تجاوز إلى المحتوى

من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)

باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى

قال أبو محمد " أضاء القمر وضاء " وأنشد للعباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﷺ:

من قبلها طبت في الظلال وفيمستودع حيث يخصف الورق
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «وأنت لما ولدت أشرقت الأرض»
ثم هبطت البلاد لا بشرٌأنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقدألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحمإذا مضى عالم بدا طبق
وأنت لما ظهرت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق

قوله في الظلال جمع ظل يعني ظلال الجنة أراد أنه كان طيّباً في صلب آدم ﵇ وآدم في الجنة قبل أن يهبط من الجنة إلى الأرض وقوله حيث يخصف الورق حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة أي ضمّا بعضاً إلى بعض وقوله ثم هبطت البلاد يعني لما هبط آدم ﵇ إلى الأرض لأن النبي ﷺ كان في صلبه ولم يكن إذ ذاك بشراً ولا مضغة ولا علقة بل نطفة يريد بل كنت نطفة وقوله تركب السفين يريد ركوب نوح السفينة وقت الطوفان وكنت في

صلبه والسفين جمع سفينة وهذا الجمع غريب في المصنوعات ولا يكون إلا في المخلوقات نحو شعيرة وشعير وتمرة وتمر ولا يقال قصعة وقصعٌ وقوله ألجم نسراً نسرٌ صنمٌ وألجمهم منعهم من الكلام وقوله تنقل من صالب أي من صلب إلى رحم يقال صلبٌ وصلبٌ وصالبٌ وقوله إذا مضى عالمٌ أي مضى قرن بدا قرن وقيل للقرن طبق لأنهم طبق للأرض يقال هذا مطر طبق الأرض وقوله لما ظهرت أي ولدت وأشرقت أضاءت وأنّث الأفق على معنى الناحية. قال أبو محمد " سلكته وأسلكته قال الله ﷿ ما سلككم في سقر " وقال عبد مناف بن ريع الهذلي:

كأنهم تحت صيفي له نحممصرح طحرت أسناؤه القردا
للشاعر عبد مناف الهذلي، اقرأ القصيدة
حتى إذا أسلكوهم في قتائدهشلاّ كما تطرد الجمالة الشردا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «حتى إذا أسلكوهم في قتائدة»

صيفي سحاب له نحم صوت رعد ينحم مثل نحيم الدابة مصرح صرح بالماء صبه وانكشف فصار غيما خالصاً ونفى عنه القرد والقرد من السحاب الصغار المتلبد المتراكب بعضه على بعض وطحرت دفعت والأسناء جمع سناً وهو الضوء ويقال مطر مطحرٌ إذا كان شديد الدفعة بعيد المذهب يقول كأنهم تحت مطر صيفي مما يقع بهم من الضرب وقتائدة مكان والشلّ الطرد والجمالة أصحاب الجمال وقال الأصمعي ليس لإذا جواب قال ويقال إن قوله شلاّ هو الجواب كأنه قال حتى إذا اسلكوهم في هذا الموضع شلّوهم شلاّ.

قال أبو محمد " هلكت الشيء وأهلكته قال العجاج ":

ومهمةٍ هالك من تعرجاهائلة أهواله من أدلجا

المهمة القفر من الأرض وهالك من وصف المهمة ومن تعرّج في معنى الذين تعرّجوا فيه والألف واللام في معنى الذي فيصير المعنى هالك المتعرجين فيه ويجوز أن يكون هالك من فعل المتعرجين والضمير العائد إلى المهمة محذوف تقديره ومهمةٍ هالك متعرجوه كما تقول ومكان مهتد سالكوه فإذا نقلت الضمير وأدخلت الألف واللام قلت ومكان مهتد السالكين بنصب السالكسن وتنوين مهتد ويجوز الإضافة فتقول مهتدي السالكين وهذا التفسير على غير الوجه الذي ذكره ابن قتيبة بمعنى أهلكت ويقول هلكت لا يتعدى وتقدير يبث العجاج مستقيم على أن هالكاً لا يتعدى والذين جعلوا هلكت بمعنى أهلكت في التعدي استشهدوا بهذا البيت وجعلوا الفعل للمهمة وهائلة من وصف المهمة وأهواله فاعلة ومن أدلج

مفعول يعني أن أهواله تهول من أدلج فيه.

قال أبو محمد " جلا القوم عن الموضع وأجلوا تنحوا عنه وأجليتهم وجلوتهم " قال أبو ذؤيب:

تدلى عليها بين سبّ وخيطةبجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أبالصرم من أسماء حدثك الذي»
فلما جلاها بالأيام تحيزتثبات عليها ذلّها واكتئابها

يصف مشتار العسل وإنه يتدلى لأخذه من الجبل لأن النحل تعسل في الجبال والجرداء ها هنا الصخرة الملساء شبه الصخرة في أملاسها بالنطع والوكف النطع والكبوّ العثار والسبّ الحبل بلغة هذيل والخيطة الوتد وقيل أن الخيطة درّاعة يلبسها المشتار وجلاها طردها والأيام الدخان وتحيزت تفرقت وتميزت في كل وجه ويقال اجتمع بعضها إلى بعض ويروى تحيرت أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب والذي يأخذ العسل لا يصعد إلا ومعه شيء يدخن به عليهن لئلا يلسعنه يقال منه آمها يؤومها أوماً والثبات جمع ثبةٍ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء والاكتئاب الحزن.

قال أبو محمد " وهنه الله فأوهنه قال طرفة ":

وإذا تلسنني ألسنهاأنني لست بموهون فقر
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»

وقد تقدم تفسيره. وأنشد.

أقتلت سادتنا بغير دمإلا لتوهن آمن العظم

هذا الاستفهام على سبيل الإنكار والمعنى ما قتلت به سادتنا بغير دم أراقوه إلا لتذلنا فنكون بمنزلة العظم الصحيح الآمن من الوهن حتى لحقه كسرٌ فأوهنه وأضعفه وإذا قتل سادة القوم فقد ذهب عزهم وذلوا. قال أبو محمد " خطئت وأخطأت قال الله تعالى " لا يأكله إلا الخاطئون " وأنشد بيتا لأمية بن أبي الصلت:

عبادك يخطئون وأنت ربٌّبكفّيك المنايا لا تموت

هكذا أنشده لا تموت والقصيدة ميمة وأولها:

سلامك ربنا في كل فجربريئاً ما تغنثك الذموم
عبادك يخطئون وأنت رببكفيك المنايا والحتوم
من الآفات لست لها بأهلولكن المسيء هو الظلوم

قوله سلامك ربّنا أي سلمنا يا رّبنا وقوله ما تغتثك أي ما تلزمك ويروى ما تليق بك الدموم وهي جمع ذم وبريئا نصب على الحال وهذه الحال موكدة ويروى بريءٌ بالرفع وهو خبر مبتدأ تقديره أنت بريء. يقال خطئت خطأ إذا أثمت قال الله تعالى " إنه كان خطئاً كبيرا " وأخطأت في غيره يقال لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطأ في الدين وأبو عبيدة يقول هما لغتان والحتوم جمع حتم وهو القضاء وقوله من الآفات من تتعلق بقوله بريئاً من الآفات والمليم الذي يأتي بما يلام عليه.

النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.