تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

في تاريخ ابن عساكر

من طريق أبي رجاء، عن شعبة عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي: أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتمّا، فقال: يا محمد، ما هذا الغمّ الذي أراه في وجهك، قال: (الحسن والحسين أصابتهما عين)، قال: صدّق بالعين، فان العين حق، أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات، قال: (وما هن يا جبريل)، قال قل: اللهم ذا السلطان العظيم، ذا المن القديم، ذا الوجه الكريم، وليّ الكلمات التامات، والدعوات المستجابات، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن، وأعين الإنس. فقالها النبي ﷺ، فقاما يلعبان بين يديه، فقال النبي ﷺ:

(عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ، فانه لم يتعوذ المعوذون بمثله). قال أبو بكر الخطيب: تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبيد الله الحبطي من أهل تستر./

وفيه عن أبي أسامة قال: كان عمر بن الخطاب في زمانه رأس الناس، وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعد ابن عباس في زمانه الشعبي، وكان بعد الشعبي في زمانه سفيان الثوري، وكان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم. قال ابن عساكر:

أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أخبرنا رشأ بن نظيف، حدثنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن مروان، حدثنا محمد بن موسى بن حماد، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا المدائني عن علي بن عبد الله القرشي عن أبيه قال، قال عمر بن الخطاب: أتمنى رجالا ملء هذا البيت مثل أبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، إن سالما شديد في ذات الله، لو لم يخف الله ما عصاه./

في تاريخ ابن عساكر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ثلاثة من قريش أحسن قريش أخلاقا وأصبحهما وجوها، وأشدهما حياء، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو باطل لم يكذبوك، أبو بكر وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح. عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: قبر معاذ بن جبل بقصير خالد بالغور، وقبر أبي عبيدة بن الجراح ببيسان.

عن كريب مولى ابن عباس قال: إن كان رسول الله ﷺ ليجل العباس إجلال الولد والده، خاصة خص الله العباس من بين الناس، وما ينبغي للنبي ﷺ أن يجل أحدا إلا والدا أو عمّا.

عن دحية الكلبي قال: قدمت من الشام فأهديت النبي ﷺ فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك، فوضعته بين يديه، فقال: (اللهم آتني بأحب أهلي إليك أو إليّ يأكل معي

من هذا)، فطلع العباس، فقال: (ادن يا عم)، فجلس فأكل. قلت: في سنده الكلبي متروك، وليس في الأحاديث ذكر الفستق واللوز، إلا في هذا الحديث./

سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، قال: كان النبي ﷺ إذا جلس، جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كاتب رسول الله ﷺ، فإذا جاء العباس بن عبد المطلب تنحى أبو بكر، وجلس العباس مكانه.

عن مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تصير كالإسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس، فاذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل عليه النبي ﷺ بوجهه، وألقى إليه حديثه، وسمع الناس، فطلع العباس تزحزح له أبو بكر من مجلسه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ، لتعظيم أبي بكر للعباس.

أبو الزناد عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمر قط بعمر بن الخطاب، ولا بعثمان بن عفان، وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالا له. قال أبو أحمد عبد الله بن بكر الطبراني الزاهد: أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعا في الدين والدنيا بعد كتاب الله ﷿ أحاديث رسول الله ﷺ،/ لما فيها من كثرة الصلاة عليه، وأنها كالرياض والبساتين، تجد فيها كل خير وبر، وفضل وذكر.

عن عبد الملك بن عمير قال، قال أبو مسلم الخولاني: أظهر اليأس مما في أيدي الناس، فان فيه الغنى، وأقلّ طلب الحاجات إلى الناس، فان فيه الفقر إلى الحاضر، وإياك وما يعتذر منه من الكلام، أخرجه ابن أبي الدنيا. عن شهر بن حوشب قال: قال سعد بن عبادة لابنه:

يا بني أوصيك بوصية فاحفظها، فان أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الأمر أضيع، إذا توضأت فأتم الوضوء، ثم صلّ صلاة امرئ مودع، ترى أنك لا تعود، وأظهر اليأس من الناس، فانه غنى، وإياك وطلب الحوائج إليهم، فانه فقر حاضر، وإياك وكل شىء يعتذر منه.

رئي عبد الله بن جعفر ﵄ يماكس في درهم، فقيل له: تماكس في درهم وأنت تجود من المال بكذا وكذا، فقال: ذاك مالي جدت به، وهذا عقلي بخلت به.

