من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
في العزلة
قال ابن عبد البر في التمهيد: قد فضّل رسول الله ﷺ العزلة، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، ولا سيما في زمن الفتن وفساد الناس، وروي من مرسل الحسن وغيره أن النبي ﷺ قال: (صوامع المؤمنين بيوتهم)، ثم أخرج بسنده عن أبي الدرداء قال: (نعم صومعة الرجل المسلم بيته، يكفّ فيها بصره ونفسه وفرجه، وإياكم والمجالس في الأسواق فانها تلغي وتلهي). وأخرج من طريق ابن لهيعة، عن بشار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج: ما فعل خالد؟ قلت: لزم البيت مذ كذا وكذا، فقال: أما إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
وأخرج عن عدسة قال: مر بنا ابن مسعود، فأهدي له طير، فقال ابن مسعود:
وددت أني حيث صيد هذا الطائر، لا يكلمني أحد ولا أكلمه. وأخرج عن حذيفة قال: لوددت أني وجدت من يقوم بي في مالي، فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم يدخل عليّ أحد، ولم أخرج إلى أحد حتى ألحق بالله ﷿.
وكان طاووس يجلس في البيت، فقيل له: لم تكثر الجلوس في البيت، فقال:
حيف الأئمة وفساد الناس./
وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني، فقال: هذا زمن السكوت ولزوم البيوت.
وقال ابن عبد البر: فرّ الناس قديما من الناس، فكيف بالحال اليوم، قال: ورحم الله منصور الفقيه حيث يقول:
الخير أجمع في السكوتوفي ملازمة البيوت
فاذا استوى لك ذا وذلك فاقتنع بأقلّ قوت
وقال أيضا:
ليس هذا زمان قولك ما الحكم على من يقول أنت حرام
والحقي بائنا لأهلك أو أنت عتيق محرّر يا غلام
ومتى تنكح المصابة في العدّة عن شبهة وكيف الكلام
في حرام أصاب سنّ غزالفتولّى وللغزال بغام
إنما ذا زمان كدّ إلى الموت وقوت مبلّغ والسلام
وقال سفيان الثوري: ما رأيت لأحد خيرا من أن يدخل في جحر. وقال سفيان:
والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة. وقال سفيان: أنكر من تعرف، ولا تتعرّف إلى من لا تعرف.
وقال بعضهم:
إذا شئت أن تحظى من الكتب كلهابأطيب مرويّ وأحسن مسموع
فطالع مجاميع التعاليق إنّهاتفرّق من همّ الفتى كلّ مجموع
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن الحسن قال: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو السنّة.
[قال] الشيخ أبو إسحاق الشيرازي:
إذا لم يعنك الله فيما تريدهفليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يدللك في كل مسلكضللت ولو أنّ السماك دليل
وإن هو لم ينصرك لم تلف ناصراوإن عزّ أنصار وجلّ قبيل
قال المنذري في تاريخ مصر: قرأت على أبي المعالي عبد الرحمن بن علي بن عثمان القرشي، عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى، أخبرنا ابن شبيل، يعني أبا بكر يحيى بن إبراهيم، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعيش، وأبو الفتح نصر بن عامر بن أسيل، قالا حدثنا عبد الرحمن بن عيسى بن مدراج، أخبرنا أحمد بن خالد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بارز، حدثني أبو زيد بن أبي الغمر عن المفضل بن فضالة، وذكر أنه وجده مجربا تكتبه في جام الزجاج، وتغسله بالماء ثم ترش به وجه المريض: ربنا الذي في السماء تقدس اسمه، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء والأرض،
فاجعل رحمتك في الأرض،/ واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين، انزل رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ باذن الله، وهو لكل شىء.
قال إبراهيم، قال أبو زيد، وأخبرني المفضل أنه كتبه ورشّ في وجه بغل، فاستراح وقام مكانه، وقال إبراهيم، وأخبرنا أبو زيد أن المفضل رفعه إلى النبي ﷺ، وذكر المفضل أنه ما كتبه لأحد إلا برأ باذن الله، وهو لكل وجع في الناس والبهائم، وذكر أبو زيد أنه قد جرّبه في جارية له، كتبه ورشه في وجهها وكانت مريضة حين كتبه لها فبرئت باذن الله تعالى، قلت:
نعم، وهو حديث مرفوع أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكاه أخ له، فليقل: ربنا الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين، انزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع)، فيبرأ./
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، عن معاوية أنه قال: ألستم تعلمون أن كتاب الله حق، قالوا بلى، قال: ما قرأوا هذه الآية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
، ألستم تؤمنون بهذا، وتعلمون أنه حق، قالوا: بلى، قال:
فكيف تلوموني بعد هذا؟ فقام الأحنف فقال: يا معاوية، والله لا نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما أنزل الله من خزائنه، فجعلته أنت في خزائنك، وأغلقت عليه بابك، فسكت معاوية.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع