنته بأسنة وإنما هو سنان واحد، وقد مدح القرن الذي وصفه، وهم إذا مدحوا القرن بعد القتل كان المدح راجعًا إليهم.

وقال عمرو القنا:

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

القائلين إذا هم بالقنا خرجوا من غمرة الموت في حوماتها عودوا

عادوا فعادوا كراما لا تنابلةعند اللقاء ولا رعش رعاديد
للشاعر عمرو القنا العنبري، اقرأ القصيدة

الحومة: مزدحم القتال لأن الأقران يحومون هناك، والتنابلة: القصار واحدهم تنبال. المعنى: يصفهم باعتياد الحروب وأنهم إذا خرجوا من شدة الموت فأمروا بمعاودتها عادوا كرامًا من غير عجز ولا جبن، ويروى "القائلون".

لا قوم أكرم منهم حين قال لهم محرض الموت عن أحسابكم ذودوا

وقال الفرزدق:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

إن تنصفونا يال مروان نقترب إليكم وإلا فأذنوا ببعاد

فإن لنا عنكم مزاحًا ومذهبًابعيس إلى ريح الفلاة صواد
مخيسة بزل تخايل في البرىسوار على طول الفلاة غواد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن تنصفونا يا لمروان نقترب»

فأذنوا ببعاد أي اعلموا أنا نبعد عنكم هربًا، ومزاحًا: مبعدًا من زاح

يزوح، ومذهبًا أي موضعًا نذهب فيه، ومخيسة مذللة في السير، وتخايل في البرى أي تتكبر، عليها البرى لأنها لا تبالي بالسير. المعنى: يظهر الآباء يقول: يال مروان بن الحجم أن تنصفونا دنونا إليكم بالطاعة وإلا فارقناكم فإنا نجد عنكم مذهبًا بابل عطاش إلى ريح الفلاة مذللة في السير قوية تتكبر في براها، وهي تسير ليلاً ونهارًا على طول الفلاة.

وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب وكل بلاد أوطنت كبلادي

المعنى: الأرض واسعة والبعد عن الجائر فيها ممكن، والبلاد سواء، ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: "ليس بينك وبين البلدان عداوة فخير البلاد ما حللت".

وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن خلفنا حفير زياد

فباست أبي الحجاج واست عجوزه عتيد بهم ترتعي بوهاد

فلولا بنو مروان كان ابن يوسف كما كان عبدًا من عبيد إياد

زمان هو العبد المقر بذلهيراوح صبيان القرى ويغادي
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

حفير زياد: الذي حفره زياد بن سمية، ويقال له زياد بن أبيه، وانتسب إلى بني سفيان وقبيلة معاوية، وقوله فباست ... البيت العتيد تصغير العتود وهو ما شب ورعى، وإنما سمي عتودا لأنه معتد للأكل شبه عجوزه بعتود تحقيرًا وجعلها ترتعي الوهاد لأنها لا تجسر على النشاز فزعًا، ومعنى يراوح ... البيت، يقال أن الحجاج كان معلمًا بالطائف في بعض القرى فأراد بالعبد الأجير لأنه ذليل. المعنى: يذم الحجاج ويستخف به ويقول: ما الذي تقدر علينا فينا إذا جاوزنا ناحية البصرة وأخذنا في البادية، ثم قال استهانة باست أبيه واست أمه ما يريده، فهو يشبهها بولد الماعز ضعفًا وجبنا، ثم قال مظهرًا أنه لا قديم له فلولا بنو مروان الذين رفعوا الحجاج كان أجيرًا كما كان في الوقت الذي كان يعلم فيه غلمان القرى.

وقال بعضهم:

(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)

قد علم المستأخرون في الوهل

إذا السيوف عريت من الخلل

أن الفرار لا يزيد في الأجل

المستأخرون: المتأخرون، والخلل سيور تنسج وتجعل في ذؤابة السيف. المعنى: في الأبيات تشجيع يقول: قد علم الذين يتأخرون في الحرب إذا جردت السيوف أن فرارهم لا يزيد في آجالهم فلم يفرقون؟

وقال شبيل الفزاري، وحاربه بنو أخيه فقتلهم:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

أيا لهفي على من كنت أدعو فيكفيني وساعده الشديد

وما عن ذلةٍ غلبوا ولكنكذاك الأسد تفرسها الأسود
للشاعر شبل الفزاري، اقرأ القصيدة

المعنى: يتلهف على من قتل من قومه أنه كان يجيبه إذا دعاه، ويكفيه بساعده الشديد، وقال: لم يغلبوا لذل كان فيهم، ولكن الذين قاتلوهم كانوا مثلهم والأسود يقتلها الأسود، وهذا كما قيل: "الحديد بالحديد يفلح".