عن صفوان بن سليم قال: يتحدث أهل المدينة أن عبد الله بن حنظلة ابن الغسيل، لقيه الشيطان وهو خارج من المسجد، فقال: تعرفني بابن حنظلة، قال: نعم، قال من أنا، قال: أنت الشيطان، قال: فكيف علمت ذاك، قال: خرجت وأنا أذكر الله، فلما رأيتك نظرت إليك فشغلني النظر اليك عن ذكر الله، فعلمت أنك الشيطان، قال: نعم يا ابن حنظلة فاحفظ عني شيئا: لا تسأل أحدا غير الله سؤال رغبة، وانظر كيف تكون إذا غضبت./

عن المفضل بن خليفة قال: كنا عند بعض المشايخ نكتب عنه وهو يملي علينا ويمازحنا، فعرض له عارض، فدخل منزله، ثم خرج مكفهرا عبوسا، فقلت له: يا شيخ، ما قصتك، قال: نعم اكتبوا:

دخلت البيت أطلب فيه خبزافجاؤوني بسندان الدقيق
وقالوا قد فنى ما كان فيهفأظلم ناظراي وجفّ ريقي
وأنسيت القضايا إذ رواهاجرير عن مغيرة عن شقيق
وناح محابري وبكى كتابيولم أعرف عدوي من صديقي
إذا فني الدقيق فقدت عقليفوا حزنا لفقدان الدقيق

صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عامر بن شبل الجرمي، قال:

سمعت رجلا يحدّث أنه سمع أنس بن مالك يقول: في الجنة قصر لا يدخله إلا صوّام.

عبد الله بن يوسف، حدثنا عامر بن شبل قال: سمعت أبا قلابة يقول: في الجنة قصر لصوّام رجب.

محمد بن زياد اليشكري، حدثنا ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عباس قال: من صلّى ليلة تسع وعشرين من رجب ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة، فاذا فرغ من صلاته قرأ بفاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أربع مرات، ثم أصبح صائما، حطّ الله عنه ذنوب ستين سنة، وهي ليلة بعث فيها النبي ﷺ. قلت: اليشكري كذاب يضع الحديث.

عبد الباقي بن أحمد أبو البركات ابن النّرسي الأزجي البغدادي المعدّل، ولي حسبة بغداد، وكانت فيه غفلة، شهد في بيع عقار غير محدد، فعاب عليه قاضي القضاة ذلك وقال: لا تشهد إلا في ما ذكرت حدوده، فأتاه اثنان قد تبايعا سفينة فنظر في الكتاب، ثم قال: أين الحدود، الزم كتابك.

قال أبو محمد سهل بن سوار: الدنيا كلها جهل وموات إلا العلم، والعلم كله حجّة إلا العمل منه، والعمل كله هباء إلا الإخلاص منه، والإخلاص له خطر عظيم لا يدري بم يختم له. عن أبي إدريس عبد الرحمن بن عراك قال: إذا كان رجل بأرض فلاة فتصيبه مجاعة فيقول: اللهم ايتني برزقي الذي قدرته لي، إلا أتاه الله برزقه.

عن إسماعيل بن عياش قال: انقلب الناس من غزاة البردة سنة أربعين ومائة، فسمعتهم يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة./

عن الأوزاعي قال: خرجت إلى الصحراء، فاذا أنا برجل من جراد في السماء، وإذا أنا برجل راكب على جرادة منها، وهو شاك في الحديد، وكلما مال بيده هكذا مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل، ما فيها، ثلاثا.

عن الأوزاعي قال: كان عندنا رجل صياد يسافر يوم الجمعة يصطاد، ولا ينتظر الجمعة، فخرج يوما فخسف ببغلته فلم يبق منها إلا أذنها. عن بشر بن بكر قال: أرسل والي الشام إلى الأوزاعي فقال له: يا أبا عمر، هذا كتاب أمير المؤمنين يأمر فيه بالخروج إلى فلان فتقاتله، فقال له الأوزاعي: حدثني يحيى بن أبي كثير: أن رسول الله ﷺ

قال: (إنما الأعمال بالنيات)، فذكر الحديث بتمامه، فقال له الوالي: أخبرك عن كتاب أمير المؤمنين، وتعارضني بغيره، فقال له الأوزاعي: اسكت، أخبرك عن رسول الله ﷺ وتعارضني بغيره.

قال علي بن عثام: كان يقال: ما انتقم الله لقوم إلا بشر منهم. عن أبي عثمان النهدي قال: بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة، ما من شىء منّي إلا وقد عرفت النقص فيه، إلا أملي فاني أجده كما هو.

هذا كله من ابن عساكر.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات والمحاورات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.