فلولا أنهم سبقت إليهم سوابق نبلنا وهم بعيد

لحاسونا حياض الموت حتى تطاير من جوانبنا شريد

لحاسونا كقولك ساقونا من حسا. المعنى: لولا أن سبقناهم بالسهام وهم بعيد فدفعناهم بها عنا لسقونا من حياض الموت أي لقتلونا حتى تطاير الشريد أي الطريد يعني ينهزم المنهزم.

وقال قطري بن الفجاءة، وهو أبو نعامة الخارجي الفزاري.

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألا أيها الباغي البراز تقرباأساقك بالموت الذعاف المقشبا

فما في تساوي الموت في الحرب سبة على شاربيه فاسقني منه واشربا

الذعاف السم، والمقشب الذي خلط فيه القشب، وهو ضرب من السموم، سبة أي عيب، واشربا أراد واشربن، فوقف على النون الخفيفة. المعنى: يا أيها الطالب مبارزتي أدن مني أسقك السم بالموت، فليس في الموت في الحرب عار فقاتلني، يظهر بسالته.

وقال دارج حين طعن:

(السادس من السريع والقافية من المتواتر)

شدي على العصب أم كهمس

ولا تهلك أذرع وأرؤس

مقطعات ورقاب خنس

فإنما نحن غداة الأنحس

هيم بهيم طليت تمرس

الكهمس في اللغة القصير، وأم كهمس امرأته، لا تهلك لا تفزعك، وخنس جميع خانس وهو المنقبض، والهيم الإبل العطاش، وتمرس تحكك. المعنى: يأمر امرأته بشد جراحته شديدًا ويسكن منها، ويخفف عندها قطع الأيدي والأرؤس، ويقول: نحن وأعداؤنا صبيحة الأنحس مثل الإبل تحتك بإبل أخرى، يعني شدة القتال.

وقال الأرقط بن رعبل بن الكلب العنبري، ولقي هو وابن له يسمى نجمًا لصوصًا فقاتلاهم وظفرا بهم.

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

إني ونجمًا يوم أبرق مازن على كثرة الأيدى لمؤتسيان

يلوذ أمامي لوذة بلبانه وترهب عنا نبعة ويمان

ونغشى فنغشى ثم نرمى فنرتمي ونضرب ضربًا ليس فيه توان

أبرق مازن هو الموضع لاذي التقي فيه هو واللصوص، وقوله على كثرة الأيدي يعني أدي الأعداء، ولمؤتسيان أي معتضدان يواسي أحدنا صاحبه ويقتدي به في المجاهدة، وقوله: ويرهب عنا نبعة ويمان أي يفزع اللصوص عنا قوس وسيف، وقله ونغشي فنغشي أي يحمل علينا اللصوص فنحمل عليهم، والتواني التقصير من الونية والونى وهو الكلال. المعنى: يحمد ابنه نجمًا على ما كان منه في مجاهدة اللصوص مساعدة له واقتداء به.

وقال وداك بن ثميل المازني:

(الثالث من السريع والقافية من المتواتر)

نفسي فداء لبني مازن من شمس في الحرب أبطال

هيم إلى الموت إذا خبروا بين تباعات وتقتال

حموا حماهم ومسا بيتهم في باذخات الشرف العالي

بين تباعات وتقتال أي بين ما يتتبعهم من العار أن يفعلوا وبين المقاتلة أي يختارون الموت على العار، وباذخات عاليات. المعنى: يمدح بني مازن بالبطولة ويصفهم بأنهم يختارون الموت على ما فيه العار، وأنهم حفظوا بلادهم من العدو وعلوا في الشرف.

وقال سوار بن المضرب السعدي:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

أجنوب إنك لو رأيت فوارسي بالسيف حين تبادر الأشرار

سعة الطريق مخافة أن يؤسرواوالخيل تتبعهم وهم فرار
يدعون سوارًا إذا احمر القناولكل يوم كريهة سوار

جنوب: اسم امرأة، والسيف: شاطئ البحر، وإذا احمر القنا يعني إذا اشتدت الحرب وكثر الطعن. المعنى: يصف شجاعته واستعانة القوم إياه في عدة الحرب يقول: يا جنوب لو رأيت بالسيف فوارس قومي يهربون ويسبق بعضهم بعضًا مخافة الأسر يدعونني في كل يوم حرب لتعجبت مني أو لعرفت فضلي.

وقال أبو حزابة التميمي:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

من كان أحجم أو خامت حقيقته عند الحفاظ فلم يقدم على القحم

فعقبة بن زهير يوم نازلهجمع من الترك لم يحجم ولم يخم
مشمر للمنايا عن شواه إذاما الوغد أسبل ثوبيه على القدم

خامت حقيقته أي لم يطلبها، والقحم: الأمور العظام، ولم يخم أي لم يجبن، والوغد الدنيء الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، والشوى الأطراف. المعنى: يمدح عقبة بن زهير بأنه لم يجبن في محاربة الترك، وهو متأهب للحرب إذا أرسل اللئيم ثوبه عن رجله فلم يتأهل لها.

خاش الردى في العدا قدما بمنصله والخيل تعلك ثنى الموت باللجم

وهم مئون ألوفًا وهو في نفرشم العرانين ضرابين للبهم

ثنى الموت يعني وسط الموت يريد المعركة، شم العرانين ينسبهم إلى العزة والمنعة. المعنى: يمدح عقبة بن زهير أنه توسط المعركة بسيفه وعدوه في أكثر من مائة ألف، وهو في نفر أعزة شجعاء.

وقال أوس بن ثعلبة:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

جذام حبل الهوى ماضٍ إذا جعلت هواجس الهم بعد النوم تعتكر

وما تجهمنى ليل ولا بلدولا تكاءدني عن حاجتي سفر

ما تجهمني أي ما قابلني بوجه جهم أي كريه، ولا تكاءدني أي ما شق على، وهو من القصبة الكؤود أي الشاقة. المعنى: يصف نفسه بالصرامة يقول: أنا أقطع سبب المودة إذا خطر الهم ليلاً، وما صعب علي ليل ولا موضع، ولا شق علي سفر فمنعني عن حاجتي.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

أقول وسيفي في مفارق أغلب وقد خر كالجذع السحوق المشذب

بك الوجبة العظمى أناخت ولم تنخ بشعبة فابعد من صريع ملحب

سقاه الردى سيف إذا سل أومضت إليه ثنايات الموت من كل مرقب

أغلب اسم رجل وهو الغليظ العنق، والسحوق الطويل، والمشذب المقطوع الشذب وهو قضبانه، شبه الرجل لما سقط قتيلاً بجذع طويل قطعت عنه

قضبانه، والوجبة السقطة، ورجل ملحب إذا كان يؤذي الناس. المعنى: يصف شجاعته وقتله أغلب يقول: لما وسط سيفي مفرق أغلب وسقط أنه إذا سل طلع إليه الموت من كل موضع.

ويا عجل عجل القاتلين بذحلهم غريبًا لدينا من قبائل خصب

جنيتم وجرتم إذا أخذتم بحقكم غريبا زعمتم مرملا غير مذنب

وما قتل جار غائب عن نصيره لطالب أوتار بمسلك مطلب

فلم تدركوا ذحلاً ولم تذهبوا بما فعلتم بني عجل إلى وجه مذهب

ولكنكم خفتم أسنة مازنفنكبتم عنها إلى غير منكب
وقد ذقتمونا مرة بعد مرةوعلم بيان المرء عند المجرب

لأنكم فعلتم ما لم يحسن. المعنى: كان بنو عجل قتلوا رجلاً غريبًا بذحل كان لهم في بني مازن، والغريب كان من يحصب فعيرهم ذلك، وقال: خفتم أسنة بني مازن فقتلتم بذحلكم فيه غريبًا فقيرًا من غيرهم فلم تصيبوا في ذلك. ثم قال: لقد ذقتمونا مرارًا، ولا يعرف الرجل حق المعرفة إلا من قد جربه.

وقال بغثر بن لقيط الأسدي:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

أما حكيم فالتمست دماغهومقيل هامته بحد المنصل
للشاعر بغثر بن لقيط الأسدي، من قصيدة «أما حكيم فالتمست دماغه»

وإذا حملت على الكريهة لم أقل بعد العزيمة ليتني لم أفعل

التمست دماغه أي توصلت إليه بالسيف، فكأني التمس دماغه، مقيل هامته هو الدماغ. المعنى: يصف قتله حكيمًا، وانه إذا حمل على الكريهة أمضي عزيمته فيها ولم يندم.

وقال رجل من نمير:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

أنا ابن الرابعين من آل عمرو وفرسان المنابر من جناب

نعرض للسيوف إذا التقيناوجوهًا لا تعرض للسباب
فآبائي سراة بني نميروأخوالي سراة بني كلاب

الرابعون: السادة الذين يأخذون أرباع الغنائم، وفرسان المنابر يعني الأمراء. المعنى: يقول أنا ابن السادة من آل عمرو الأمراء من جناب نقتل من شئنا، ثم بين أنه كريم الطرفين.

وقال الهذلول بن كعب العنبري روى الهيثم بن عدي عن عطاء عن مصعب عن عاصم بن الحدثان الليثي، وأبي الدقيش العنبري قالا: تزوج الهذلول ابن كعب امرأة من بني بهدلة فرأته يومًا يطحن، فضربت صدرها وقالت: أهذا

زوجي؟ ! فبلغه ذلك فقال هذا الشعر. وروى أبو العباس المبرد هذه الأبيات لأعرابي من بني سعد، وكان مملكًا فنزل به ضيف فقام إلى الرحى يطحن فمرت به زوجه في نسوة فقالت أهذا بعلي؟ ! أعظامًا لذلك فأخبر بما قالت فقال:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

تقول وصحكت نحرها بيمينها أبعلي هذا بالرحى المتقاعس

فقلت لها لا تعجلي وتبينيفعالي إذا التفت علي الفوارس

ألست أرد القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين نائس

وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري خلوف المنايا حين فر المغامس

وأقري الهموم الطارقات حزامة إذا كثرت للطارقات الوساوس

صحكت أي دقت، ويروى "دقت صدرها" والمتقاعس: الرجل الذي خرج صده ويروى "ويركب رأسه" ويركب ردعه أي يسقط منكبه، وأصله في الإبل، ونائس متحرك، والأوق اثقل، وامترى خلوف المنايا أي أقبل، والمغامس الجريء الذي يركب رأسه، فهو يقول: إذا فر الذي يباشر الحروب وينغمس فيها جهلاً ثبت وحلبت ضروع المنايا، وأقرى الهموم أي أجعل الهموم التي تطرق ليلاً بمنزلة الضيف وأسن قراها، واجعل الحزم قرى لها، أي إذا هممت بشيء حزمت فيه. المعنى

يصف أن امرأته استصغرت أمره لما رأته يطحن فوصف لها نفسه وعظم عندها أمره. وبين لها شجاعته وصبره.

إذا خام أقوم تفحمت غمرة يهاب حمياها الألذ المداعس

لعمر أبيك الخير إني لخادم لضيفي وإني إن كنت ركبت لفارس

وغني لأشري الحمد أبغي رباحة واترك قرني وهو خزيان ناعس

الحميا: السورة والشدة، والمداعس المطاعن، المعني: يصف نفاده في الشدائد إذا هاب غيره، وبين عذره في طحينه فقال: إني لخادم ضيفي، وهم يفتخرون بخدمة الأضياف لما في عقباها من الحمد.

وقالت كنزة أم شملة:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

إن بك ظني ضادقُا بشملة يحبسهم بها محبسًا أزلا

فيا شمل واطلب القوم بالذي أصبت ولا تقبل قصاصًا ولا عقًلا

محبسًا أزلًا أي ضيقًا. المعنى: تحث ابنها على طلب الثأر، وتمنعه من أخذ الدية، والاقتصار على القصاص.

وقالت أيضًا:

لهفى على القوم الذين تجمعوا بذي السيد لم يلقوا عليًا ولا عمرا

فإن يك ظني صادق وهو صادقي بشملة يحبسهم بها محبسًا وعرًا

ويروى "لم يلقوا ركيكا ولا وعرا" والركيك الضعيف، ووعرا أي صعبا، والسيد موضع. المعنى: تحث ابنها على طلب القوم بالثأر.

وقال شبرمة بن الطفيل:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

لعمرى لريم عند باب ابن محرز أغن عليه اليارقان مشوف

أحب إليكم من بيوت عمادها سيوف وأرماح لهن حفيف

اليارقان: السواران، والمشرف: المجلو، من قوله بالمشوف المعلم، المعنى: يعير قومًا يقول: التنعم والاشتغال بالنساء المسورات أحب إليكم من الوقوف تحت ظلال الرماح والسيوف.

أقولا لفتيان ضرار أبوهمونحن بصحراء الطعان وقوف

أقيموا صدور الخيل إن نفوسكم لمقيات يوم ما لهن خلوف

خلوف جمع خلف. المعنى: يذكر تشجيعه فتيان ضرار وقوله لهم اثبتوا فإن الموت لابد منه، وسيجيء يوم لا خلف له.

وقال قبيصة بن النصراني الجرمي:

(الأول من الوافر القافية متواتر)

بنيي هيصم هوجدتماني بطيا بالمحاولة احتيالي

وعاجمت الأمور وعاجمتنى كأني كنت في الأمم الخوالي

ويروى "أوجدتماني) وهما بمعنى واحد، عاجمت الأمور أي جربتها كأني كنت في الأمم الخوالي. المعنى: يخاطب رجلين يقول: لم تجداني بطيء الاحتيال لمحاولة الأشياء، ثم أخبر عن نفسه أنه جرب الأمور ومارس الخطوب.

فلسنا من بني جداء بكر ولكنا بنو جد النقال

الجداء المرأة التي لا لبن لها، ويروى "بنو جد الفعال" والنقال: المناقلة في الكلام، ورجل نقل أي فصيح. المعني: لسنا بني المرأة القليلة الولد ولكنا ذوو

عدد وبيان وقدرة على الجواب.

تفرى بيضها عنا فكنا بني الأجلاد منها والرمال

لنا الحصنان من أجأ وسلمى وشرقياهما دون انتحال

وتيماء التي من عهد عاد حميناها بأطراف العوالي

تفرى تشقق، بيضها يعني بيض الأمم وهو استعارة والمراد ولدتنا، والأجلاد الأرضون الصلبة، أي ملأنا الأرضين السهلة والمرتفعة لكثرتنا، وأجأ وسلمى جبلا طيء، ودون انتحال أي حقيقة لا دعوى باطل. المعنى: كثرنا حتى ملأنا المواقع الصلبة والسهلة، ثم افتخر بكون جبلي طيء لهم من غير دعوى لا حقيقة فيها، وافتخر بحفظهم بهما حتى لا يملكهما غيرهم.

وقال سالم بن وابصة:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

عليك بالقصد فيما أنت فاعله إن التخلق يأتي دونه الخلق

التخلق أن يظهر من نفسه خلقًا لا يكون عليه، والقصد الإنصاف والحق. المعنى: أقصد في قولك ولا تظهر ما ليس من خلقك فتفضح.

وموقف مثل حد السيف قمت به أحمي الذمار وترميني به الحدق

فما زلقت ولا أبديت فاحشة إذا الرجال على أمثالها زلقوا

المعنى: يصف جلادته وثباته يقول: كما من موقف مخوف قمت حافظًا للحرم والناس ينظرون إلي فما أخطأت ولا فعلت ما يعاب علي.

وقال آخر:

[من الضرب الثالث المحذوف من الطويل والقافية من المتواتر]

إن أك قصدًا في الرجال فإنني إذا حل أمر ساحتي لجسيم

القصد: المتقارب الذي ليس بتام الخلقة. المعنى: إن لم أكن عظيم الجسم فإني عظيم المنقبة، يتبين ذلك إذانزل بي أمر.

وقال عامر بن الطفيل:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

قضي الله في بعض المكاره للفتي برشد وفي بعض الهوى ما يحاذر

ألم تلعمي أني إذا الألف قادني إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر

الإلف الصاحب، فعل بمعنى مفعول. ومعنى البيت الأول يقول: ربما يكره الفتي شيئاً وهو خير له، وربما يهوى ما هو شر له، من قوله تعالي: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

وقال مجمع بن هلال؛ غزا مجمع بن هلال بن خالد بن مال بن هلاك بن قتم بن ثعلبة يريد بني سعد بن زيد مناة، فلم يصب شيئًا من حاجته فرجع من غزاته تلك فمر بماء لبني نمير يقال له اللهيمي ويقال: الهييما عليه ناس منبني مجاشع فقتل منهم وأسر وقال في ذلك:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إن أمس ما شيخًا كبيرًا فطالما عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع

مضت مائة من مولدي فنضوتها وخمس تباع بع ذاك وأربع

نضيت ونضوت بمعنى واحد أي كشفت. المعنى: يذكر تعميره يقول: إن طال عمري فيما أرى طول العمر ينفع، ذم ذكر أنه عمر مائة وتسع سنين:

وخيل كأسراب القطا قد وزعتها لها سبل فيه المنية تلمع

شهدت وغنم قد حويت ولذة أتيت وماذا العيش إلا التمتع

أسراب القطا: جماعاتها، وقد وزعتها أي كنت القيم عليها، والوازع النقيب، وها سبل أي ما يتفرق، والسبل ما ينحسم من المطر. المعنى: يصف زعامته على الخيول والأقران وحوزة الغنائم، ثم قال: وما العيش إلا التمتع أي لا انتفاع به في مدة لتقطعه، ويروى "لها عارض فيه المنية تلمع".

وعاثرة يوم اللهيما رأيتها وقد ضمها من داخل القلب مجزع

لها غلل في الصدر ليس ببارح شجي نشب والعين بالماء تدمع

تقول وقد أفردتها من حليلهاتعست كما أتعستني يا مجمع
للشاعر مجمع بن هلال البكري، اقرأ القصيدة

فقلت لها بل تعس أخت مجاشع وقومك حتى خدك اليوم أضرع

عبأت له رمحًا طويلاً وآلةكأن قبس يعلي بها حين تشرع
للشاعر مجمع بن هلال البكري، اقرأ القصيدة

أي كم امرأة قد عثرت على وجهها لما لحقها من الجزع، لها غلل: جمع غلة وهو توقد وحرارة، نشب متعلق في الصدر. المعنى: يصف ما كان منه يوم "الهييما" من قتله الرجال وإرماله النساء يقول: كم امرأة رأيتها تعثر على وجهها لما دخل قلبها من الجزع ولا تبرح حرارة صدرها وهي تبكي، وتدعو علي لأني قتلت زوجها فرددت عليها الدعاء، ثم ذكر أنه قتل زوجها طعنًا برمح يضيء سنانه.

وكائن تركت من كريمة معشر عليها الخموش ذات حزن تفجع

الخموش والخدوش، وخمشت وجهها خدشته. المعنى: كم قتلت من كبار الناس وتركت كريمته قد خمشت وجهها عليه تفجعًا.

ذوقال الأخنس بن شهاب التغلبي جاهلي، الأخنس المنبسط قصبة الأنف:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

فمن يك أمسى في بلاد مقامة يسائل أطلالاً لها لا تجاوب

فلابنة حطان بن قيس منازل كما نمق العنوان في الرق كاتب

تمشي بها حول النعام كأنهاإماء تزجى بالعشي حواطب
للشاعر الأخنس بن شهاب التغلبي، من قصيدة «فمن يك أمسى في بلاد مقامةٍ»

وقفت بها أبكي وأشعر سخنة كما اعتاد محمومًا بخيبر ظالب

ويروى "كما رقش العنوان" أي خطط وزين، حول النعام جمع حائل وهي التي لا تبيض سنة ولا فرخ لها، وتزجى: تسوق، وصالب يريد حمى شديدة، وأشد ما تكون الحمى بخيبر المعنى: يذرك خلو المكان من ابنة حطان واستبدال النعام بها، ووقوفه في منازلها باكي العين، محترق الأحشاء كأن به حمى صالبة، ويروى "وقفت بها أعرى" من العروراء وهي الحمى تأخذه بالرعدة.

خليلاي هوجاء النجاء شملة وذو شطب لا يجتويه المصاحب

ليسأل ربع الدار صب متيم أخو قفرة ما تحتويه المذاهب

النجاء: السرعة، والشملة: الناقة السريعة الخفيفة، ما تجتويه أي ما تكرهه الطرق أي ما يكره المذاهب. المعنى: يقول: خليلاي من الدنيا ناقة سريعة وسيف مخطط ماض أي أنا صاحب سفر وأخو حرب.

وقد عشت دهرًا والغواة صحابتي أولئك أخواني الذين أصاحب

قرينة من أعيا وقلد حبلهوحاذر جراه الصديق الأقارب

فأديت عني ما استعرت من الصبا فللمال عندي اليوم راع وكاسب

الغواة جمع غاو، وقلد حبله أي ألقى حبله على غاربه، وجراه جريرته، والصديق بمعنى الجمع. المعنى: قد عشت زمانً غاويًا مع الغواة مؤاخيا لهم، قد خلعه قومه لسفهه وخشية أصدقائه ولجنايته، فارعويت اليوم عن الجهل، وأقبلت على حالي أصلحه.

لكل أناس من معد عمارةعروض إليها يلجأون وجانب
للشاعر الأخنس بن شهاب التغلبي، من قصيدة «فمن يك أمسى في بلاد مقامةٍ»

لكيز لها البحران والسيف كله وأن يأتها بأس من الهند كارب

تطير على أعجاز جون كأنها جهام أراق ماءه فهو آيب

وبكر لها صحن العراق وإن تشأ يحل دونها من اليمامة حاجب

ونحن أناس لا حجاز بأرضنا مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

ترى رائدات الخيل حول بيوتنا كمعزى الحجاز أعوزتها الزرائب

فيغبقن أحلابًا ويصبحن مثلها فهن من التعداء قبل شوازب

فوارسها من تغلب ابنة وائلحماة كماة ليس فيهم أشائب
للشاعر الأخنس بن شهاب التغلبي، من قصيدة «فمن يك أمسى في بلاد مقامةٍ»

هم يضربون الكبش يبرق بيضه على وجهه من الدماء سبائب

وإن قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى القوم الذين نضارب

عمارة: رفعه على الأصل وخفضه على الجوار، عروض أي ناحية، كارب أي أمر شديد يكرب، شبه الخيل الجهام لأنه أسرع وأخف، لا حجاز بأرضنا أي ما تحتجز به من حصن أو جبل، وما نلقى ما زائدة أي نلقى مع الغيث، رائدات الخيل تجيء وتذهب، وشبهها بمعزى الحجاز لأنها أكثر وأفرط في تكثيرها، وقال أعوزتها الزرائب أي لم تضمها الزرائب وهي الحظائر لكثرتها، فهي أكثر جولانًا من غيرها. المعنى يقول: لكل أناس موضع يلجأون إليه ونحن لا حصن بأرضنا نلجأ إليه، ولكننا نوجد مع الغيث لعزنا، وخيلنا مرسلة كمعزى الحجاز كثرة لا يجسر عليها أحد، وهي مكرمة تسقى اللبن، مضمرة من كثرة العدو، ثم وصف فوارسها في الحماسة والشجاعة.

فلله قوم مثل قومي عصابةإذا احتفلت عند الملوك العصائب
للشاعر الأخنس بن شهاب التغلبي، من قصيدة «فمن يك أمسى في بلاد مقامةٍ»

أرى كل قومٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب

سارب: أي ذاهب، المعنى: يمدح قومه ويصفهم بالعزة والمنعة يقول: كل أناس ترتع أبلهم حولهم لا تبعد عنهم خوف الغارة، ونحن نخلي سرب ابلنا ترعى كيف شاءت لعزنا وثقتنا بأنه لا يجسر أحد على الإقدام عليها فهي آمنة رائعة.

وقال العديل بن الفرخ العجلي، إسلامي وهو ممن هرب من الحجاج:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد وذات الثنايا الغر بالفاحم الجعد

وذات اللثات الحم والعارض الذي به أبرقت عمدًا بأبيض كالشهد

كأن ثناياها اغتبقن مدامةثوت حججًا في رأس ذي قنة فرد
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»

يريد ألا يا هذه اسلمي، والقنة أعلى الجبل، يقول: كأن ثنايا هذه الجارية شربت خمرًا كانت على رأس جبل ناء عن الناس فتركت حتى عتقت. المعني: يحيي صاحبته ويصف محاسنها وعذوبة ثناياها.

لعمري لقد مرت بي الطير آنفا بما لم يكن إذ مرت الطير من بد

جرى بفراق العامرية غدوةشواحج سود ما تعيد وما تبدي
إذا ما نعقن قلت هذا فراقهاوإن هن لم ينعقن سلين من وجدي

البد: السعة، وشواحج غربان. المعنى: لقد مرت بي الطير بما احتجت إلهي لأعلم ما أبني عليه من أمري، ثم بين بماذا مرت، فقال: جرى بفراق العامرية غربان سود إذا صوتن فزعت لصوتها لأنها إمارة البيت، وإذا سكتن سكن وجدي وهو الحزن.

لعل الذي قاد النوى أن يردها إلينا فقد يدنى البعيد من البعد

وعل النوى في الدار يجمع بيننا وهل يجمع السيفان ويحك في غمد

وكيف ترجيها وقد حال دونها نمير وأجبال تعرضن من نجدٍ

المعنى: يؤمل لقاء حبيبته على ما بينهما من البعد، ثم استبعد ذلك فقال: وهل يجمع السيفان ويحك في غمد أي لا تجمع بيننا، ثم بيّن وجه اليأس وهي العداوة في بني نمير قومها.

ظللت أساقي الهم اخوتى الأولى أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد

كلانا ينادي يا نزار وبينناقنا من قنا الخطي أو من قنا الهند
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»
قروم تسامي من نزار عليهممضاعفة من نسج داود والسغد
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»
إذا ما حملنا حملة مثلوا لنابمرهفة تذري السواعد من صعد
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»
وإن نحن نازلناهم بصوارمردوا في سرابيل الحديد كما نردي
للشاعر أبو الأخيل العجلي، اقرأ القصيدة

كفى حزنًا أن لا أزال أرى القنا تمج نجيعًا من ذراعي ومن عضدي

أساقى الهم أي أعمهم ويروى "أساقي السم" أبوهم أبي أي في كل حال، السغد بلد، مثلوا لنا ثبتوا، ويروى أيضًا "ثبتوا لنا" وتذرى السواعد أي تسقطها. المعنى: يذكر محاربته بني أعمامه وأنهم ينسبون إلى نزار، وكلهم سادة وأقران يكمل بعضهم بعضًا، ومعهم الرماح وعليهم الدروع. ثم أخذ يتأسف على محاربته من يحل منه محل نفسه، فلهذا قال: يمج نجيعًا من ذراعي ومن عضدي أي من أقاربي.

لعمري لئن رمت الخروج عليهم بقيس على قيس وعوف على سعد

وضيعت عمرًا والرباب ودرامًا وعمرو بن ود كيف أصبر عن ود

لكنت كمهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابيةٍ صلد

كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد

يعني قيس عيلان الذين هم عشيرتي لأن قيس عيلان من مضر، وهذا عجلي من ربيعة على قيس الذين هم عشيرتي يعني قيس بن ثعلبة بن عكابة، لأن هذا من بني عجل، ويعني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض الذين هم عشيرتي، وقوله كمرضعة يعني الذئبة لأنها تترك أولادها وترضع أولاد الضبع، والرقراق ماء قليل. المعنى يقول: لئن حاربت قيسًا وسعدًا وضيعت الذين هم أولى بحفظهم عمرًا والرباب دارمًا وعمرو بن ود كنت كمن ترك الحزم وأراق الماء في سقائه لما يظهر له من السراب، وكنتن كذئبة ضيعت ولدها وأرضعت ولد غيرها.

فأوصيكما يا ابني نزار فتابعاوصية مفضي النصح والصدق والود
للشاعر أبو الأخيل العجلي، من قصيدة «ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقدِ»

فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي ولا ترميا بالنبل ويحكما بعدي

أما ترهبان النار في ابني أبيكما ولا ترجوان الله في جنة الخلد

فما ترب أثرى لو جمعت ترابها بأكثر من ابني نزار على العد

هما كنفا الأرض اللذا لو ترعزعا تزعزع ما بين الجنوب إلى السد

قطع ألف الوصل في ابني نزار وذلك قليل جائز، ويروى "فلا تعلمن الحرب" أي لا تحوجون إلى قتالكم فأقاتل حتى أقتل فتعرف الحرب هامتي مطرحة في الهامات، ولا تقاتلوا بعدي أيضاً، ويروى "فلا تعلمن الحرب" مفتوحة بنصب الحرب، يعني لا تقاتلوا بعدي فتعلم بذلك هامتي وصداى في هام الموتى، واللذا أراد اللذان فحذف النون كقوله: "هما خطتا"، ويروى "فما ترب أثرى"

المعنى: يوصي أقاربه بالتواصل وترك التدابر والتقاتل، ويحذرهم الناران تقاطعوا، ويطمعهم في الجنة أن تواصلوا، ويذكرهم كثرة عدوهم وعزهم، وأشار إلى أن محاربتهم تذهب عزهم وتنقص عددهم.

وإني وإن عاديتهم وجفوتهملتألم مما عض أكبادهم كبدي
للشاعر العديل بن الفرخ العجلي، اقرأ القصيدة
لأن أبي عند الحفاظ أبوهموخالهم خالي وجدهم جدي
للشاعر العديل بن الفرخ العجلي، اقرأ القصيدة

رماحهم في الطول مثل رماحنا وهم مثلنا قد السيور من الجلد

المعنى يقول: وإن جفوت بني نزار فإنه يوجعني ما يوجعهم، لضم نسب الأب والأم أيانا، ونصب قد السيور على المصدر، ومعناه قدوا منا قد السيور من الجلد.

وقال عبد القيس بن خفاف، أحد بني حنظلة بن مالك البرجمي:

(الأول من المتقارب والقافية متواتر)

صحوت وزايلني باطلي لعمر أبيك زيالا طويلا

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.